علاء مبارك يعلن موعد ومكان تلقي العزاء في الرئيس الراحل (التفاصيل)    شيخ الأزهر يجري نقاشا فكريا مع رؤساء مجالس حوار الأديان في ألمانيا وسويسرا    تربية نوعية المنوفية تستقبل وفد لجنة المتابعة والدعم الفني بالتعليم العالي    علي الدين هلال يتحدث عن كواليس حكم مبارك مع محمد علي خير في"المصري أفندي"    تفاصيل الأيام الأخيرة لمفاوضات «سد النهضة»..أمريكا تستعد ل«الصياغة النهائية».. ومصر تعود ل«مربع القوة»    تسوية قضايا التحكيم الدولي الصادرة ضد مصر بمصنع إسالة الغاز الطبيعي بدمياط    بعد تعليق رحلات العمرة .. ما خسائر الاقتصاد السعودي بسبب كورونا    عدوى كورونا تطال مسؤولي إيران.. تعرف على أبرز المشاهير ضحايا ومصابي الفيروس    أول تعليق ل هيئة كبار العلماء بالسعودية على إلغاء العمرة    كاسونجو: أعمل مع مصطفى محمد لصالح الزمالك.. وجاهز للمشاركة في أي وقت    رسميا.. تأجيل مباراة سالزبورج وفرانكفورت في الدوري الأوروبي    محافظ أسيوط يفتتح ملتقى التوظيف بإستاد الاربعين لتوفير 3 آلاف فرصة عمل    وزير الرياضة يناقش مع رئيس الاتحاد الدولى لليد حقوق بث مونديال2021    إحالة أوراق متهمة بإرضاع ابنتها «مية نار» بالبحيرة للمفتي    الأرصاد تحذر: تقلبات جوية جديدة خلال الأيام المقبلة    إزالة 52 حالة تعدى بحى فيصل بالسويس    مطقمين سوا.. نادين نسيب وابنتها تتألقان ب الأسود    بعد تأجيله.. تعرف على الموعد الجديد لافتتاح معرض فاروق حسني    الموت يفجع راندا البحيري    جامعة القاهرة تواصل حملاتها للتوعية بكورونا    8 مارس..إنطلاق الجولة ال17 لدوري القسم الثاني    تقارير: بيكيه جاهز لقيادة دفاع برشلونة ضد ريال مدريد في الكلاسيكو    حمدوك: العقوبات الأمريكية تحد من أي تقدم في مسألة الديون    إنفوجراف| بالأرقام.. حجم المساحات المنزرعة والمحاصيل خلال عام    مصادر أمنية تكشف مفاجأة مدوية حول الاعتداء على لاعب الزمالك    تحرير 8 محاضر وإعدام 62 كيلو أغذية فاسدة في مطروح    أسعار النفط تواصل نزيف الخسائر بسبب كورونا    طرح 108 أفدنة بمدينة جمصة للاستثمار الشهر المقبل| صور    رئيس الحكومة المغربية ينفى وجود أى إصابة بفيروس كورونا    اليوم.. نيللي كريم في الزمالك من أجل تصوير «100 وش»    الآثار تكشف موعد افتتاح متحف العاصمة الإدارية الجديدة| فيديو    علاء مبارك يُعلن موعد ومكان عزاء الرئيس الراحل    تقرير: لامبارد سيبيع 8 لاعبين في الصيف من ضمنهم كيبا وجورجينيو وباركلي    مساعد وزيرة الصحة يحصل على المركز الأول بجائزة الطبيب العربي    الرقابة الإدارية بالمنيا تحرر 105 مخالفة تموينية وتنذر 13 منشاة خاصة    مصرع وإصابة 9 أشخاص في حوادث متفرقة بالإسماعيلية    بالصور.. بريطانيا والنمسا تحتلان صدارة منافسات السباحة "رجال" بكأس العالم للخماسي الحديث    في يومه الأول.. إيراد "بعلم الوصول" يتجاوز 10 آلاف جنيه    محافظ المنوفية يكرم الطالب مصطفى قابل لحصوله على المركز الأول على مستوى الجمهورية فى مسابقة حفظ القرأن الكريم    رفض إثارة القضية من جديد.. أمين الفتوى: موعد صلاة الفجر صحيح    المعداوي يتابع تركيب الانترلوك بالافراد ومشروعات الكهرباء بالسواني وزيادة اعمدة الانارة بالمقابر    الأمم المتحدة تدين «بشدة» استمرار خرق الهدنة في ليبيا    القضاء اللبناني يحيل 5 إرهابيين من "داعش" إلى المحكمة العسكرية    توصيات المؤتمر السنوى ال15 لأدب الطفل