تتسابق دول العالم لتنظيم البطولات الرياضية الكبري، وتبذل فى سبيل ذلك جهودا كبيرة وسط منافسة ضارية حول من يفوز بشرف التنظيم، نظرا لما تجنيه الدولة المنظمة من فوائد كثيرة، سياسية واقتصادية وسياحية وترويج للقوة الناعمة وتطوير لطاقات الشباب.. وغيرها. ولم يكن قرار الاتحاد الافريقى لكرة القدم (كاف) الموافقة على تنظيم مصر بطولة كأس الأمم الافريقية 2019 للمرة الخامسة فى تاريخها, وهو رقم قياسى لم تحققه أى دولة, سوى محصلة لمجموعة من العوامل المهمة، على رأسها التقدير الكبير لوجود الرئيس عبد الفتاح السيسى على رأس الاتحاد الافريقي، تتويجا لجهود مصر خلال السنوات الأخيرة فى تعزيز التعاون مع القارة الافريقية ودعم قضاياها، وتكريسا لاستعادة الدور الريادى المحورى المصرى فى القارة السمراء الذى أطلق شرارة التحرر للشعوب الافريقية، وكان الظهير الاساسى لها فى معركة التنمية. لذلك فإن العمل على إنجاح هذه البطولة هو مسئولية مشتركة لكل مصرى من أصغر مواطن إلى أكبر مسئول، وليس مسئولية اللجنة المنظمة للبطولة فقط، فنحن امام حدث تاريخى له أصداء متعددة لا تقتصر على الجانب الرياضى فقط، وإنما له جوانبه السياسية والاقتصادية والتنموية والسياحية، فهذه البطولة التى تحتضن منتخبات 24 دولة إفريقية لأول مرة، وتستقطب أعداداً كبيرة من المشجعين الأفارقة من مختلف الدول، تعد جزءا مهما من استراتيجية مصر فى الاهتمام بالقارة السمراء خلال عام 2019، والذى يعد بحق عام إفريقيا فى مصر، منذ تولى الرئيس السيسى رئاسة الاتحاد الافريقي، مرورا بتنظيم ملتقى الشباب العربى الافريقى الذى ناقش رؤى الشباب لسبل تحقيق التكامل العربى الافريقي، وأعلن الرئيس السيسى فى ختامه عدة توصيات منها إطلاق وزارة الصحة بالتنسيق مع الأجهزة المعنية مبادرة مصرية للقضاء على فيروس سى لمليون افريقي، وفتح الباب أمام الباحثين الأفارقة للمشاركة فى بنك المعرفة المصري، والتنسيق مع الاتحاد الافريقى لإنشاء آلية عربية افريقية مشتركة للتعاون فى مختلف المجالات, إلى جانب الآثار الاقتصادية لتنظيم بطولة الأمم الافريقية فى مصر، والعائدات التى ستتحقق منها على المدى القصير والمدى البعيد، خاصة أن مصر تمتلك الآن بنية تحتية أساسية تساعد فى تعظيم تلك العوائد، مثل الملاعب الرياضية والمطارات الدولية والطرق السريعة والفنادق الكبري، واستديوهات البث التليفزيونى المتطورة والتى تلعب دورا مهما فى نقل البطولة إلى العالم أجمع خاصة مع تزايد أعداد اللاعبين الأفارقة فى الأندية الأوربية الأمر الذى يؤدى إلى زيادة الاهتمام العالمى بمتابعة تلك البطولة، وينقل إلى الرأى العام الدولى صورة إيجابية يومية عن مصر. وقد لفتت إجراء قرعة كأس الأمم الافريقية تحت سفح الأهرامات، انتباه العالم أجمع، وأعطى دفعة قوية لحركة السياحة إلى مصر، وبعث برسالة للعالم تؤكد أمن واستقرار مصر، ودفع شركات كثيرة إلى اعداد برامج سياحية وحملات تسويقية داخل القارة الافريقية لجذب مزيد من السياح الأفارقة لزيارة مصر، من خلال عروض مميزة تحفز عشاق الكرة على زيارة معالمنا السياحية والأثرية. إن هذه البطولة تعد نقطة انطلاق قوية للسياحة فى مصر، ويتوقع