لقد فرض اليونان والرومان سيطرتهما علي بلاد العالم القديم شرقا وغربا، من الهند وبلاد الشام والعراق وايران وشبه الجزيرة العربية، حتي مصر وبلاد المغرب، مرورا بآسيا الصغرى(تركيا وجزء من روسيا)، ولم أجد في كتابات مؤرخيهم وفلاسفتهم، عبارات غزل وجماليات وصف لأي من تلك البلدان، مثلما تغنوا وتغزلوا في مصر أرضا وشعبا..ليفرض السؤال نفسه: «لماذا أشار هوميرو» من القرن 8 ق.م الي كفاءة أطباء مصر، وأورد اسم جزيرة فاروس وميناءها في ملحمته الأوديسة؟. سؤال آخر يتعلق بوصف هيرودوت مصر في كتابه الخامس، فقرة 35 وتقول: «إذا قورنت مصر بغيرها، فهي صاحبة القدر الأعظم من العجائب» وفي الفقرة 77، يصف شعب مصر بأنهم أكثر الشعوب التي عرفها علما ومعرفة .ثم لماذا تغني أفلاطون أشهر الفلاسفة الإغريق بمصر؟ وكتب عنها:«إنها أرض الحكمة والحكماء الذين يحققون الإستقرار والاستمرارية».. لماذا لم يصف أى من هؤلاء بلاد الشام والعراق بما وصفوا بمصر؟ .. وماذا رأي المؤرخون والفلاسفة لم نتداركه ونستشعر به نحن؟!!. لا يقف الحد عند المؤرخين والفلاسفة الأجانب، فنري الأمر يمتد للمستشرقين، فنري منهم من يصف بعض الشعوب بأنهم «أهل نفاق» وآخرين «أهل كذب ومجون» وغيرهم «أهل كسل وفتنة» حتي يأتوا الي مصر ليصفوهم ب«الطيبة وحب الهوى». لم أكن قد زرت إسطنبول من قبل، وكنت متحمسة لزيارة المساجد، لاتناول بحكم دراستي، أي اختلافات في العمارة الإسلامية عبر العصور المختلفة، وكذلك زيارة المناظر الطبيعية التي نجحت المسلسلات التركية في تسويقها. وكان جامع -آيا صوفيا- أول القائمة.. وما إن وطأت قدماي داخل الجامع حتي أصابني الذهول والدهشة، كان الأصل في البناء كنيسة تم حرقها ثم رممت ليعيد تيودوروس الثاني بناءها في 415،م ثم حرقت مرة ثانية ليعيد الإمبراطور جستنيان بناءها ثالثا في نفس المكان، واستغرق بناؤها 5 سنوات ليفتتحها في 537م ، وكان جستنيان حريصاعلي أن تكون ذات طراز معماري متميز،أنجزه له المهندسان الإغريقيان أيسيدروس الميليتوس وأنتيميوس الترالليسيوق، وقد نجحا في عمل طفرة هندسية من خلال بناء قبة الكنيسة، حتي وصلت ضخامتها وارتفاعها ما تعدي قبة «البانثينون» المعبد الروماني الأشهر في زمانه، وكانت لهذه الكنيسة مكانة مرموقة لأنها شكلت الكاتدرائية الشرقية للأرثوذوكس، ومقعدا مهما للبطريركية القسطنطينية، إلا إنه في الفترة مابين 1204 و1261 تحولت إلى كاتدرائية كاثوليكية،ثم عادت مجددا لتكون قبلة الأرثوذوكس الشرقية، حتي دخل الإسلام آسيا الصغري في م1453، وحولها محمد الفاتح الملك العثماني الي جامع وأزيلت رسومات القبة من الذهب والفضة ورسومات الحائط التي تحكي تاريخا دينيا، لتحل محلها آيات قرانية وأضيفت حلايا دائرية ضخمة في القاعة الرئسية،تحمل اسم الخلفاء الراشدين الأربعة، وسيدنا الحسين رضي الله عنه، وتحولت باقي أجزاء الكنيسة لمتحف للمخطوطات الإسلامية، وهو الموجود حاليا. لكن حينما دخل عمرو بن العاص مصر، في 642م ورأي ما بها من معابد وكنائس عديدة في كل أطرافها، قام ببناء أول جامع فيها بالفسطاط، الي جوار الكنيسة المعلقة والمعبد اليهودي، في الموقع الذي سمي لاحقا «مجمع الأديان» ولم تشهد مصر طوال الحكم الإسلامي بمختلف عصوره، تدميرا لكنيسة أو معبد أو أثر تأسيا بتعاليم القرآن الكريم كما ورد في سورة الكافرون: «لكم دينكم ولي دين». لم يكن هذا الأمر الوحيد الذي لفت انتباهي، بل مضيت في شوارع إسطنبول وتحدثت مع ناسها، إبان احتفالات الأخوة المسيحيين بإسبوع الآلآم وسبت النور وأحد القيامة، وانتخابات تعديل الدستور،ولم تشهد المدينة التركية أي مظهر لأي احتفال رغم وجود عدد لابأس به من الأخوة المسيحيين، حتي إنني افتقدت أصوات أجراس الكنائس التي لم أسمعها. حقا إنها مصر مهد الأديان ..وعندئذ أدركت لماذا تغني وتغزل مؤرخو وفلاسفة اليونان والرومان بمصر دون غيرها، فهم أيضا أدركوا عظمة مصر والمصريين، هذا الشعب الذي يذيب ويحطم جسور الفوارق الدينية ليتجانس ويتآنس. حقا..إنها مصر السلام والإرادة وأرض الحكمة، فآثارنا التاريخية القائمة حتي وقتنا الراهن، تدل علي قوة وسماحة الإسلام الحقيقي. ولأشد ما أحزنني،انه ما بين شمس وضحاها، يمكن لأي فرد أو مجموعة أن تسىء للإسلام وتعاليمه. فما يحدث الآن، مرض عضال أصاب قومنا، وعلينا استئصاله وبتره. لمزيد من مقالات د. إنجى فايد;