“يجب أن نقر أن التعليم أصبح سوبر ماركت، يدخل إليه كل فرد ليختار السلعة التى تناسبه وهذا هو المنظور الاقتصادي الذى نتعامل به الآن للأسف مع النظام التعليمي.. “. كان هذا رد أستاذ علم الاقتصاد فى منتصف التسعينيات من القرن العشرين وكانت هذه العبارة الصادمة رداً على سؤالي عن رأي سيادته فى بعض أنماط التعليم التى لم تكن موجودة فى التعليم المصري قبل السبعينيات والتى منها الشهادات الأجنبية G.C.E. والدبلوم الأمريكي، والشهادات المعادلة للثانوية العامة التى كان الطلاب يسافرون للحصول عليها. الحقيقة أننى كنت أنتظر منه رأيا مختلفا يتفق ودراستي فى ذلك الوقت، لذلك قاطعته وقلت له “وأين تكافؤ الفرص التعليمية، إذا تحول التعليم إلى سلعة يحصل عليها القادرون؟ “ . ويبدو أنه رأى أننى لست على مستوى الحوار، فلم يكمل كلامه، ووجهني بهدوء إلى مزيد من القراءة فى السياسة والتعليم والاقتصاد. ولم أتفهم موقفه إلا بعد سنين من الدراسة والخبرة العملية، لقد اتضح لى الآن لماذا اعتبر الأستاذ المخضرم أن نظرتى للموضوع نظرة أحادية وسطحية، بعد أن قرأت العديد من الكتب فى الاقتصاد وفى السياسات التعليمية وعن دور التربية فى إرساء قيم المواطنة، وتعلمت أن المواطنة هى الاحساس بالهوية القومية وحب الوطن، وأن للمواطنة مقومات أساسية وغياب أحد هذه المقومات أو وجود قصور فى بعضها يؤثر سلباً على تمسك الأفراد بقيم ومبادئ المواطنة، وتأتى على رأس هذه المقومات “الضبط الاجتماعي”. وهو سيطرة اجتماعية مقصودة وهادفة لتربية الأفراد للامتثال لقواعد المجتمع وقيمه ومعاييره. ويتحقق الضبط الاجتماعي بقبول الأفراد طواعية للقيم والمعايير الاجتماعية السائدة والحرص على التمسك بها لتكوين هوية مميزة للمجتمع، وهو من أهم متطلبات المواطنة، وهنا اكتشفت أن تكافؤ الفرص التعليمية أخف الأضرار. فمعنى أن يصبح التعليم سلعة لا يرتبط ذلك بالقدرة المالية فقط، بل يرتبط أيضا بالقدرة الثقافية. فمن المعروف أن لكل جماعة بالمجتمع ثقافتها الخاصة والتى يطلق عليها الثقافة الفرعية، ودور المؤسسات التربوية العامة وضع إطار عام يجمع هذه الثقافات فى بوتقة واحدة وهو ما يطلق علية ثقافة المجتمع. عندما يتحول التعليم إلى سلعة يصبح مشكلة شخصية يحدد كل فرد أو جماعة نوع التعليم الذى ترغب فيه ، فتنشىء كل فئة لنفسها المؤسسات التعليمية التى ترى أنها تتناسب وثقافة الجماعة “ فتظهر مدارس دينية إسلامية، وقد تنقسم إلى مدارس دينية مذهبية ( سنة - شيعة – سلفية – إخوانية - تيار ديني مستنير ). وأخرى مسيحية (مدارس أرثوذوكس- كاثوليك- بروتستانت). ومدارس ليبرالية بمناهج دولية مختلفة. وقد يلجأ البعض إلى رفض كل هذه الاشكال ويكتفى بالتعليم المنزلي، اعتمادا على اكساب أبنائه النواحي المعرفية فقط. ويرفع عن الدولة عبء الميزانيات الضخمة التى توجه للتعليم، كى تتفرغ للتنمية والتصنيع وإنشاء الطرق والكباري. ونظرا لأن التعليم حق من حقوق المواطن وهذا ما تنص عليه المنظمات الدولية، سوف تضطر الدولة إلى إنشاء مدارس حكومية لغير القادرين على دخول سوبر ماركت التعليم، وتوفير تعليم يتناسب مع احتياجات المجتمع و سوق العمل. ونظرا لأن الجامعات سوف تقتصر على القادرين مادياً فقط لا يمكن أن يدخلها هؤلاء. لذلك سوف يقتصر تعليمهم على التعليم الفنى والمرحلة الثانوية. وتدريجيا يتحول هذا النوع من التعليم لإعداد مواطنين يعملون فى مجالات خدمية للطبقات العليا، وعمال مصانع. ويتوقف دور التعليم كعامل للحراك الطبقى. والأخطر من ذلك توقف دور التعليم كعامل حفظ وقائي عام، فيفقد دوره في مساعدة التلاميذ على التخفيف من وطأة الصراعات الثقافية التي قد تنتج من اختلاف المستويات الاجتماعية والبيئات التي تنتمي إليها أسر هؤلاء التلاميذ، وتعجز الدولة عن تزويد الأفراد بأساسيات ثقافة المجتمع والتى ينتج عنها وحدة الفكر والعمل والعقيدة. وهي أمور لازمة للتماسك الاجتماعي، ويتحول المجتمع إلى سوبر ماركت كبير، التعليم أحد السلع المتاحة فيه. فما هى الصورة الكاملة لهذه الدولة، دولة بلا مواطنة، وكل فرد ينتمى إلى جماعته، خاصة دولة مثل مصر لها طبيعتها الخاصة. الواقع أن قدرتى على التنظير تقف عند هذا الحد وأترك الساحة لأساتذة علم الاجتماع والتربية لرسم الصور الكاملة لمستقبل هذا المجتمع، وفى النهاية يجب على أن أوجه اعتذاراً واجباً لروح أستاذ الاقتصاد (رحمة الله عليه ) عن سطحيتى فى حوارى معه، وقصوري في فهم خطورة جعل التعليم سلعة، وتحول المواطنة لبضاعة ومستقبل الأمة. فالقضية أكبر من تكافؤ الفرص، وتتعلق بتشكيل وجدان هذه الأمة ووحدة الهوية الثقافية للمجتمع والانتماء للوطن، وقضية التعليم وتنشئة أجيال المستقبل أهم وأخطر من أن تترك لآليات السوق. أستاذي الراحل: لقد أدركت الآن أنه عندما يكون التعليم سلعة تبور بضاعة المواطنة. لمزيد من مقالات د. بثينة عبد الرؤوف