ارتفاع محدود لأسعار النفط رغم الأزمة السياسية في فنزويلا    قفزة كبرى في أسعار الذهب عالمياً.. والأوقية تتجاوز 4400 دولار    اللجنة العامة بالدائرة الاولى بأسيوط تعلن عن نتيجة الحصر العددى فى إعادة انتخابات مجلس النواب    محافظ حضرموت: مهمتنا إعادة بناء المؤسسة الأمنية وترميم أجهزة السلطة    بالطرب الشعبي، سعد الصغير يستعد لإحياء حفلات في جولة أوروبية    عمرو مصطفى: علاقتي بعمرو دياب كانت ناقر ونقير.. وصبر عليَ كثير أوي لأنه عارف إني بحبه    عمرو مصطفى: بدأت الغناء بعد خلافاتي مع المطربين.. كنت كل ما أتخانق مع مطرب أروح مغني    رئيس لجنة التصنيع الدوائي: وضع باركود على العبوات لكشف الأدوية المغشوشة    9 أطعمة يمكنك الاستمتاع بها دون خوف من زيادة الوزن    حريق شقة ينهي حياة أم وطفليها بالقليوبية    «أون لاين».. كيفية الإستعلام عن فاتورة الكهرباء لشهر يناير 2026    الحصر العددي، حسين غيتة يقترب من حسم مقعد مغاغة بالمنيا    خبير سيبراني: حظر السوشيال ميديا عمن دون ال 16 عاما سهل التنفيذ.. واللوم على الأهالي    رئيسة فنزويلا المؤقتة ل ترامب: شعبنا ومنطقتنا يستحقان السلام لا الحرب    ترامب يحذر إيران.. ويؤكد مقتل عدد كبير من الكوبيين المرتبطين بمادورو    الاتحاد الأوروبي يدعو واشنطن إلى احترام القانون الدولي وإرادة الشعب الفنزويلي    وفقا للحصر العددي، يونس الجاحر يقترب من حسم مقعد القوصية بأسيوط    اللجنة العامة بالوراق وطناش تعلن الحصر العددي للمرشحين    حسين فهمي: تحمست لفيلم «المُلحد».. والمشاهد لازم يشغل عقله    ترامب: كوبا على وشك الانهيار والسقوط    فاجعة تهز قليوب.. حريق شقة ينهي حياة أم وطفليها في «أم بيومي»    الصحة: إنشاء مجمع تعليمي طبي متكامل بأرض مستشفى حميات إمبابة لدعم منظومة التمريض    الصحة العالمية تدعو لترشيد استخدام المضادات الحيوية قبل فوات الأوان    مهرجان المسرح العربي يكشف تفاصيل دورته الجديدة في مؤتمر صحفي اليوم    نتيجة الحصر العددي لدائرة المنتزه بالإسكندرية في جولة الإعادة بانتخابات مجلس النواب 2025    مؤشرات أولية غير رسمية.. فوز وائل إسماعيل ومحمد مصطفى وأسامة عبدالشكور في انتخابات مجلس النواب بالمنيا    مواقيت الصلاة اليوم الإثنين 5 يناير 2026 في القاهرة والمحافظات    بالأرقام.. نتائج الحصر العددي لأصوات الناخبين بالدائرة الثالثة بالفيوم    نتيجة الحصر العددي لانتخابات مجلس النواب بالدائرة التاسعة كوم حمادة وبدر بالبحيرة    اتحاد الغرف التجارية: وفرة السلع تسمح بوقف الاستيراد من مناطق النزاع دون رفع الأسعار    ندوة بمركز الحوار تناقش تطورات المشهد السياسي في بلغاريا وآفاق العلاقات المصرية- البلغارية    محمد رمضان يفاجئ جمهوره بمسابقة نارية قبل حفل استاد القاهرة    الاختلاف فى الرأى يفسد للود قضية    "لمّ الشمل" في المنوفية.. وعاظ الأزهر ينهون نزاعا أسريا طويلا بمدينة الشهداء    العثور على جثة مسنه داخل منزلها بطنطا    أيمن منصور يكشف كواليس تسجيله أسرع هدف في تاريخ أمم إفريقيا    ياسر ريان: مشاركة الزمالك بالناشئين أمام الاتحاد السكندرى قرار خاطئ    أخبار × 24 ساعة.. إضافة مادة البرمجة والذكاء الاصطناعى لطلاب التعليم الفنى    للمرة الأولى منذ 47 عاما.. سان جيرمان يفوز على نادي باريس بهدفين    سيف زاهر: منافسة كبيرة بين الأهلى وبيراميدز على ضم موهبة بتروجت    115 عامًا من المجد والتاريخ، الزمالك يحتفل بذكرى تأسيسه    أمم إفريقيا - بروس: إذا لم نهدر فرصنا لم نكن لنخسر أمام الكاميرون    ديلسي رودريغيز: الهجوم الأمريكي واعتقال مادورو يندرجان ضمن مخطط ذي «دلالات صهيونية»    مسلحون يقتحمون سوقًا في وسط نيجيريا ويقتلون 30 شخصًا ويختطفون آخرين    دمياط.. الانتهاء من 548 مشروعا ضمن المرحلة الأولى من حياة كريمة    خالد الدرندلي: البنية الرياضية المتطورة تجعل مصر جاهزة لكأس العالم    بين الاندماج والاختراق.. كيف أعاد تنظيم الإخوان ترتيب حضوره داخل أوروبا؟    أمم إفريقيا - باليبا: سنرى كيف يمكننا منع المغرب من اللعب    ميراث الدم| يقتل شقيقه ونجله بقنا.. والمحكمة تُحيل أوراقه إلى فضيلة المفتي    بيع سجائر بأغلى من التسعيرة.. حملة تفتيش على المحلات بأسواق العريش    الوزير يتفقد الخط الرابع للمترو واستعدادات الحفر للفسطاط    أسباب زيادة الوزن في الشتاء    تدهور الحالة الصحية للفنان إيمان البحر درويش.. اعرف التفاصيل    المستشار حامد شعبان سليم يكتب عن : فابشر طالما انت مع الله !?    بدء صرف الإعانة الشهرية لمستحقي الدعم النقدي عن يناير 2026 بتوجيه من شيخ الأزهر    القمة الإنجليزية.. ليفربول يواجه فولهام في مواجهة حاسمة بالبريميرليج 2025-2026    مواقيت الصلاه اليوم الأحد 4يناير 2026 فى المنيا    أدعية مستحبة في ليلة النصف من رجب.. باب للرجاء والمغفرة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



فانتازيا فرقة المزيكة
نشر في الأهرام اليومي يوم 25 - 01 - 2019

فلما سطعت الشمس، وامتلأت الشوارع بالناس، جاء التكليف فى محل الفرقة، من أحد أغنياء العصر والأوان لحضور حفل ختان طفله، البالغ من العمر ثلاث سنوات، نُبه على ريس الفرقة باصطحاب الفرقة بكامل أفرادها، عليهم أن يركبوا لنشا لقطع البحر، ثم النزول لركوب أحصنة تحضرهم إلى قصر الثرى، ساكسفون، ترومبيت، كلارنيت، طبلة كبيرة، طبلة صغيرة، مع دف ورق، مع من يقرع الكوسات، وربابتين، وثلاثة من نافخى المزمار، ومغن وحيد صييت للفرقة.. فى البقعة العتماء من المحل اطمأن ريس الفرقة على وجود الأفراد، وهم يغيرون ملابسهم العادية إلى لبس خاص بالفرقة، وسمع نفير حافلة تستدعيهم، صاح: «كلكم إلى الخارج فى نظام.. طابور.. المهم