لا يكاد يمر يوم دون أن تخرج على الأمريكيين أخبار مسربة من البيت الأبيض.كثير من هذه التسريبات يبدو تافها، كذلك الذي نقلته صحيفة «نيويورك تايمز» عن أن فريقا من مساعدي البيت الأبيض عقدوا اجتماعا في غرفة مظلمة لأنهم فشلوا في العثور على مفتاح النور. بعضها الآخر يثير مشاكل كتلك العبارة التي قالتها موظفة في اجتماع خاص وتتعلق بالسيناتور جون ماكين، الذي يعالج من ورم خبيث في المخ، والذي كان يعارض تعيين جينا هاسبل رئيسة لوكالة المخابرات المركزية، قالت الموظفة على سبيل المزاح، إن ماكين يحتضر حاليا ورأيه لم يعد مهما. وهناك نوعية أخرى من التسريبات خطيرة، كالمحادثة الهاتفية التي دارت بين ترامب ورئيس وزراء استراليا ، وكانت تتعلق بصفقة بين أمريكا في عهد أوباما وأستراليا بخصوص اللاجئين. ونقلت التسريبات أن ترامب قال لمحدثه إن هذه الصفقة هي الأسوأ على الإطلاق، وأن مكالمته معه هي الأسوأ بين كل المكالمات التي أجراها في ذلك اليوم. وقبل أيام رد ترامب على مشكلة التسريبات بتغريدة على تويتر قال فيها، إن ما يُطلق عليه تسريبات من البيت الأبيض أمر تم المبالغة فيه من جانب وسائل الإعلام المروجة للأخبار المفبركة، لكي تجعلنا نبدو في أسوأ حال ممكن، ومع ذلك، فإن المسربين خونة وجبناء وسوف يتم كشفهم. وقد تأكد أن التسريبات مشكلة خطيرة تعاني منها الإدارة الأمريكية مع ظهور، «نار وغضب، داخل بيت ترامب الأبيض»، أشهر كتاب صدر مطلع العام ويقوم في أغلبه على التسريبات. فبعد صدور الكتاب - وفي إجراء غير مسبوق - أصبح على العاملين في البيت الأبيض بمجرد وصولهم أن يتوجهوا لخزاناتهم الخاصة ، ويتركوا هواتفهم المحمولة وأجهزتهم الإليكترونية الخاصة، فقد صدر قرار بحظر استخدام هذه الأجهزة داخل الجناح الغربي من البيت الأبيض، حيث مكتب الرئيس، وحيث تجري معظم الاجتماعات المهمة، بل وتم تزويد المكان بأجهزة لكشف أي موظف لا يلتزم بهذا الحظر. ويقال إن التسريبات تعكس الجو العام داخل البيت الأبيض، حيث الصراعات الوظيفية الحادة، وحيث يسود اعتقاد بأن الموظف الذكي هو من يبادر بتسريب خبر عن زملائه قبل أن يسربوا هم أخباره، هذا بالإضافة إلى إحساس العاملين بعدم الرضا والإحباط والتنافس لشغل المناصب، مع عدم الحسم في حل المشاكل بينهم. ولكن، أيا كانت الأسباب، فالثابت تاريخيا أن التسريبات مشكلة عانى منها البيت الأبيض عبر الإدارات المتعاقبة بدرجات متفاوتة، صحيح أن إدارة ترامب تتفوق على سابقاتها في هذا الخصوص، لكن أقرب مثال لها حدث في عهد الرئيس الأسبق بيل كلينتون من الإجراءات التي اتُخذت آنذاك لوقف التسريبات، جعل الاجتماعات قاصرة على أقل عدد ممكن من الموظفين، وعدم تدوين ما يجري في وثائق يمكن تسريبها. وعندما تم تعيين ليون بانيتا رئيسا لهيئة العاملين بالبيت الأبيض 1994، طلب منه كلينتون - وكان يشك في مستشاره الإعلامي آنذاك جورج ستيفانوبولوس - أن يجعل أولويته كشف مصدر التسريبات، غير أن بانيتا كانت له رؤية مختلفة، إذ اعتقد أن ملاحقة المسربين عملية غير مجدية فيها إهدار للموارد والوقت، كمن يعالج أعراض المرض دون المرض ذاته. كانت خطته بدلا من ذلك العمل على ايجاد بيئة عمل أفضل وخلق روح الفريق، وجعل العاملين يشعرون بالولاء وبوحدة الهدف، من ثم أمكنه وقف التسريبات. البيت الأبيض يحتاج الآن مثل هذه الاستراتيجية، لكن لابد من وجود مسئول يؤمن بها ويستطيع تنفيذها.