الحزب الوطني يكتسح انتخابات بنجلاديش و"الجماعة الإسلامية" تقر بخسارتها    أسعار الدواجن تقتل ميزانية الغلابة اليوم الجمعة 13-2-2026 في بني سويف    حين يصبح الذهب خصم المواطن بني سويف تحت رحمة أسعار لا ترحم اليوم الجمعة 13-2-2026    القومي لعلوم البحار بالإسكندرية: التحول إلى المصايد الرقمية مدخل حاسم لسد فجوة 400 ألف طن سنويًا    ترامب ينتقد الرئيس الإسرائيلي لعدم منح نتنياهو عفوًا ويصف موقفه بالمخزي    تدريبات الأهلي تحسم موقف إمام عاشور من مباراة الجيش الملكي    توقف حركة القطارات بخط القاهرة الإسكندرية بعد خروج عربة قطار عن القضبان    خروج عربة عن القضبان يوقف حركة قطارات «القاهرة – الإسكندرية» مؤقتًا    استشاري أسري: استمرار الزواج لأجل الأطفال لا يعني قبول الخيانة    الفاسد، احتمال عزل بن غفير والمحكمة العليا الإسرائيلية تستعد لجلسة تاريخية    قروض بضغطة زر.. فخ إلكتروني يبتلع آلاف الضحايا    هالاند يحكم قبضته، ترتيب هدافي الدوري الإنجليزي بعد الجولة ال 26    نائب المدير الرياضي ل نورشيلاند: انتقال إبراهيم عادل للأهلي؟ لن ننخرط في هذه الممارسات    وزير الاتصالات الأسبق: استمرار «د. مدبولي» ضمانة للاستقرار وسط تغييرات وزارية واسعة    اليوم، توقف خدمات شحن عدادات المياه مسبقة الدفع    إصابة 3 أشخاص في انقلاب ميكروباص بالطريق الدولي الساحلي    وزير الطاقة الأمريكي: مبيعات نفط فنزويلا ستدر 5 مليارات دولار خلال الأشهر المقبلة    الرقم صادم.. هذا هو أجر يارا السكري في برنامج رامز ليفل الوحش    أرتيتا: ملعب برينتفورد صعب للغاية.. ونحتاج إلى بعض الحظ    رايا: تقلص الفارق ل4 نقاط؟ مازلنا في وضع ممتاز    أتلتيكو ضد برشلونة.. 5 أرقام سلبية للبارسا بعد سقوطه في كأس الملك    من "كمل يا كامل" إلى حقيبة واحدة على كفّ عفريت.. مراقبون: السيسي جزء من تراجع نفوذ كامل الوزير    تضافر "قوى الشر "..5 دقائق لتمرير حكومة المفسدين: برلمان يبصم ووجوه مشبوهة في مواقع القرار    تجديد حبس المتهمة بخطف رضيع منذ 11 عامًا من مستشفى في الإسكندرية 15 يوما    صراع الدم والميراث في المطرية.. الأمن يضبط عامل وشقيقه بعد فيديو خناقة الشوم    مدبولي: كل التقارير الدولية والمؤشرات تؤكد تحسن الاقتصاد.. وهدفنا توفير الخدمات الأساسية لنيل رضا المواطن    "انتكاسة للعدالة" ..محكمة ألمانية ترفض دعوى لمنع بيع "إسرائيل" السلاح    في حفل عيد الحب، وائل جسار: الجمهور المصري له مكانة خاصة بقلبي    شقيق هاني رمزي يوثق سيرة والدته في كتيب تخليدًا لذكراها    انطلاق مهرجان برلين فى دورته ال76.. السياسة تسيطر على الأجواء.. فلسطين حاضرة فى النقاشات ورفع شعارات إيران حرة على السجادة الحمراء.. المهرجان يمنح ميشيل يوه الدب الذهبى الفخرى.. صور    لبنان.. شهيد جراء غارة إسرائيلية استهدفت سيارة جنوب البلاد    مصر تعرب عن تعازيها وتضامنها مع