المظهر يا فنان منك له».. نافخ الساكسفون تقيأ وسط البحر، قالوا إن معدته ضعيفة، رغم أنه قوى الرئتين! قبل أن يصلوا إلى اليابسة رأوا كثافة الأشجار، أدلى قارع الطبلة الكبيرة بملاحظة: «وصل إلى سمعى أن الأشجار فى هذا البلد تتكلم» سخروا منه قائلين: «ووصل إلى أسماعنا أنك تستطيع الكلام مثلك مثل البشر» ضجوا بالضحك، حتى إن ريسهم اضطر أن يرفع صوته، منبها عليهم أن حركتهم زائدة مما يخل بتوازن القارب الذى يحملهم، وأنهم ما زالوا فى البحر، صمم الرجل على أن ما يقوله عن هذه الغابة، حديث أكده زميل فى المهنة سبق أن مر بها التى عندما ولج إليها قبل الوصول إلى قصر الثرى: «أنت كرنبة متكلمة» صاح بها ريس الفرقة فى وجه الرجل، عندها نظر البقية إليه، وجدوه قصيرا أكرش، فأكملوا: «سوف يكون مصيره فى النهاية حلة بها ماء يغلى لعمل المحشى» بين ضحكاتهم أعاد الرجل من البداية الجملة التى أثارتهم، فاستمعوا إليه هذه المرة بانتباه حائر، لم ينفرج فم أحدهم عن تعليق ساخر، مثلما فعلوا فى المرة الأولى، قال الرجل، دائرا بنظره بينهم، وهم يقفون على اليابسة، فى انتظار الخطوة التالية فى رحلتهم: «وصل إلى سمعى أن الأشجار تتكلم فى هذه الغابة!!» لم يخفوا شكهم فى قواه العقلية، قال بعضهم إن عقل ضارب الطبلة الكبيرة أصابته رجة لكثرة تعرضه لصدى ضرباته على وجه الطبلة، نادى رئيس الفرقة أن يلتزم الجميع بالأدب فقد وصلوا إلى حافة تلك الغابة، وعليهم اجتيازها. وجدوا على بداية الغابة كما قيل لهم من قبل - ناسا تؤجر الأحصنة، ومن باب الترف، وشوق لممارسة بعض الأبهة، استأجروا أحصنة بعددهم، وتنازلوا عن حصان أبيض طويل شعر العرف، رشيق وتبدو قوته الجسدية ظاهرة لريس الفرقة.. تصايح الجميع عندما رأوه فوق الحصان، جميلا ولائقا، وله حضور يفخرون به، وبأنهم تحت قيادة مثله، تبعوه فى طريق بشكل يبدو أن الأحصنة مدربة عليه، إذا تراصت وحدها فى صفوف أربعة أربعة، والحقيقة أن الطريق كان بالفعل يتسع لأربعة أحصنة، تحاذى بعضها البعض، نظروا إلى الدليل من أهل البلد، كانوا قد رضوا بفرض نفسه عليهم عند تأجير الأحصنة، صاح ألا يشغلوا بالهم فالأحصنة تعرف طريقها، بعد أن ساروا نحو الكيلو مترات فجأة أطبقت الأشجار من كل ناحية عليهم، وبدا على الأحصنة الارتباك والذعر، هنا طلب منهم الرجل الدليل الترجل من فوق الأحصنة وسحبها من مقودها.. تصاعد صهيل غاضب، وقاومت الأحصنة محاولة سحبها، وظلت تقاوم حتى تحررت، ثم انطلقت تعدو، مخلفة الريس وفرقته على أرضية الغابة، قال الرجل الدليل إن هذا يحدث وسوف يجدون الأحصنة على حافة الغابة، عند الخروج من بين أشجارها، عادوا يصطفون بانتظام صارم خلف ريس الفرقة، بدأوا بعدها السير، حتى إنه قال لهم لا تفعلوا، نحن فى فسحة، ولكنهم ظلوا خلفه، محافظين على التشكيل الثنائى لطابورهم، قال ضاحكا، ملتفتا إليهم: «كأنكم