بجامعة حلوان    بالصور.. تعليم القاهرة تنتهي من برنامج تنمية الموارد البشرية    "القابضة للمياه" ل صدى البلد : لا توجد شبكات صرف صحي في قرية النبيرة    دعاء للمريض بالشفاء    طلاب الأدبي يرحبون بالجدول المقترح للثانوية: "جيد وبدون ضغط"    هشام توفيق: تعديل 26 بندا في أحكام قانون شركات قطاع الأعمال    15 عمارة جديدة.. محافظ المنيا يتفقد المشروع القومي لإسكان الشباب    موسكو: فات الأوان لصياغة بديل لمعاهدة تخفيض الأسلحة الهجومية    لمواجهة مخططات إسقاط الدولة.. أكاديمية الشرطة تُنظم ورشة عمل حول دور الجهاز الحكومي    ارتفاع حصيلة الوفيات بسبب كورونا في إيطاليا إلى 14 حالة    الصحة العالمية تحذر من خطورة الشائعات بشأن "كورونا"    ننشر دعاء المظلوم    أول تعليق من وزير الأوقاف على قرار السعودية تعليق تأشيرات العمرة    منسق صن داونز يكشف سر ضحكته الساخرة :تحديت المدرب باستحالة التغلب على الأهلي    هل ضرورة طاعة الوالدين والإحسان إليهما وإن كانا كافرين    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





مسمار فى رأس رمسيس

أربعة مسامير شعرت بها وقد انغرست فى القلب. أتحدث عن المسامير الأربعة التى استخدمت فى متحف سوهاج القومى لتثبيت تمثال رأس رمسيس إلى الحائط فى قاعة العرض المتحفي. الصور المتداولة صريحة واضحة، فالزوايتان الحديدتان والمسامير الأربعة من النوع الذى يمكن الحصول عليه من أى محل للحدايد والبويات. إنها نفس الزوايا الحديدية ذات الحواف المدببة، والمسامير البورمة الشائعة، دون دليل واضح على استخدام مواد خاصة تلائم طبيعة الأثر، وتميز بين تثبيت رأس رمسيس، وتثبيت الأرجل المكسورة لكرسى قديم.
الصورة تدل على عشوائية تامة، ومع هذا شن أثريون ومسئولون متضامنون حملة تصريحات من أجل تشتيت الانتباه وتجنب المحاسبة، فتحدثوا فى عمومية مفرطة عن أساليب العرض المتحفى قديما وحديثا، وعن شيوع أسلوب دق المسامير فى رؤوس التماثيل فى متاحف العالم، وإن كانوا لم يزودونا بصورة واحدة لمتحف محترم جرى فيه تثبيت التماثيل بالمسامير الحديدية. ما حدث فى متحف سوهاج كان خطأ فادحا، ولهذا سارع المسئولون أنفسهم لإزالته فور انتشار الصورة، ودبروا وسيلة أخرى لتثبيت الرأس المنكوب.
سأحاول تصور ما حدث فى متحف سوهاج. لقد تم تكليف أحد الموظفين بمهمة تثبيت التمثال دون أن يكون لدى هذا الشخص تدريب كاف أو تعليمات واضحة لما يجب أن يفعله. ربما عاد الموظف لرئيسه الأعلى يشكو له صعوبة المهمة، إلا أن الأخير أمره بأن يتصرف، دون أن يرد على ذهنه أن الشنيور والزاوية والمسامير الحديدية ستكون هى طريقته فى التصرف. ربما تصرف الموظف من دماغه للبرهنة على مهارته فى حل المشكلات الصعبة، فلجأ إلى ما رأيناه فى الصور المنشورة.
لقد ظن المسئول أن الأمور فى دنيا العرض المتحفى وتثبيت القطع الأثرية شديدة الوضوح، وأنه مهما كان مستوى خبرة وتعليم الموظف إياه فلا يمكن للأمر أن يصل لدرجة دق المسامير فى رأس رمسيس. ما حدث فى متحف سوهاج القومى يحدث يوميا آلاف المرات. هل تذكرون تشويه تمثال الخديو إسماعيل فى الإسماعيلية، وتشويه تمثال الفلاحة المصرية فى العمرانية؟ هذه الأمور تحدث لأننا نظن أن الخطأ والصواب واضحان وضوح الشمس، مع أن الوقائع تؤكد أن الخط الفاصل بين الصواب والخطأ ليس بالوضوح الذى نظنه، وأن كثيرا من الأشياء التى نرفضها بلا تردد هى نفسها الأشياء التى لا يرى فيها آخرون أى غضاضة.