كندا إثر حادث إطلاق النار بمدرسة في مقاطعة بريتش كولومبيا بكندا    أهم الأخبار العالمية والعربية حتى منتصف الليل.. فرنسا تعلن تفكيك شبكة احتيال داخل متحف اللوفر.. الكرملين يعلن تقييد واتساب.. غزة: أكثر من 3 آلاف مفقود و8 آلاف جثمان تحت الأنقاض.. وترامب: محاكمة نتنياهو مخزية    التحقيق في سقوط فتاة من القطار أمام محطة معصرة ملوي بالمنيا    حبس المتهمة بخطف طفل في الإسكندرية 15 يوما على ذمة التحقيقات    زيلينسكى: الانتخابات خلال الحرب فكرة روسية ولن نقبل سلاما بلا ضمانات    أرسنال يتعادل مع برينتفورد ويشعل صدارة الدوري الإنجليزي    برشلونة يسقط بفضيحة أمام أتلتيكو مدريد في ذهاب نصف نهائي كأس ملك إسبانيا    استعدادًا لشهر رمضان المبارك.. الأوقاف تفتتح (117) مسجدًا غدًا الجمعة    تموين الإسكندرية: مركز خدمات حي شرق يحصد المركز الأول في جائزة التميز الحكومي    سفير أحمد أبو زيد: مصر واحة استقرار لأوروبا وشراكتنا انتقلت إلى شراكة استراتيجية    قصائد ورومانسية.. وائل جسار يشعل حفل عيد الحب في دار الأوبرا | صور    المهندس عبدالصادق الشوربجى...رؤية وطنية وراء ميلاد جامعة «نيو إيجيبت»    باتفاق جمهور المحققين| العلماء: المسيئون لوالدى النبى سفهاء وعقابهم الحجر    ألف مسجد في (23) يومًا.. فرش وافتتاح بيوت الله في ملحمة إعمار غير مسبوقة للأوقاف    كيف نستعد لاستقبال شهر رمضان استعدادًا صحيحًا؟.. أمين الفتوى يجيب    الورداني: الشعور بعدم عدالة الميراث سببه غياب فهم المعنى لا خلل النصوص    إنقاذ حياة مريضة كلى من توقف مفاجئ بالقلب بمستشفى دمياط العام    إجراء 20 عملية عيون مختلفة لغير القادرين في بني سويف ضمن مشروع مكافحة العمى    رئيس جامعة دمياط يفتتح حملة "اطمن على وزنك وصحتك" بكلية الطب    رئيسة القومي للمرأة: تمكين المرأة ركيزة للتنمية الشاملة وليست ملفًا اجتماعيًا    وزير الصحة يستقبل سفير اليابان لبحث تعزيز التعاون الصحي وإنشاء مستشفى مصري ياباني بالعاصمة الجديدة    رئيس جامعة قناة السويس يشارك في استقبال محافظ الإسماعيلية للقنصل العام لجمهورية الصين الشعبية لبحث سبل التعاون المشترك    الأرصاد تحذر: طقس غير مستقر ورياح مثيرة للرمال وأمطار متفرقة غدا الجمعة    رئيس جامعة دمياط يشهد ندوة حول الاتجاهات الحديثة في البحوث الكيفية والكمية بالعلوم الاجتماعية    وزير الخارجية: مصر تولي أهمية كبيرة بدعم المؤسسات الصحية التابعة للاتحاد الأفريقي    وزير التعليم يكشف عن تعديل تشريعي مرتقب يستهدف مد سنوات التعليم الإلزامي    بتوقيت المنيا.... تعرف على مواقيت الصلاه اليوم الخميس 12فبراير 2026    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



خارج دائرة الضوء
بإرادة الشعب وعقيدة الجيش.. المستحيل قهرناه والإعجاز صنعناه!
نشر في الأهرام اليومي يوم 06 - 10 - 2017


اليوم الجمعة.. يوافق 6 أكتوبر 2017.