تورطوننى فى شيء لا أعرف طبيعته يا أبالسة؟!» عندما اقترب ريس الفرقة من الأشجار، مد يده تقبض على غصن، صاح بدهشة ممزوجة بشىء من الفزع: أرأيتم ما رأيت؟! «وماذا رأيت يا ريسنا؟!» «الفرع جاء نحوى، يلبى كأن أمه الشجرة قرأت ما كنت أنوى فعله!!» «يا رجل لا تتوهم أشياء!!» بعدها مباشرة أشاروا إليه، كانت إشارتهم تحمل شيئا من الإغراء، لفعل ما يطلبونه منه، بلا تلكؤ: «ادخل.. ادخل بين الشجر.. هناك ثمار حلوة.. نرى رحيقها تشف قشرتها عنه» التفت خلفه صارخا: «أين أنتم يا فرقة المزيكة؟!» «نحن خلفك.. لماذا تصرخ؟!» رآهم هناك بعيدا، هز رأسه، مد يده، يريد الإشارة لهم بأن يقتربوا، أمسك بوجه رجل من رجال المزمار، انتفض عندما صرخ، وهو ينتر يده: «ماذا تفعل يا ريس؟!.. إصبعك دخل فى عينى» «ولكنكم بعيدون عنى!!» «أتسخر منا؟! نحن خلفك تماما.» أراد أن يثبت لهم حسن إدراكه، فطلب من رجل الدف أن يحاذيه كتفا بكتف، شعر بأن كتف رجل الدف تدفع كتفه بالفعل، فلما نظر لم يجده، صرخ مرة أخرى آمرا، فجاءه صوت رجل الدف واضحا قرب أذنه: «أقسم لك أننى ملتصقة كتفى بكتفك.. أنت الذى يتصور أشياء!!» تساءل: «هل يمكننا قطف هذه الثمار؟» هل أراد أن ينفى عن نفسه دخوله فى نوبة مرض غريب، ربما أثار سخرية أفراد الفرقة؟! قال لهم الرجل الدليل إن هذه العناقيد حلوة المذاق، ويمكن لريس الفرقة قطف ما يحب منها، رفع يده، جاءه العنقود مستسلما، لراحة يده المتكورة على حباته، سحب يده بسرعة، عشرون أو أكثر من العيون تنظر نحوه فى دعة: «ثمار هذه الأشجار على شكل عيون ترى وتتحرك.. هل ترون ما أرى؟!» نظر للخلف فوجد أفراد الفرقة يضعون أذرعهم ترتاح على أعلى بطونهم، ولا يتقدمون من الأشجار، قال فى نفسه: لماذا لا يتقدمون مثلي؟ هل هناك مكيدة؟! صاح فى اتجاه الرجل الدليل: هل تأكلون تلك الثمار العيون؟! جاءته الإجابة أن عليه نزع العنقود، جاعلا حدقات العيون عكس مسكته، فلا يجعل العيون تنظر إليه، وبعدها يأكل كل حبة وحدها، تأكد لديه أن الجميع يمارس لؤمه، وأنهم يوقعونه فى شر أعماله، وبعدها تنطلق ضحكاتهم وسخرياتهم، قال وهو فى نيته يريد اكتشاف نواياهم: كأنى آكل عيونا إنسانية حية؟! جاءه صوت أفراد الفرقة: ولماذا تراها هكذا؟! عليك التخلص منها بأكلها مادمت مددت يدك إليها، ولماذا لا تمدون أنتم أيديكم وتأكلون؟! أشتم تغييرا فى لهجتهم، ولم يصدق أن يخرج من أفواههم مثل هذا القول: «توغلت العيون جواك وأمسكت بأسرارك الخفية، وسوف تفضحك.. اطحنها بين أسنانك قبل أن تفعل» لم يصدق أن الرجل الدليل يؤمن على صحة كلامهم: « هذا صحيح يا رجل سوف تعلن هذه الثمار أسرارك، وتصبح مفضوحا.. «صاح غير مصدق: «الثمار؟!» تزاحم أفراد الفرقة خلفه يحثونه بطريقة عكسية، حتى أن بعضهم كان يدفعه من ظهره، بشكل خرج عن حدود اللياقة والانضباط، الذى يوجد عادة بينه وبينهم، كانت أصواتهم تحيط