فى ختام المقال السابق اكدنا ضرورة ان تصطحب محاولة تجديد الفكر الدينى أو تسبقها عملية جادة لتجديد عقلية ومدركات المجتمع ككل، ذلك أن تجديد الفكر الدينى والذى يتعين ان يواجه ازدحام العقل المجتمعى بأساطير وروايات وحكايات غير قابلة لأن يصدقها عقل لكنها جاورت العقل العلمى وعاشت فى رحابه لتخلق مزيجا يحاول التجديد ويخشاه لأنه يخشى من سطوة التسليم بالادعاءات غير العاقلة بل وغير المسلمة على عقل المجتمع وحتى المتعلمين بل وكبارهم، ولنتخذ نموذجا لخشية سطوة الرأى العام على دعاة التجديد وتراجعهم أمامه واحدا من كبار مفكرى ومثقفى دعاة التجديد والليبرالية الدكتور محمد حسين هيكل، ونقرأ له فى بدايات معركته «أن البعض قد اضاف إلى دين الله شيئا كثيرا لا يرضاه الله ورسوله، واعتبر من صلب الدين، ورمى من ينكره بالزندقة ، فقد اضافت اكثر كتب السيرة ما لا يصدقه العقل، ولا حاجة إليه فى ثبوت الرسالة، ولأن هذه الاقاويل قد اعتبرها البعض من صلب الدين فقد رمى من انكرها بالالحاد، بل إن العديد من العلماء المسلمين والشيخ محمد عبده فى مقدمتهم قد اتهموا بالالحاد والكفر» ويمضى قائلا «لقد لاحظ الذين درسوا كتب السيرة أن ما روته من انباء الخوارق فى الكتب القديمة اقل بعدا عن العقل مما ورد فى كتب من اتوا بعدهم» ومن ثم فهو يرى «ضرورة النظر إلى كتب التراث بنظرة انتقادية متفحصة واخضاعها للفحص العقلى خاصة أن اقدمها قد كتب بعد وفاة النبى صلى الله عليه وسلم بمائة سنة او اكثر، وبعد أن فشت فى الدولة الاسلامية دعايات سياسية وغير سياسية كان اختلاق الروايات والاحاديث بعض وسائلها إلى الذيوع والغلبة، فما بالك بمن اتى بعدهم مما كتب فى ازمان التقلقل والاضطراب، ويكفى ان يذكر الانسان ما كابده البخارى من مشاق واسفار فى مختلف اقطار الدولة الاسلامية لجمع الحديث وتمحيصه، وما رواه بعد ذلك من انه وجد الاحاديث المتداولة تربو على ستمائة الف حديث، لم يصح لديه منها اكثر من اربعة آلاف اى انه لم يصح لديه من كل مائة وخمسين حديثا إلا واحدا (نسبة 0.6%) ..وكذلك سائر من جمعوا الحديث (حياة محمد- صفحة 54) ويقول الدارقطنى ان الحديث لم يجمع إلا فى عهد المأمون عندما اصبح الحديث الصحيح فى الحديث الكاذب كالشعرة البيضاء فى جلد الثور الابيض». ونعود إلى د. هيكل لنقرأ «أن عملية تمحيص الاحاديث وتنقيتها يجب أن تعتمد على العقل خاصة وان اختلاف المسلمين بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم قد ادى إلى اختلاق الآلاف من الاحاديث والروايات» (المرجع السابق- ص56)، وبهذا النهج سار هيكل وجماعته من المجددين والليبراليين من ابناء الاعيان وخاضوا معارك هامة دفاعا عن حرية التعبير والحق فى اعمال العقل «حتى تصادم معهم الشيخ رشيد رضا الذى انقلب على تعاليم استاذه الامام محمد عبده وهاجم كل دعاة التجديد هجوما مفعما باللاخلق فإتهم سلامة موسى بأنه «نصرانى تبشيرى كافر» واتهم العقاد بأنه «هجاص» وجميع الذين يدعون للتجديد والالتقاء مع الفكر الاوروبى ومنجزاته كفار تغريبيون. ولم يحتمل الارستقراطيون وطأة هذا الهجوم وشعروا بخطر هذه الحملة عليهم وعلى مكانتهم فى المجتمع وبأنها تسيء إلى صورة الحزب (الاحرار الدستوريين) لدى الجماهير التى تتعلق بحزب الوفد الذى تباعد عن هذه المعركة وقد رأينا كيف وقف سعد زغلول بكل ما لديه من شعبية ضد كتابى على عبد الرازق وطه حسين. فقرروا التراجع. وقبل أن نتابع تراجعهم نود فقط أن نسجل عبارة هامة قالها حسن البنا وهو يحدد توجهات جماعته الوليدة وهى «نحن سلفيون من اتباع الشيخ رشيد رضا». ونعود إلى مسيرة تراجع الليبراليين والمجددين امام هجمة التكفير الشرسة. فنجد واحدا منهم وهو محمد حسن الزيات وقد اصدر مجلة الرسالة لتكون كما قال فى عددها الاول «جامعة بين روح الشرق وحضارة الغرب» وكتب احمد امين فى ذات العدد معبرا عن الحاجة إلى نموذج اجتماعى تربوى متوازن ومتكامل يقدمه رجال الثقافة بحيث يتجاوز التناقض بين التغريب والسلفية، فيجمع بين الثقافة العربية الاسلامية وبين الثقافة الاوربية ويقول «فى مصر حلقة مفقودة لا نكاد نشعر بوجودها فى البيئات العلمية مع انها ركن من اقوى الاركان التى ينبغى أن نبنى عليها نهضتنا وهى قيام طائفة من العلماء يجمعون بين الثقافة الدينية العميقة وبين الثقافة الاوروبية العلمية فهؤلاء يعوزنا الكثير منهم ولن ننهض إلا بهم، (الرسالة يناير 1933) ولم يكن د. هيكل بعيدا عن هذا النهج فقد بدأه باصدار ملحق لمجلة السياسة مكتسيا تماما بطابع اسلامى مطالبا بحضارة يمتزج فيها العلم بعميق الايمان فيرتوى منها العقل والنفس معا» (ملحق مجلة السياسية 1932) وفى كتابه «منزل الوحي» يقدم هيكل تفسيرا لذلك كله قائلا «لقد خيل إلى زمنا كما لا يزال يخيل إلى اصحابى أن ننقل من حياة الغرب العقلية كل ما نستطيع نقله، لكننى اصبحت أخالفهم الرأى فى أمر الحياة الروحية وأرى أن ما فى الغرب منها غير صالح لأن ننقله فتاريخنا الروحى غير تاريخ الغرب، وثقافتنا الروحية غير ثقافته ولا مفر اذن من أن نعود إلى تاريخنا الاسلامي» (صفحة 26) وقد تمدد هذا الموقف ليشمل العقاد الذى تفرغ لكتابة العبقريات وطه حسين وعلى ومصطفى عبد الرازق واسماعيل مظهر وغيرهم. وهكذا بدأت رحلة التراجع وهى لجوء ليبراليى الفئة المثقفة إلى حظيرة استخدام الدين كمدخل لنفوذ سياسي، فكان أن فتحوا الباب واسعا امام العناصر المتأسلمة فى اتخاذ الدين ستارا لتأسلمهم ولدعوتهم لقيام «الدولة المتأسلمة» والتبشير بوهم الخلافة. وهكذا أعود إلى قول لرفاعة الطهطاوى «أن للرأى العمومى سلطان قاهر على قلوب الحكام» وهو ما املى على الحكام الليبراليين واشياعهم ما يراه من ارادة، ومن هنا كانت نقطة البدء عندنا أن نسعى بجد وحسم إلى النهوض بالعقل والعلم والمعرفة والمكون الفكرى والمجتمعى لمجتمعنا ككل كى يمكن أن ننهض بتجديد دينى جاد وجديد. لمزيد من مقالات د. رفعت السعيد;