هذا اليوم من 44 سنة.. يوم غير مسبوق فى تاريخ الأمة.. رغم أنه إلى ما بعد منتصفه بأقل من ساعتين.. بدا كأى يوم.. سواء فى القاهرة وكل محافظات مصر.. أو على جبهة القتال تحديداً بمواجهة 170 كيلومترًا مع العدو.. حيث كل ما يدور على خط النار.. تكرار رتيب.. لما دار فى الأمس وأول أمس.. وكل يوم مر على مدار الشهر!.
الذى يدور.. تصرفات مدروسة بعناية.. لتبدو للعدو.. أنها روتين يومى لبشر ليس فى ذهنه شىء.. ومستحيل أن يستوعب أى شىء!.
إنهم مجموعات حتى الجنود.. موجودون على الجبهة.. ومكلفون بقضاء أغلب وقتهم فى أمور يستحيل أن تكون ضمن اهتمامات ناس بإمكانها أن تحارب يومًا!. تارة يجلسون بالساعات ينظفون سلاحهم!. وأخرى يغسلون ملابسهم!. وثالثة يلعبون «الكورة»!. صورة معينة تم تصديرها للعدو.. الذى يراقب ويسجل ويحلل.. لأجل أن يضع بنفسه لنفسه بطيخة «نمس» صيفى فى بطنه!.
الخداع المصرى الهائل.. خداع وزير دفاع العدو موشى ديان نفسه يوم 6 أكتوبر نفسه.. عندما استقل طائرة هليكوبتر إلى الجبهة.. ووقف على الجانب الآخر للقناة.. يراقب تحركات المصريين على خط النار.. لأن معلومة وصلت تل أبيب.. عن أن مصر ستشن الحرب اليوم!. موشى ديان راقب وراقب.. واستنتج وحلل.. ووصل إلى قرار.. على ضوء ما يراه.. استحالة أن يكون هذا منظر «ناس» سوف تحارب!.
هنرى كيسنجر وزير خارجية أمريكا.. اليهودى الديانة.. المتعصب لإسرائيل على طول الخط.. فى تعليقه على خطة الخداع المصرية البارعة وعنصر المفاجأة غير المسبوق.. قال: الإسرائيليون.. رأوا الأشجار.. ولم يروا الغابة!. كانوا على الجبهة قبل الحرب بثلاث ساعات فقط.. وعندهم معلومة بأن مصر ستحارب يوم 6 أكتوبر.. ولم يروا شيئًا ولم يلاحظوا أى شىء!.
حقيقة أنهم رأوا الأشجار ولم يروا الغابة.. لم يكن ضعف بصر منهم.. بقدر ما هو عبقرية تخطيط منا!.
فى الوقت الذى كان فيه ديان يراقب الجبهة.. أى الحادية عشرة صباحًا.. كان النسق الأول الذى سيتقحم القناة فى خنادقهم!. أتكلم عن أكثر من 100 ألف مقاتل.. دخلوا إلى خط النار ليل يوم 5 أكتوبر.. ولم يعرف العدو.. أن الذين يراهم يوميًا.. هم فقط للخداع.. وأنه فى الملاجئ أكثر من 100 ألف مقاتل.. سيقتحمون القناة بعد 180 دقيقة!. العدو لم يكن يدرى أن حائط صواريخ الدفاع الجوى.. احتل مواقع الصواريخ الهيكلية!. العدو لم يكتشف أن المواقع الهيكلية للمدفعية.. فى ليل من غير نهار.. وأظنها ليلة 3 أكتوبر.. هذه المواقع تم استبدال مدافعها الهيكلية بمدافع حقيقية.. تم تغطيتها بشباك التمويه التى كانت موجودة على الهيكلية!. خط المواجهة من السويس إلى بورسعيد.. فى ثلاث ليالٍ.. اكتملت قوته الضاربة.. حائط صواريخ الدفاع الجوى.. معدات الكبارى.. طلمبات المياه التى ستشق الساتر الترابى.. أكثر من 2000 مدفع!. ذخيرة المدافع فى القصفة الأولى التى استمرت 53 دقيقة.. كانت 3000 طن.. ولنا أن نتخيل كم عدد السيارات التى نقلت ثلاثة آلاف طن دانات مدافع إلى مكانها على خط النار.. كيف تحرك هذا العدد الهائل من السيارات دون أن تكتشفه الأقمار الصناعية ونقاط المراقبة البشرية؟.