به كالسوار، بعضهم يصيح:: «لا تأكلها.. ابتعد» والبعض الآخر يصيح: « دعنا نعرف شيئا من المخبوء جواك.. ربما عثرنا على طرفة.. « انقسموا لفريقين، فريق يطلب منه أن يقدم على تجربة أكل الثمار العيون، والفريق الثانى يرجوه ألا يفعل، ليواصلوا سعيهم نحو قصر ذلك الثرى لتقديم التهنئة، ثم فقراتهم المتتابعة، التى تحركوا من محلهم وبلدهم لأجلها.. كل الأشجار كأنها تحسست وشمت، ولمست قلبه المتسارع الدقات، ونبضه الحثيث داخل عروقه، فشرعت عناقيدها نحوه، رأى العيون تحاصره، تغيرت نظرتها الآن من دعة سابقة، إلى لون رصاصى كامد، التفت للخلف، فتح فمه ولم يجد لسانه، لأنه لم يجد أفراد الفرقة فى المكان، رجع لسانه إليه، فهو ينادى عليهم الآن، وزاد ترهيبا لهم بأنه سوف يوقع عليهم عقوبة الخصم من أجرهم، عند عودتهم، قوة أخرى أرجعته ينظر إلى الأشجار، متناسيا أفراد الفرقة وتهديده قبل ثانية من الزمن، قوة مباغتة تدفعه لفعل ما يفعل مع الأشجار، أحاطت به عيون الأشجار، وثمارها القريبة منه تحدق فيه بثبات ثاقب، تخلعه من ملابسه، تشبث بها وهو ذاهل عن التركيز، إلا أن العرى ماثل فى ذهنه، عارٌ ومحنةٌ تتبدل إلى دعة ورغبة، سمع صدح مزيكا بلحن مميز آت بين جذوع تلك الأشجار البعيدة عنه، ظلت المزيكا تأتى من شجرة تسلم لشجرة، كانت المزيكا هامسة، مع نقيض يحدث له، إذ تسلل رعب وداخله دخولا عصيبا، مع أن هذه النغمات يعرفها من سنوات مضت، ونسى إيقاعها مع مرور الأيام والسنوات، هل تنشط ذاكرته؟! كانت العيون تمتلئ بطيبة بادية، فمن أين يقتحمه الرعب؟! هل لأن العيون تلونت بلون أحمر دموى؟ وهو مسلوب الإرادة يبادلها التحديق، هل فكر فى أفراد الفرقة، وموقفهم الغريب مرة أخرى؟ بعد زوال بعض الذهول؟ هل وقع فى نفسه الانتقام منهم عند العودة حقيقة؟ كانت أغصان الأشجار تطبق عليه، إذا نظر لأعلى، فلا يرى السماء!! فجأة تحولت العيون إلى حناجر تخرج سبابا، فى نهايته زجر ومشاكسة: «أنت وحدك ولا أحد معك، حتى لو كنت محاطا بمليون نفس.. تحرك إن كنت قادرا» ما هذا التحول؟! وما أسبابه؟! فى الحياة يحدث ذلك الخلط بين الطيب والشرير من الأمور، وهل أنا خارج الحياة؟! أنا فى الحياة، أنا حى، وإلا ما آلمنى هذا الصراخ!! ثمار أولا، ثم عيون ثانيا، ثم حناجر ثالثا، نفخت الحناجر رياحا شديدة الصقيع، تخابطت أسنانه، احتضن جذع شجرة، مالت الشجرة مع الرياح أولا، ثم انخلعت جذورها من تربتها، وارتمت على الأرض تصدر منها أنّات معذبة، وسط دمدمة عاصفة الرياح، كان يطير، ويعلو فى طيرانه، ذاهبا بعيدا مارا على قباب ومبانى البلد، وقد رأى القصر والثرى يمارس مهامه، ولا شيء يجعل الناس أو الثرى يحول وجهه نحوه، وهو يطير على مقربة منه.. هدأت الرياح فجأة، وكان يسقط من علو على خطر مغشيا عليه، بعد ثانيتين استيقظ على سقوطه من فوق أريكته المعهودة فى محل الفرقة، مبديا دهشة وعجبا!!