انظر للطريقة التى يقود بها السائقون سياراتهم على الطرقات, وإلقائهم المخلفات من شبابيكها؛ والبصق فى الشارع, والأرصفة المهشمة بالغة الارتفاع, وإلقاء المخلفات على الأرصفة؛ وإخفاق الكثيرين فى استخدام دورات المياه بطريقة سليمة, والقذارة المميزة لدورات المياه العمومية؛ وشيوع الحفظ والتلقين بدلا من الفهم فى مدارسنا؛ وشيوع الغش فى الامتحانات؛ وقيام السائقين بإلقاء مخلفات البناء على الطرقات؛ وحرق القمامة والمخلفات؛ والتزاحم عند ركوب المواصلات. كل هذه التصرفات الخاطئة، ومثلها الكثير، تدل على أن الصواب والخطأ، والأمان والمخاطرة، والنظافة والقذارة، والنظام والفوضى، والأمانة والغش، هى أمور نسبية، يفهمها الناس بطرق مختلفة، وكلما زادت فى المجتمع نسبة الناس الذين يختارون الخطأ على الصواب كان المجتمع متخلفا، وكأن الفارق بين التقدم والتخلف هو فارق سلوكى فى الأساس.
إننا نظن أن العقل البشرى لديه القدرة على التمييز بين الصواب والخطأ من تلقاء نفسه، وأن الناس يخلقون وقد طبعت فى عقولهم شفرة موحدة للتمييز بين الصواب والخطأ. على العكس فإن الأدلة الواقعية تشير إلى أن التمييز بين الصواب والخطأ هو مسألة اتفاق بين المعنيين وأولى الأمر، وهو أيضا نجاح فى تعميم هذا الاتفاق على الآخرين من أفراد المجتمع. فالمجتمعات التى يفعل فيها الناس الصواب هى مجتمعات توافق فيها الناس على ذلك، ونجحوا فى تعميم هذا الاتفاق فيما بينهم. أما المجتمعات المتخلفة فهى مجتمعات فشلت فى الاتفاق على تعريف للصواب، أو فى تعميم الاتفاقات التى يصل إليها أهل الخبرة والمعرفة، أو فى الأمرين معا.
زار رفاعة الطهطاوى باريس، وعاد من هناك بحلم نتحديث مصر ونهضتها، فكتب كتابه الشهير «تخليص الإبريز فى تلخيص باريز». فى الكتاب تسجيل للأشياء التى لفتت نظر رفاعة فى بلاد الإفرنج، والتى رآها سببا فى تقدمهم؛ وكان مما رصده واعتبره واحدا من أسرار تقدم الفرنسيين أن سائر العلوم والفنون والصنائع مدونة فى الكتب حتى الصنائع الدنيئة . لفت هذا نظر رفاعة لاختلافه عما كان معروفا عندنا فى زمانه، ومازال شائعا بيننا إلى اليوم، من اقتصار الكتابة والنشر والتعلم المنهجى على علوم الدين وبعض العلوم الرسمية المحددة، أما الصنائع والفنون والسلوكيات فهى من الأشياء الحقيرة التى يترفع الناس عن كتابتها، والتى يتعلمونها بالممارسة والملاحظة والذائقة، وليس وفقا لقواعد كتبها أهل الخبرة والعلم ونشروها على الناس. هل لدينا كتب تعلم الناس أصول القيادة الآمنة للسيارات؟ أو كتب تعلم الناس دباغة الجلود وصناعات الزجاج والفخار والنجارة والخياطة وصب الخرسانة والتبليط والدهانات والسباكة ومد شبكات الكهرباء فى المبانى الجديدة وأصول العرض المتحفى وتثبيت القطع الأثرية. لا أظن أن لدينا شيئا من هذا، ولا أعتقد أن فى مدارسنا أى نظام يضمن تعويد الأطفال على استخدام دورات المياه بطريقة سليمة، والامتناع عن البصق فى الشارع، والتخلص من الفضلات بطريقة صحية. لقد كانت مثل هذه التعليمات فى الماضى مطبوعة على الغلاف الخلفى لكراسات المدارس، لكن البعض منا راح يستهزئ بهذه التعليمات الساذجة، وكأنها معروفة لكل الناس بالضرورة والفطرة، فاختفت هذه التعليمات البسيطة من على ظهر كراساتنا، وغاب معها أى جهد لتعويد الأطفال العادات الأساسية للحياة المتحضرة.
ما أدعو له هنا هو تجاوز الشفاهية والارتجال فى شئون حياتنا، وتدوين قواعد السلوك والفنون والصنائع والحرف، ونشرها بطريقة منظمة، ووضع نظم للتأهيل والتدريب والاختبار ومنح الشهادات فى كل المجالات، بدءا من جمع القمامة وصولا للعرض المتحفي.
لمزيد من مقالات ◀ د. جمال عبدالجواد


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.