إنها العبقرية المصرية التى تظهر.. فيما يبدو فى الأوقات الصعبة العصيبة.. والسنوات التى تلت هزيمة يونيو 1967 وحتى أكتوبر 1973.. يقينى أنها الأصعب فى تاريخ مصر.. التى لم تر مثيلاً لها.. وربما أصعب منها.. إلا فى يناير 2011 وما بعدها!. كيف؟.
هزيمة يونيو ضاعت فيها سيناء بأكملها «61 ألف كيلومتر مربع».. والعدو أصبح على القناة!. هزيمة يونيو.. دمرت أغلب ما نملك من سلاح.. والمتبقى ثبت يقينًا أنه لا يصلح لتحرير الأرض!. هزيمة يونيو.. زلزلت الروح المعنوية للشعب قبل الجيش.. وأشياء كثيرة أخرى سلبية موجعة سببها هزيمة يونيو.. إلا أن!.
كل هذه الأمور خلقت موقفًا صعبًا.. أظنه الأصعب فى تاريخ مصر حتى هذا الوقت!. الأصعب.. هو من أظهر المعدن المصرى الأصيل.. الذى لم يكن تم العبث به!.
الأصعب رأيناه فى 1967 وفى يناير 2011.. تشابه فى درجة الصعوبة واختلاف فى رد فعل الشعب.. ناجم عن اختلاف الفطرة التى عليها الشعب!. فى 1967 الشعب على فطرته السليمة العبقرية!. فى 2011 الشعب من منتصف التسعينات يواجه حرباً جديدة غير معروفة.. عرفناها فيما أنها الأجيال الجديدة للحروب!. أجهزة مخابرات الغرب تخطط ودولارات قطر تمول!. الهدف نسف القيم والمبادىء وانتهاك العادات والتقاليد وإشاعة العنف والكراهية والفتن والأكاذيب.. لأجل الوصول بعد سنوات إلى حالة الفوضى التامة!. الخروج من هذه الحالة.. مرهون بعودة الوعى للشعب!.
المعدن الأصيل للشعب.. بعد 1967.. على فطرته السليمة.. لذلك لم نأخذ وقتًا فى نفض آثار الهزيمة!. لم يضع منا وقت والجيش قبل الشعب.. استرد الروح المعنوية!. مصر كلها على قلب وعقل وفكر رجل واحد!. أرضنا سنحررها حتى لو ذهبنا جميعًا للآخرة!. فى هذه الفترة العصيبة.. ظهر المعدن النفيس للشعب ولسان حاله يقول «اللى يعوزه جيشنا فى تسليحه.. يِحْرَم علينا»!. القيادة المصرية تعاملت مع الموقف الصعب الدقيق.. بمنتهى العقل!. عدو منتصر مغرور مستفز.. يريد استدراجنا «للضربة القاضية الفنية»!. تصريحات لا تتوقف عن أن القناة.. أصبحت خط الهدنة الجديد بيننا وبينهم!. كلام عن حقهم فى امتلاك نصف عرض القناة!. مقترح تقدموا به للأمم المتحدة.. لأجل إعادة القناة للملاحة.. باعتبار نصفها تحت سيطرتهم!. يريدون تهورًا ينقلب إلى مواجهة شاملة على خط النار الجديد!. لذلك كانت التعليمات المشددة.. بحتمية التهدئة وضبط النفس وعدم الاستدراج لأى مناوشات!. المرحلة الثانية.. كانت الرد بحذر وبعد الحصول على موافقة مسبقة من القيادة.. وهذا القرار جاء.. لأن القيادة أدركت أن القدرة على تحمل الاستفزازات لها حدود.. والقوات الموجودة على الجبهة.. «جابت آخرها» فى ضبط النفس.. ولابد من التنفيس!. وفى الوقت الذى تأكدت فيه القيادة من اكتمال أمور عديدة.. أعلنت مصر حرب الاستنزاف فى 8 مارس 1969 واستمرت 500 يوم حتى 8 أغسطس 1970.. وبنهاية الاستنزاف بدأت مرحلة الإعداد والاستعداد النهائى للحرب التى استمرت 38 شهرًا.. وآخر يوم فيها.. هو يوم 6 أكتوبر!