كان أفراد الفرقة يبحثون عنه، عندما رجعوا يحملون معهم حمولة عناقيد ذات ثمار تشبه العيون، حوصر الجميع فى سؤال كبير ومخادع: هل كان ريس الفرقة يحلم، على هدهدة مشية حصانه؟! كانوا على حافة الغابة من الجهة الأخرى حيث يشاهد قصر الثرى على بعد قريب!! إذن فأفراد الفرقة كاذبون فى تأكيد أنه كان معهم، وهذه العناقيد ذات الثمار التى تشبه العيون، لا تعنى شيئا مما ذكر عنها، وعن الأشجار المنزوعة من فروعها، انتهت الحوارات التى داخلها الكثير من الحلف والقسم، إلى أن الغموض يظل غموضا، وأن راحة البال فى تركه على ما هو عليه، وها هم يتناولون الثمار، وجدوها رائعة المذاق إذا لاكوها بسرعة، أما لو حاول أحدهم إطالة فترة المضغ واستحلاب رحيقها على مهل، تحولت إلى طعم مر يثير المعدة ويقلبها.. كانت فصول الرحلة تهاجمهم بكل دقائقها، ولا استطاعة يملكونها، ليرشوا ذاكرتهم، فتتخطى الوقائع التى حدثت مع ريس الفرقة، ولا يعرفون تحديد موقعهم منها أو مكانهم بالنسبة إليها، ولكنهم ما كانوا يعيشونه هو سعيهم على أقدامهم، مع هندمة، وصب بعض العطر، الذى تفوح منهم روائحه، وهم الآن على مشارف أبواب قصر الثرى سيقدمون فيه فقراتهم، مرورا بزينات ملونة معلقة فى الشوارع، وسماع طلقات متتابعة تطلقها المدافع ألعابا نارية كأنها نيازك صغيرة، تتشكل بأشكال تهطل ببريق لماع على خلفية سوداء للسماء الليلية، تعمد أفراد الفرقة حينئذ السير خلف ريسهم متأدبين، وهم يمنحون بعض أفراد من البلد كلمات مهذبة، حاولوا جاهدين معها، عثروا عليها صدئة، راكدة فى قيعان جماجمهم، فأخرجوها هيابين ألا تكون مصيبة الغرض، وهم يحنون الرءوس يمينا ويسارا!!
استقبلهم رئيس التشريفات بالقصر كما قدم نفسه،، فظنوا أنفسهم أصحاب سيادة، نفخوا صدورهم، وأرجعوا رءوسهم للخلف، تنظر عيونهم لأعلى!! وهم يتبعون رئيس التشريفات أشار إلى عطفة فى رواق طويل، ثم ساروا فى رواق آخر كانت تنبعث منه رائحة طيبة، غلبت أنوف أفراد الفرقة فكانوا يعبون الهواء، ويضنون بخروجه فى الزفير، انعطف من هذا الرواق إلى طريق طويل، على جانبيه زرعت ورود حمراء وصفراء وسوداء، جذبت انتباههم لندرتها، هل قطف واحد أو اثنان منهم من هذه الزهور الغريبة بعضا منها؟ واشتعل غضب ريس الفرقة الذى أطفأته يد رئيس التشريفات، حال اشتعاله براحة يده التى مررها على صدره، ارتبك ريس الفرقة شاعرا بالخجل لثورته، وغمغم معتذرا شاكرا فى الوقت نفسه، بينما لم يستمر تأدب أفراد الفرقة على حاله، ازدحم القصر عند نهاية الطريق الطويل بالصخب والقهقهات، وهم يدلفون إلى قاعة واسعة لم تستطع عيونهم، وقوة أبصارهم أن تحيط بوسعها المهول، مكتظة بالرجال والنساء، حاول ريس الفرقة تغطية عرى رئيس التشريفات بسرعة، ولام نفسه علنا، معتذرا عن فعلته غير المقصودة، كانت العباءة بين يديه، حاول أن يضعها على الجسد العارى، بعد أن داس على ذيلها فظلت تنسحب عن الكتفين حتى سقطت على بلاط قاعة الضيوف الفارهة على وسعها، إلا أن رئيس التشريفات