أن تحقق عوائد كثيرة من خلال الإنفاق السياحى للمشجعين والفرق وحقوق البث والرعاية والدعاية المجانية لمصر، وإشغالات الفنادق والقرى السياحية والمطاعم وبيع الهدايا التذكارية. لكن هناك عائدا آخر فى منتهى الأهمية ينبغى الالتفات له، هو اكتشاف وتطوير قدرات الشباب المصري، من خلال مجموعات المتطوعين التى تسهم بالجهد والوقت مع اللجنة المنظمة، والذين يستحقون عن حق وصف شركاء النجاح، فانطلاقاً من المسئولية المجتمعية للشباب فى المشاركة فى الأحداث الوطنية الكبرى والعمل على نجاحها، أتحنا الفرصة أمام جميع الشباب المصرى للمشاركة فى تنظيم البطولة من خلال إطلاق استمارة التقدم على الموقع الإلكترونى، وأعقب ذلك القيام بمقابلات شخصية للشباب المتقدمين من خلال لجان مكونة من أساتذة جامعات متخصصين فى اللغات الأجنبية، وخبراء فى مجال اللغة وقياس المهارات، تأخذ فى الاعتبار القدرات والمهارات المتوافرة لدى هؤلاء الشباب وتوظيفها فى المكان المناسب بالبطولة، وكذا الخبرات التى يتمتع بها الشباب فى الأحداث والأنشطة الجامعية المختلفة. ولأول مرة تم عقد مقابلات شخصية لمجموعة من الشباب الأفارقة والأجانب المقيمين بمصر لاختيار عدد منهم للتطوع بالبطولة بعد تقدمهم للمشاركة على الموقع الالكتروني. ونظرا للدور المهم الذى سيقوم به المتطوعون ومرافقو الفرق سيتم عقد مجموعة من الدورات التدريبية المكثفة لهم، وعقب اجتيازهم بجدية سيتم ترشيحهم لأماكن محددة داخل اللجان يعقبها وضع تدريب متخصص لهم وفقا للمواقع التى سيتم التوزيع عليها. إن هؤلاء الشباب, شركاء النجاح, هم واجهة مصر المباشرة أمام كل الفرق والبعثات والمسئولين المشاركين فى البطولة، وجماهير المشجعين أيضا، ومن هنا تأتى أهمية إعدادهم بشكل مناسب للقيام بهذا الدور بعد التأكد من اتقانهم إحدى اللغات الأجنبية المطلوبة خاصة الإنجليزية والفرنسية والبرتغالية وغيرها، كما أن هذه المشاركة تمنح هؤلاء الشباب خبرات كبيرة فى التنظيم والتعامل مع ضيوف مصر من الأجانب والتعبير عن وجه مصر الحقيقى أمام العالم الخارجي. ولابد ونحن نتحدث عن عوامل النجاح فى تنظيم بطولة كأس الأمم الافريقية من الإشارة إلى أن الاهتمام الكبير الذى أولاه الرئيس عبد الفتاح السيسى منذ توليه الحكم لتطوير وتحديث البنية الأساسية فى مصر، كان له أبلغ الأثر فى تسهيل مهمة اللجنة التنظيمية، فقد حققت مصر قفزة فى التصنيف العالمى لجودة الطرق، من خلال الشبكة القومية للطرق التى يتم انشاؤها بمعايير عالمية، واصبحت تغطى كل محاور مصر من الشمال إلى الجنوب، علاوة على الملاعب الرياضية والاستادات التى تم تطويرها على أعلى مستوي، وأصبحت مطابقة للمعايير العالمية، وكذلك التطوير الكبير فى مطارى القاهرة وبرج العرب وهما المطاران الأساسيان اللذان ستستخدمهما المنتخبات والبعثات والمشجعون المشاركون فى البطولة. إن الجهد الكبير الذى تبذله كل الجهات المسئولة فى الدولة لتوفير كل الامكانات اللازمة لإنجاح هذه البطولة، يعكس أهمية هذا الحدث التاريخى الذى يبرز دورنا الريادى فى احتضان شباب إفريقيا، ويقدم صورة حقيقية للعالم أجمع عن مصر الحديثة. لمزيد من مقالات د. جهاد عامر