بدأت الحرب فى الثانية بعد الظهر!. ربما لتكون هى أول حرب تبدأ ظهرًا ومستحيل أن يتوقع العدو هذا التوقيت.. وهذه عبقرية تخطيط!. مهم جدًا أن تكون الشمس فى ظَهْرِ طيارينا فى ضربة الطيران.. والشمس وسط السماء محايدة الساعة 12 ظهرًا.. ومن بعد هذا التوقيت الشمس معنا وضد دفاعات العدو!. اختيار الثانية بعد الظهر.. مرتبط بالمد والجزر فى مياه القناة وبالتيارات البحرية التى تتغير أربع مرات على ما أتذكر على مدى اليوم!.
المهم أن 220 طائرة من مطارات مصرية مختلفة.. تحركت فى لحظات مختلفة.. لأجل أن تدخل سيناء من فوق القناة فى وقت واحد.. هو الثانية ظهرًا!. الطيارون المصريون دخلوا سيناء لتدمير 3 قواعد جوية وعشر قواعد صواريخ (هوك) وثلاثة مراكز قيادة.. وعدد من محطات الرادار ومرابض المدفعية بعيدة المدى!. الضربة الجوية حققت أكثر من 90% من أهدافها!. القيادة ألغت الضربة الجوية الثانية.. بعد النجاح المذهل الذى حققته الأولى فى تدمير أهدافها!.
الطيران دخل سيناء من فوق القناة.. وخرج منها من الأجناب.. البحر الأبيض وخليج السويس!. ليه؟. لأجل أن ينطلق تمهيد المدفعية.. بعد دقيقتين فقط من عبور الطيران لسيناء من فوق القناة.. وهذا يوضح أن الضربة الجوية انتهت فى دقيقة.. أى الأهداف تدمرت فى دقيقة.. ونسور الجو غادروا سيناء فى الدقيقة الأخرى.. لتبدأ المدفعية.. أو لتفتح المدفعية نار جهنم على العدو.. وهذا معناه.. أن الجحيم الذى بدأه الطيران.. لم يتوقف والمدفعية.. أوصلت جحيم الجو.. بجحيم الأرض!. أكثر من 2000 مدفع.. وأكثر من 400 دبابة اعتلت مصاطبها فى الغرب.. بخلاف عربات القتال المجهزة بصواريخ مضادة للدبابات.. الكل يضرب.. لتنطلق النيران المباشرة على أهداف مرئية للعدو.. وغير المباشرة لأهداف محددة لكنها غير مرئية!. معدل الضرب فى الدقيقة الأولى وصل إلى عشرة آلاف وخمسمائة دانة.. بمتوسط 175 دانة فى الثانية الواحدة!.
على حافة مياه القناة.. كان عشرات القوارب الصغيرة المعالجة ضد الحريق.. تنتظر إطلاق أول دانة مدفعية.. لتنزل فى القناة تجاه الشاطئ الشرقى!. عشرات القوارب هذه.. بعضها استطلاع وبعضها نقاط ملاحظة للمدفعية.. وبعضها قوات صاعقة مهمتها عَمَل كمائن للعدو القادم من عمق سيناء وبعضها لحصار نقاط خط بارليف القوية من الخلف وبعضها لتأمين الساتر الترابى ومنع دبابات العدو من الصعود إليه!. مرة أخرى ليه؟.