أقسم أنها لن ترد إليه، وأنها أصبحت حقا لريس الفرقة، توقف الجميع عن صخبهم: «أنت عار يا رجل؟!» فرقع رئيس التشريفات بإصبعيه، فجاء على الأثر أحدهم، وهو يحمل على ذراعيه عباءة أكثر فخامة، ألبسها له، نظر مبتسما نحو أفراد الفرقة وريسهم قبل أن يقول: «أنتم خبثاء رجال فرقة المزيكا تستعجلون موعد العرى» لا أحد منهم توقف عند هذه الملاحظة، الخاصة بالعرى، رأوا النساء يزحمن القاعة الفسيحة المهولة الوسع، لعن بعضهم ما فعلته الحياة ليكون على ما هو عليه، بعضهم لام نفسه ومحيط أفقه الضيق رغم وسع الفضاء من حوله، بعضهم شعر بضآلة قِلَّتِهِ وَضَعْفهِ، أراد مغنى الفرقة الصيت أن يصدح بموال فى نفس المعنى، إلا أن ريس الفرقة لحق به قبل أن يفتح فمه، زاجرا له، منبها عليه أن يدخر جهده لغناء هذه الليلة، وطلب من الجميع تقديم أفضل ما عنده، لأن الرياح تأخذهم لوفرة أجر، وحسن ضيافة، لم يكونوا إليه منتبهين، أمسكوا بكمه، فلما نظر إليهم تتبع عيونهم وأين تنظر، كانت النساء من حولهم كثيفات الشعر، سود العيون لامعة لا أثر لحمرة أو اصفرار، مبسوطات الأنوف، مدورات الخدود، لهن شفاه حمراء شهية، حين تكلمن ظهرت أسنانهن جواهر بيضاء غير عالق بها صفرة أو سواد، تنبت من لثة حمراء صحية، بعضهن طويل الرقبة ولا تظهر رمانة البلعوم بها، مسلوبات الجيوب مع ذلك، فى استواء مع البطن، فإذا التفتن وقعت عيونهم على خلفيات كاملة الاستدارة ممتلئة بغير شذوذ مع أوراك تستطيع اليد المسح عليها، فتنزلق دون إعاقة من لحم زائد أو دهن متراكم، عند التجربة التى انساقوا إليها طائعين من غير إجبار، بل كانوا طالبين لها راغبين فيها، وهم يبعدون آلاتهم كأنها شىء لا لزوم له، أو شيء مكروه، وجدوا أرجلهن ممتلئة فى رقة، رأت عيونهم أيضا الكثير من سلال وأطباق واسعة الدائرة ممتلئة بالفواكه الحلوة، شمام مقطع على هيئة أهلة، معه بطيخ شديد الاحمرار بلا بذور، وموز أصفر مكتنز طويل، وكاكا ناضجة دون سوء، وتين مشقوق، وعنب أسود وأصفر رقيق الغشاء ممتلئ بالسائل العذب، وتمر بلح، وحمضيات من برتقال ويوسفى، وكيوى، وأناناس، وفراولة، ثم بقية من فاكهة نصف حامضية، خوخ، ومشمش وكمثرى ومانجو ورمان، فى غير موعدها أو فى موعدها، ولحوم طيور ولحوم أبقار وغزلان وخراف، مشوية فى التو تحتفظ بسخونتها، يتصاعد منها بخر رائحتها الطيبة، وأسماك من كل صنف ونوع مطبوخة ومشوية مسلوقة ومقلية، أما المحار فكان فى أطباق شوربة، أو فى أطباق على حوافها سكاكين وآلة يعرفونها لزوم فتح المحارة وشفط ما بها فورا، دخل كل واحد منهم إلى غرفة يصطحب امرأتين إذا كان قنوعا، أما من كانت نفسه أمارة فاصطحب أكثر، هذا حدث فى البداية ثم دق على كل باب، وظهر رئيس التشريفات يقول لكل واحد من البحارة: «أراك وقعت فى فخ المتعة، ولست قنوعا أو شكورا!!» فيجيبه فرد الفرقة: «أى فخ تتحدث عنه أيها الشيخ، لا قناعة فى المتعة، اتركنى وأغلق الباب» يتراجع رئيس التشريفات بظهره نحو الباب صامتا، ويغلقه.
