انتصار فلسطين في الأممالمتحدة بتصويت الجمعية العامة لحصولها علي وضع دولة مراقب غير عضو يوم الخميس الماضي لم يكن مجرد حملة دبلوماسية ناجحة بين الدول الأعضاء في المنظمة العالمية, ولكنها كانت لطمة عنيفة علي وجه الدبلوماسية الإمريكية والإسرائيلية. بعد أن سعيا لتقليل نسبة التصويت ب نعم, وتتباري وسائل الإعلام الأمريكية في تقريع ونقد المسئولين في إدارة الرئيس باراك أوباما لموقفه من الطلب الفلسطيني رغم أنها كانت تعلم باتجاهات التصويت في الجمعية العامة التي تختلف حساباتها عن طريقة إدارة مجلس الأمن الدولي الدي وقف ضد طلب السلطة الفلسطينية في العام الماضي. وفي كواليس الأممالمتحدة, كانت الولاياتالمتحدة تضغط في اللحظات الأخيرة علي مجموعات إقليمية بعينها من أجل رفع نسبة التصويت ضد رفع مستوي تمثيل فلسطين وقد نجحت واشنطن وتل أبيب, كما هو معتاد, في حشد أصوات دول مجموعة الباسيفيك مثل ميكرونيزيا ونورو وبالاو وبنما وجزر مارشال بالطريقة نفسها التي شهدتها الجمعية العامة في السنوات الماضية في قرارات خاصة بإسرائيل وفي العام الحالي سعت امريكا إلي دول من مجموعة إقليمية جديدة شرق ووسط أوروبا وصوت منها جمهورية التشيك وامتنع عدد آخر عن التصويت ضمن ال41 دولة التي تغيبت رغم أن واشنطن أجرت إتصالات لرفع التصويت ب لا لتبييض ماء الوجه في مقابل حشد مجموعة عدم الانحياز والمجموعتين العربية والإسلامية في الأممالمتحدة. وقد نالت هيلاري كلينتون وخليفتها المحتملة سوزان رايس مندوبة امريكا في الأممالمتحدة انتقادات من مختلف وسائل الإعلام في الداخل ليس فقط بسبب فشل الدبلوماسية الأمريكية في تحجيم مستوي الإحراج امام المجتمع الدولي ولكن في الظهور بمظهر المعارض لقيام الدولة الفلسطينية. وفي المؤتمر الصحفي اليومي للخارجية يوم الجمعة الماضي, إنهالت الأسئلة والانتقادات للخارجية الأمريكية ودافعت المتحدثة فيكتوريا نولاند بإشارة متكررة إلي أن موقف الولاياتالمتحدة ينبع من خشية تأثير قرار الجمعية العامة بمنح فلسطين وضعا جديدا علي عملية السلام وفرص حل الدولتين, بينما الموقف الأمريكي ينصب في رفض العضوية لمنع لجوء الفلسطينيين إلي المحكمة الجنائية الدولية وملاحقة جنرالاتها عن جرائم حرب وإدانة بناء المستوطنات وفقا لمواثيق جنيف وفي ظل ضغوط هائلة في الداخل الأمريكي من اللوبي المؤيد لإسرائيل لوقف الخطوة التاريخية التي وضعت أمريكا خارج التيار الرئيسي للأسرة الدولية. وقد سعت إدارة أوباما إلي إقناع الرئيس الفلسطيني محمود عباس بعدم التوجه للجمعية العامة قبل استئناف المفاوضات مجددا بين إسرائيل والفلسطينيين ولكن غياب الأفق بالنسبة للتفاوض المباشر في المستقبل القريب دفع السلطة إلي تجاهل طلب أوباما والإقدام علي خطوة مقبولة من غالبية الأسرة الدولية ولا تفرق مسألة التوقيت في حساباتها عند التصويت علي مساندة حقوق الشعب الفلسطيني. وكانت حسابات أمريكا وإسرائيل تنصب في حشد ما بين40 إلي50 دولة للتصويت ضد القرار معظمها من الدول الديمقراطية في الغرب لتقليل حجم الخسارة الدبلوماسية إلا أن النتيجة النهائية خرجت بتصويت9 فقط ضد القرار بعد أن خيبت الكتلة الأوروبية وإستراليا التوقعات بعد ان دفعتها حسابات أخري عديدة لمناصرة الفلسطينيين. في الدوائر الأمريكية والإسرائيلية هناك تخوف من سلاح المحكمة الدولية في مواجهة استمرار توسع إسرائيل في بناء المستوطنات والعدوان علي أبناء الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة, وقد عبر السفير الفسلطيني رياض المالكي في إجابة علي سؤال لأحد الصحفيين في مقر الأممالمتحدة عن موقف واضح بالقول لو استمرت إسرائيل في العدوان توجهنا للمحكمة.. ولو امتنعت امتنعنا. وموقف السلطة الفلسطينية في مواجهة الإعتداءات في المستقبل يمنحها موقفا تفاوضي وورقة قوية في مواجهة واشنطن وتل أبيب وتعطي الرئاسة الفلسطينية وضعا أقوي علي الساحة الدولية. كما أن دوائر أمريكية تري أن تداعيات حرب غزة الأخيرة قد ساهمت في اتجاه مجموعة الدول الديمقراطية الغربية للتصويت بنعم او الامتناع عن التصويت من أجل مساندة السلطة الفلسطينية التي تدعمها بأموال المساعدات من أجل بناء الدولة حيث تري أطراف عديدة أنها الخاسر الأكبر في حرب الصواريخ التي دعمت موقف حركة حماس رغم الخسائر البشرية في صفوف الفلسطينيين. ويرد المسئولون الأمريكيون أن الدولة الفلسطينية هي دولة تخيلية وليست دولة في الواقع وهو الفارق بين الموقف الأمريكي وبين مواقف دول غربية أخري تؤيد موقف السلطة والرئيس عباس وأن التفاوض هو المحك الرئيسي لتحويل الخيال إلي واقع, في مواجهة الجدل الأمريكي, يري مسئولون فلسطينيون ومحللون سياسيون أن واشنطن لا تقوم بجهد حقيقي لوقف الاستيطان الزاحف علي سائر الأراضي المحتلة أو طرح صيغ عملية لاستئناف المفاوضات تتجاوز المناورات التي تحل مع كل حكومة جديدة في إسرائيل وتعرقل استكمال التسوية منذ اتفاقيات أوسلو قبل عشرين عاما أمام السلطة الفلسطينية مجموعة من التشابكات الدبلوماسية والحسابات الإقليمية البالغة التعقيد في مرحلة ما بعد الإعتراف الدولي بوضع الدولة المراقب وأولوية تحقيق الوحدة الوطنية, سوف تحدد فرص تحويل الدولة التخيلية إلي دولة واقعية وتجاوز التعبير عن خيبة الأمل في واشنطن أو تهزم مقولة سفير إسرائيل في الأممالمتحدة حين قال إن التصويت لمصلحة الدولة المراقب هو مسيرة الحماقة!