العدو له مصاطب دبابات مجهزة على الساتر الترابى فى الشرق.. بواقع مصطبة كل 100 متر على امتداد الساتر الترابى.. أى دبابة كل 100 متر فى مواجهة طولها 167 كيلومترًا!. بحسبة بسيطة نكتشف أن الساتر الترابى مجهز لأن تحتل قمته 1067 دبابة.. «يعنى» جيش مدرعات فوق الساتر الترابى.. ولنا أن نتخيل الجحيم الذى ستصنعه هذه الدبابات فيما لو حاول المصريون نزول القناة.. وليس التفكير فى اقتحامها!
عبقرية التخطيط وعبقرية التدريب والاستعداد.. والفطرة المصرية فى الشجاعة والفداء للمقاتل المصرى.. حالت دون أن تصعد دبابة واحدة للعدو إلى مصطبتها!. العبقرية المصرية.. دمرت مراكز قيادتهم بضربة طيران فى دقيقة!. العبقرية المصرية حولت سيناء.. إلى جهنم الحمراء على مدى 53 دقيقة هى مدة التمهيد المدفعى وقبلها دقيقة جهنم للطيران.. وبعدها وحوش تقاتل على الأرض.. وحرمت العدو من كل المميزات التى تمتع بها.. مانع مائى وساتر ترابى وأقوى خط دفاعى!.
إنهم المصريون أيها الجبناء!.
القوارب الكثيرة التى عبرت القناة بعد أول دانة.. نجحت خلال دقائق خمس فى تحقيق المفاجأة وفرض السيطرة وتأمين الحماية لعبور القوات الرئيسية.. المحدد له أن يبدأ بعد نهاية الدقيقة الخامسة من وصول هذه المفارز للشرق!.
الساعة 2.18 (الثانية و18 دقيقة) توقيت اقتحام الموجة الأولى للقوات الرئيسية.. أكثر من 1600 قارب على امتداد القناة.. وتأتى بعدها تباعًا 11 موجة أخرى تقتحم القناة على التوالى.. تشمل المقاتلين والمعدات الخفيفة للفرق الخمس العظيمة.. ووصفها بالعظيمة.. ليس من عندى.. إنما هو تعبير الجنرال بوفر.. أحد أهم خبراء العسكرية فى العالم.. وقاله وهو يصف تميز أدائها فى حرب 1973.
فى الحقيقة.. دخول الطيران إلى سيناء من فوق رءوس المقاتلين.. فجَّرَ داخلهم طاقات لا سقف لها.. فى وقت أظنه الأمثل.. قبل دقائق من افتحام القناة.. وهذا ما ظهر على سطح القناة.. التى شهدت سباقًا هائلًا بين ال1600 قارب لأجل الوصول للشرق وصعود الساتر الترابى.. والسجود على قمته شكرًا لله.. وبعد السجود لله.. رفع العلم!.
ظل خط بارليف.. أساس كل خطة.. لأنه 31 نقطة قوية.. كل ثلاث نقاط منه تشكل نقطة دفاع ثابت.. بينما الاحتياطيات القادمة من العمق هى الدفاع المتحرك!. المصريون رصدوا كل شىء.. وحللوا كل موقف.. وعملوا حسابًا لكل صغيرة قبل الكبيرة.. وعليه!. خط بارليف.. حددنا النقاط القوية فيه التى ستؤثر على قواتنا وهى تقتحم القناة.. وهذه النقاط لابد من إسقاطها والاستيلاء عليها ومنع أى نيران تنطلق منها.. النقاط الأخرى غير المؤثرة بصورة مباشرة.. يتم حصارها وشغلها بالتعامل معها.. على أن يتم إسقاطها فيما بعد تحقيق المهام الرئيسية.. ولذلك!.
