جاء صوت محدثه عبر الهاتف المحمول واضحا وحازما يوحي بثقة صاحبه الشديدة فيما يقول: الأمر مهم وخطير، قابلني عند بوابة محطة مصر في الساعة السادسة. HHH ليس لدي ما أقدمه أو أستطيع أن أصرح به أكثر من ذلك، ستعرف كل شيء عندما نتقابل. HHH الموضوع يهمك ويهمني ويهم الكثيرين غيرنا، من فضلك لا تتأخر عن الموعد الذي حددته لك. لم يسعفه الاستنتاج أو الحدس بمعرفة شيء عن شخصية محدثه، فقط التقط من كلامه بعض الأوصاف عن ملابسه وملامحه التي يمكن أن يتعرف بها عليه حين يلقاه، رغم ذلك وجد نفسه منساقا لتصديق ما قاله، ولم لا؟.. فليجرب ويذهب، فربما ضاعت فرصة عمره لو لم يفعل كما ضاعت منه فرص كثيرة من قبل. في المكان المحدد عند محطة مصر، وفي الساعة المحددة، وقف ينتظر ويتابع بعينيه المارين أمامه، يتفرس في ملامحهم وفي أزيائهم عله يعثر من بينهم علي الشخص المنتظر.. الدقائق تمر كالجمرات ولا أحد يتقدم إليه.. نظر حوله فلم يلفت انتباهه في الحشد الداخل والخارج من بوابة المحطة ومن الموجودين عندها سوي ذلك الشحاذ الجالس مستندا إلي عمود البوابة يستجدي المارة، وعلي مقربة منه سيدة تبيع المناديل الورقية. بعد قليل لاحظ وجود أحد الواقفين بالقرب منه، بعدها ظهر شخص ثان فثالث، وقفا أيضا علي بعد خطوات منه.. لم تمر دقيقتان إلا وظهر شخص رابع لينضم إلي الجميع، بعد قليل من التأمل داخله شعور بأنهم جميعا قد جاءوا في انتظار شيء واحد. تبادل مع بعضهم النظرات فرأي في أعينهم السؤال نفسه الذي ود أن يسأله لهم، وبعدها قرأ فيها أيضا تردده نفسه في السؤال أو خجله منه، نظر أحدهم في ساعته وقد بدا عليه شيء من التوتر، لمح في عين آخر لمعة استبشار سرعان ما خبا لتحل محله مسحة من القلق، هذا بينما كانت عيون الثالث والرابع تتفحص المارين بيقظة شديدة دون توقف. بعد انتظار اقترب من الساعة لاحظ مغادرة أحدهم المكان وقد بدا عليه اليأس.. بعد ربع ساعة غادر ثان وبعده دقائق الثالث فالرابع، تساءل بينه وبين نفسه: أيكون الجميع قد تحولوا إلي ضحايا لشاب عابث ثقيل المزاح؟ أم السبب كامن في حسن نواياهم الزائد؟.. ضغط علي رقم محدثه المجهول الذي كان قد ظهر علي شاشة محمولة ليستفهم منه عن سبب تأخيره غير المفهوم. جاء رد الجهاز بأن محموله قد يكون مغلقا أو مشغولا ويطلب منه الاتصال في وقت لاحق.. قرر بعزم الانصراف عندما رن هاتفه حاملا إليه صوت محدثه المجهول. قبل أن يثور رد الآخر معتذرا بشدة عن التأخير لأسباب قاهرة مع وعد بالحضور خلال ثلث الساعة علي الأكثر، لأن الموضوع مهم بالفعل وفيه مصلحة للجميع.. بصبر كاد ينفد وقف معاودا لعبة الانتظار السخيفة.. بدأ ظلام المغرب في الهبوط علي المكان، تزايد غشيان الظلام مع دخول ساعات الليل، بصق علي الأرض في حنق مغادرا المكان.. ألقي نظرة أخيرة حوله، كان الشحاذ لايزال جالسا يتوسل للمارة وبالقرب منه المرأة التي استمرت تنادي بلا كلل علي مناديلها الورقية.