خمسة عشر رجلا وريسهم معهم، هم قوام فرقة المزيكا، ظلوا على دهشة غائرة لا تذهب من وعيهم، ولا تغادر محياهم، رسمت حفرا بأزميل ودُجنت فى نفوسهم، غمرتهم شمس الصبح فى إحدى حدائق البلد عرايا، اضطروا لسرقة ما يستر أبدانهم، كانت ذاكرتهم تبحث وتُجد، ليس فى سبيل معرفة ما حدث، وهم يقفون مرتعشين أمام البحر، كأنهم لأول مرة يرونه، لماذا تتسارع أمواج البحر خلف بعضها البعض، هل تتحدث الموجة قبل تلاشيها عند اصطدامها برمال الشاطئ؟ وهل يجر البحر موتاها ليصنع منهم موجا جديدا؟ لم يتحدثوا مع أحد، ذاكرتهم التى تجد وتبحث فى ذلك، ترفض فى الوقت نفسه هذه الأسئلة معتبرة إياها من ألاعيب ذاكرة الطفل، الذى ودعوه فى أنفسهم من سنوات، ما كان يثير فيهم الغيظ أنها تعود مرة أخرى ولا تموت، ما شاهده واقتنع به الناس المزدحمون عند موقف المراكب والقوارب، فى شط البحر، عندما يلتقون هؤلاء وريسهم، هو أنهم فقدوا بوصلتهم، الذين قالوا بها أكدوا مع قولهم أنهم بالطبع لا يقصدون البوصلة الآلة، بل يقصدون بوصلة النفس والروح.. انتظر الجميع منهم أن يصعدوا إلى أى قارب من تلك القوارب التى تذهب وتجيء، ليحملهم أحدها إلى بلدهم، كانوا يتسكعون فى الشوارع هائمين، عندما طلب منهم مرة أن يعزفوا فى لمة بحديقة من الحدائق: «ألم يئن الأوان لتعزفوا من أجل عملكم، ومهنتكم؟» «أى عزف، و أى عمل تقصد، وأى مهنة؟» «ألا تعملون فى فرقة مزيكا؟ إذا لم تمرنوا أصابعكم وعقولكم، سوف يكون صعبا عليكم العزف». باستنكار يصيح أفراد الفرقة وريسهم: «لم نعزف من قبل أبدا، بل نكره المزيكا أصلا» «ماذا بكم؟! ما الذى أصابكم بهذا العطب؟! عن أى شيء تبحثون فى هيَامكم؟!» كانت الكلمة التى أجابوا السائلين بها تخرج من رئاتهم، حارة ومتلهفة قبل وبعد أن تتحقق على ألسنتهم: «الجنة..» تتبدل الفصول، وتهدم مبان، يعاد هندسة وتنظيم الشوارع، يبدو البلد مغايرا لما كان عليه حينما بدأوا بحثهم، يموت منهم صحاب، يختلف الزمن باختلاف ناسه، يجىء ناس يجعلون الزمن يشبههم، الغريب أنهم رغم ظهورهم بمظهر من شرب مخدرا، إلا أنهم مازالوا يتذكرون ضارب الطبلة الكبيرة، وحكايته عن تلك الأشجار، التى تنبت ثمارا تشبه العيون، ويمكنها أن تتكلم، يطلبون منه أن يقصها عليهم، كلما أصابهم تعب السعى والبحث.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.