نصف نقاط خط بارليف تم إسقاطها والاستيلاء عليها يومى 6 و7 أكتوبر.. والباقى تم الاستيلاء عليها يومى 8 و9 أكتوبر.. عدا نقطة لسان بورتوفيق التى تم حصارها إلى أن استسلمت يوم 13 أكتوبر.. وبقيت نقطة شرق بورفؤاد.. التى صرفت القيادة النظر عن مهاجمتها.. لعدم تأثيرها علينا!.
لأجل أن تعرفوا عظمة المقاتل المصرى.. أسترجع مع حضراتكم فلسفة إنشاء خط بارليف.. الذى قال عنه خبراء العسكرية إنه أقوى خط دفاعى عرفه العالم فى أى حرب!. الخط الدفاعى مكون من 31 نقطة قوية. النقطة القوية مساحتها 200 متر * 200 متر.. أى حوالى فدان أرض.. وهى مقامة تحت سطح الأرض ومجهزة بكل شىء وأى شىء.. وسطحها الخرسانى فوقه.. أطنان من الحجارة الموضوعة فى شباك سلك.. والهدف منها امتصاص أى موجة انفجارية!. النقطة القوية.. بها مولداتها الكهربائية الخاصة بها.. وبها كل وسائل الاتصالات مع بعضها ومع قاعدتها ومع الأقمار الصناعية. بها جميع أنواع الأسلحة الثابتة (مدافع) والمتحركة (دبابات). النقطة عندها تجهيزات إدارية وخطوط إمداد عسكرية.. تجعلها قادرة على تحمل أى حصار لأكثر من 90 يومًا.. فماذا حدث؟.
قبل مرور ساعة واحدة من وصول مقاتلينا للشرق.. سقطت أول نقطتين!. الأولى.. نقطة الكيلو 146 فى قطاع الجيش الثانى ونقطة الكيلو 19 فى الجيش الثانى.. وكلتاهما سقطت فى الثالثة و25 دقيقة يوم 6 أكتوبر!.
فى الثالثة إلا عشر دقائق.. كان شاطئ قناة السويس الشرقى.. عليه 14 ألف مقاتل من المشاة بأسلحتهم الخفيفة.. يؤمنون تمامًا الأرض التى يقفون عليها!. بعض هذه القوات.. دخل فى العمق لمسافة كيلومتر.. لصد أى هجوم مضاد.. بعيدًا عن القناة.. لتوفير المزيد من الحماية لرجال المهندسين.. الذين يقومون بعمل جبار غير مسبوق فى أى حرب!.
مد الجسور بين ضفتى القناة.. لأجل دخول القوات الرئيسية والمعدات ذاتية الحركة.. دبابات ومدافع وسيارات صواريخ وذخائر...
السرعة هى العامل الأهم.. لأجل الاستعداد لصد أى هجوم مضاد للعدو!. بدأت ملحمة المهندسين.. بعبور وحدات استطلاعها تجاه الفتحات الشاطئية فى الساتر الترابى.. تلتها القوارب التى حملت مضخات المياه النفاثة.. وبدأ العمل لفتح 81 فتحة على طول الجبهة.. بإزاحة 1500 متر مكعب رمال بالمياه فى كل فتحة.. وفى الوقت نفسه.. هناك عناصر مهندسين تمهد الجانب الشرقى لكل كوبرى أو معدية!. أول فتحة فى الساتر تمت فى الخامسة والنصف مساء.. وتشغيل أول معدية فى السادسة والنصف وإنهاء أول كوبرى فى الثامنة والنصف...
المصريون يصنعون أسطورة غير مسبوقة.. لا مانع مائى أوقفهم ولا ساتر ترابى منعهم.. وحتى خط بارليف.. انهار تحت أقدامهم!.
تحية إلى جيش مصر العظيم فى الأمس واليوم وفى الغد وكل غد بإذن الله.
وللحديث بقية مادام فى العمر بقية
لمزيد من مقالات إبراهيم حجازى


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.