مازلتُ أحيا يدفعني الأمل ويملؤنى التفاؤل في مستقبل أفضلَ لوطني ينعم فيه أبناؤه بالرخاء، ويستشعرون فيه بالقدر الأكبر من الراحة ورغد العيش هل من الممكن أن يتحقق ذلك ؟ نعم. كيف ومتي يتحقق ذلك؟ لم لا نلتفُ جميعاً حول هدف واحد، كيفَ نؤْثِرُ هذا الوطن عما سواه؟ ونعلي مصلحته العليا علي ماعداها من المصالح؟ وفِي تقديري أن كلمةَ السر (التصدير) والتي تعني بدايةً (الإنتاج) كما تعني بداهةً (الحد من الواردات) هل من المقبول أن يبقي المصريُ أسير المستورد؟ في مطعمه وملبسه، وكل مناحي حياته؟ حتي إنك لتسألُ نفسك وماذا بقي من مصريته؟ ولا تظنن أيها القارئ الكريم أن الأمر مقصور علي الأغنياء والقادرين بل يمتد أيضاً ليشمل الكادحين الذين طالتهم هذه اللعنة وتلك لا شك مأساةٌ أخرى. لقد قرأتُ مقالاً مهماً تصدر صحيفة الأهرام العريقة يوم الأحد الماضي للكاتب المتميز عبد المحسن سلامة جاء في مقدمته: للأسف حتي الآن لا توجد وجبة وطنية خالصة في مصر كل شىء مستورد بدايةً من الفول والطعمية ومرورا بالعدس وانتهاءً بالأسماك واللحوم. كما جاء فيه أن فاتورة الاستيراد لسد فجوة السلع الغذائية فقط تبلغ (12) مليار دولار إن حديثك يا صديقي لم يكن منا ببعيد، فلقد كنّا في الاتحاد المصري لجمعيات المستثمرين أول من حذّر من هذا الخطر الداهم قدمنا الحلول، عقدنا المؤتمرات، أعددنا الدراسات ناشدنا صناع القرار، دعوناهم إلينا، وذهبنا إليهم، وانتهينا إليّ أمرين مهمين (تشجيع المنتج المصري، وحماية الصناعة الوطنية ). الحلول التي قدمناها حرصنا أن تكون أولاً قابلة للتنفيذ وثانياً لا تتعارض مع التزامات مصر في الاتفاقيات الدولية وقواعد منظمة التجارة العالمية . وطالبنا بتغليظ العقوبات على التهرب الضريبي والجمركي بحيث تكون رادعة ومانعة، وكذلك ترشيد الإنفاق الحكومي بالامتناع عن شراء أية أصول لمدة عامين علي الأقل، و تشديد الرقابة على الأسواق للسيطرة على انفلات الأسعار وترشيد الدعم بأنواعه دون المساس بمحدودي الدخل. كما طالبنا بزيادة الإيرادات وضغط الإنفاق لتحقيق التوازن ثم الفائض، وذلك بزيادة إيرادات مصر من النقد الأجنبي (صادرات - استثمارات جديدة) وهذا يتم بوضع الصناعة المصرية على قدم المساواة مع منافسيها، من حيث تكلفة إنشاء المصنع، وتكلفة التشغيل، لزيادة القدرة التنافسية للإنتاج المصري، برفع الأعباء المحملة على العملية الإنتاجية التي لا يتحملها الإنتاج في البلاد الأخرى، وطالبنا باستيفاء جميع الاحتياجات الحكومية من الإنتاج الوطني، فيما عدا ما لا ينتج محلياً، وتحفيز الصادرات وزيادة مخصصاتها وتوجيه الدعم المادي إلي المصانع التي تزيد نسبة المكون المحلي في تكلفة إنتاجها على 50 بالمائة وتطوير المعارض، والاعتماد على الشركات المتخصصة في التسويق الدولي، وتطبيق نظام الشباك الواحد، تيسيراً للإجراءات ومنعاً للفساد . وطالبنا أيضاً بتقنين استخدام وإنفاق النقد الأجنبي بوقف استيراد السلع الاستفزازية وكذلك وقف استيراد السلع التي لها مثيل من الإنتاج الوطني ، لمدة ثلاث سنوات بشرطين: أولهما: أن يكون المنتج الوطني متاحاً ، ويتمتع بجودة منافسة، وبكميات كافية . ثانيهما: أن تتدخل الحكومة في تسعير المنتج ، منعاً للاستغلال. كما طالبنا بالاستخدام الكامل، لما شرعته لنا القواعد الدولية من فرض رسوم الإغراق والحماية، وتصحيح الفهم الخاطئ والمتعمد لسياسات السوق لأن حرية السوق لا تعني بحال من الأحوال عدم رعاية الصناعة الوطنية وعدم التدخل في السوق، لضبط الأسعار، حمايةً للمستهلك، ولا تعني كذلك فتح الأسواق للمنتجات الواردة دون أية ضوابط, كما طالبنا باستخدام قواعد منظمة التجارة العالمية، التي لا تحظر زيادة الرسوم الجمركية ، عندما تتعرض الصناعة لمنافسة غير متكافئة، والارتفاع بسقف المواصفات القياسية عند الاستيراد . زاد تعمقنا في أصل المشكلة ورددناها إلى أصولها، إلى العولمة، التي هي في حقيقتها، هيمنة الأقوياء، وبطش الرأسمالية المتوحشة، فلم تعد القوة مع من يملك الحق، بل أصبحت القوة هي الحق نفسه. هذه العولمة ظلمت الفقراء والدول النامية فزاد ثراء الأغنياء وزادت معاناة الفقراء وفقدت الصناعة الوطنية في الدول النامية قدرتها علي المواجهة والصمود نتيجة تعرضها لمنافسة غير متكافئة وأٌغلقت مصانع كثيرة وزادت معدلات البطالة بفقدان فرص العمل وارتفعت معدلات التضخم، بتهاوي قيمة العملة المحلية، بسبب الاعتماد علي الواردات، التي تخطت الضروري والكمالي من السلع حتي وصلت إليّ الاستفزازي منها. إن دول العالم المتقدمة ومنها أمريكا وفرنسا يشكوان من العولمة ومنهم من قالها صريحة دون مواربة (لتذهب العولمة ، وليذهب صانعوها إلى الجحيم). لقد كنّا حريصين في اتحاد جمعيات المستثمرين علي البحث عن حلول (لأصول المشكلات)، لا لظواهرها. شخصنا الداء، ووضعنا الدواء الذي وصفناه بالمر، وأكدنا ضرورة تناوله كاملاً حتي يتعافي المريض وتعود بلدنا العظيمة أرضاً للخير ووطناً للنماء . وحتي نكون منصفين لابد أن نشير إلى جهدٍ عظيم قدمته الدولة بتوجيه من الرئيس السيسي، وتنفيذ جرىء وناجح من الحكومة، وبخاصة وزير التجارة والصناعة المهندس طارق قابيل.إجراءات مهمة وقرارات حاسمة لكن مصر ( بلا شك ) تحتاج المزيد . رئيس الاتحاد المصري لجمعيات المستثمرين