بعد أصغر الانقلابات «عمرا» فى تاريخ تركيا، استثمر الرئيس رجب طيب أردوغان الأحداث فى تعزيز نفوذه فى السلطة، وفى مواصلة حشد أسلحته القمعية فى وجه المعارضة والصحافة والقضاء والجيش بصورة غير مسبوقة، عبر توجيه ضربات موازية لإذلال وإخضاع الجميع لأوامره المقدسة من أجل حماية «عرشه»، دون أدنى التفات إلى أى قواعد ديمقراطية أو مباديء حقوق إنسان أو انتقادات دولية، أو حتى عواقب مستقبلية خطيرة فى الداخل لهذا التوجه. لم يقتصر «عقاب» أردوغان على العسكريين والقضاة ورجال الصحافة والإعلام، وإنما اتسعت «دائرة الانتقام» لتنال من آلاف الموظفين فى قطاع التعليم والجامعات والمخابرات، وصولا إلى هيئة الأوقاف الدينية، ليصل عدد المعتقلين والموقوفين عن العمل فى المؤسسات المختلفة إلى 55 ألف شخص. كما كانت هناك إجراءات غير طبيعية مثل إعلان رئيس الوزراء التركى بن على يلدريم تعليق العطلة السنوية لأكثر من 3 ملايين موظف فى جميع أنحاء البلاد حتى إشعار آخر، ومنع حملة الجوازات الخضراء وهم من موظفى الحكومة، من السفر، ليشمل القرار جميع موظفى الحكومة والمؤسسات شبه الحكومية، بل وينطبق ذلك أيضا على لاعبى كرة القدم الأتراك الذين يحملون الجوازات الخضراء ويلعبون فى الأندية الأوروبية، علما بأن الجواز الأخضر فى تركيا يُمنح للدرجات الأربع العليا فى السلك الحكومي، بالإضافة إلى رجال الأعمال. كما كانت مشاهد إذلال حفنة الجنود والضباط رسالة شديدة اللهجة من النظام لتوعد من يفكر أو مجرد أن يحلم بتكرار السيناريو نفسه فى المستقبل، خاصة مع تكرار التحذيرات من أردوغان نفسه بوجود محاولات انقلابية أخرى متوقعة فى أى لحظة. ورغم إدانات الغرب وأوروبا لأسلوب أردوغان فى التعامل مع الأزمة، فلم تكن ردود الفعل الدولية على مستوى إجراءات أردوغان الانتقامية، فقد وصفت واشنطن حملات التطهير بأنها «مفهومة ومبررة لحماية حكومة منتخبة ديمقراطيا»، واكتفت الخارجية الأمريكية فقط بتنبيه أردوغان إلى «عدم المبالغة» فى ملاحقة واصطياد المتورطين فى التمرد والعصيان، والأمر نفسه ينطبق على رد الفعل الأوروبى الذى لم يخرج حتى الآن عن إطار التحذير والإعراب عن القلق والمطالبة بالتزام القانون، دون اتخاذ أى إجراءات عقابية حقيقية. وبعيدا عن حسابات ومواءمات السياسيين، اتجهت وسائل الإعلام الغربية المتصلة بدوائر صنع القرار نحو تحليل الموقف وبناء توقعات المرحلة الجديدة فى تركيا، حيث وضعت صحيفة «تايمز» البريطانية عنوان افتتاحيتها الأسبوع الماضى فى مرمى القاريء عندما استخدمت تعبير «أفضل من الشيطان» فى وصف الانقلاب الذى كان سيشكل كارثة على البلاد فى حالة نجاحه فى الإطاحة بالإسلاميين من السلطة بعد 13 عاما متصلة، ولكنه يظل علاجا مؤقتا من «نهم» أردوغان نحو الحكم وشغفه المرضى بممارسة نفوذ مستبد طوال الوقت، خصوصا وأن فشل الانقلاب فتح شهية الرئيس نحو طريق «السلطة المطلقة» مجددا. ورأت صحيفة «الجارديان» أنه مما لا شك فيه أن الديكتاتورية العسكرية هى إحدى أسوأ أشكال الحكم المعروفة، غير أن «الديكتاتورية المنتخبة» أيضا ليست أقل سوءا وخطرا منها، محذرة من عواقب تصرفات «العدالة والتنمية» فى الانفراد بالمشهد السياسى وتغذية ذلك بسياسة القمع الأمنى الحديدية. ودخلت الصحف الأمريكية على الخط نفسه من زاوية «الغموض» الذى يكتنف مستقبل تركيا بعد 15 يوليو وما يمكن أن تسفر عنه حملات التطهير من مزيد من الاضطرابات، فلفتت صحيفة «نيويورك تايمز» إلى أن إجهاض الانقلاب بمساعدة قوى سياسية وإرادة شعبية أكثر اتساعا من الإسلاميين يبعث برسالة إلى الرئيس التركى بضرورة الرهان دائما على الشارع ولغة المصالحة والتفاهم مع المعارضة بعيدا عن الاصطدام أو منطق التنكيل مع تراجع أسهم الجيش وانهيار تأثير المؤسسة العسكرية على مجريات الأمور فى الدولة. واستبعدت المحللة الخبيرة فى الشئون التركية بمجموعة الأزمات الدولية نيجار جوسكل أن يعزز أردوغان من سيادة القانون وحرية المعارضة، مشيرة إلى أنه سيستغل ما جرى لإعادة تصميم المؤسسات التركية لحساب مصالحه الخاصة. كما دقت صحيفة «كريستيان ساينس مونيتور» ناقوس الخطر حول رد فعل الجيش المتوقع إزاء «إهانات» أردوغان لجنوده أمام الشعب، مؤكدة أنها لن تمر دون تأثير على الجيش الذى يعتبر نفسه أقوى المؤسسات والحامى الوحيد لدستور الدولة. ومع اتساع دائرة الانتقام التى فتحها أردوغان للسيطرة على مفاصل الدولة بالكامل دون مشاركة مع أحد، تتصاعد المخاوف من استفزاز النظام التركى لكل مؤسسات البلاد، فضلا عن قطاعاتها المختلفة التى تضررت كثيرا من سلسلة الاعتقالات والترهيب، مما ينذر بقنابل موقوتة جديدة تم زرعها فى عدة أماكن حيوية من شأنها أن تهدد الاستقرار الداخلى من ناحية، وتتحول إلى تربة خصبة لنمو خلايا إرهابية تتحدى عنف الرئيس وترغب فى كسر عناده وتسلطه من ناحية أخرى. وبهذا، ستبقى تركيا راقدة فوق فوهة بركان لا يعرف الهدوء أبدا.