في السابع والعشرين من يونيو قبل عامين ، نقلت إحد الصحف التركية التي تدور في فلك حزب العدالة والتنمية الحاكم، والمقربة جدا من زعيمه ومازالت، عن أحدى القادة العسكريين الأتراك ، أنه طالب بتوجيه ضربة عسكرية لبلد عربي فى حال التأكد من تورطها فى عملية ضرب الاقتصاد التركى، وعدم الاكتفاء بالعقوبات الدبلوماسية، ولكن رئيس الوزراء حينذاك رجب طيب أردوغان أستبعد ذلك بالوقت الراهن ، في إشارة فسرها مراقبون آنذاك بأن ما دعا اليه هذا الجنرال يبقي خيارا على الطاولة . بالتزامن ، وفي نبرات أشبه بالنازية ، علت نداءات داخل أروقة الحكم مطالبة بوقفة حاسمة بل ورادعة ، وإستنادا لمعلومات نسبت للمخابرات المحلية لم تجد تلك الأصوات العالية أدني غضاضة في توجيه الإتهامات إلى ذات الدولة بضلوعها في إثارة أزمة الفساد التى هزت تركيا وأزيح الستار عنها يومي 17 و25 ديسمبر عام 2013 وأنها وبالتعاون مع " مأجورين " من أنصار الداعية الإسلامي فتح الله جولين لعبت دورا محوريا فى هذه القضية وفى تمويل تظاهرات " جيزي بارك " الشهيرة نهاية مايو العام نفسه فى محاولة للإطاحة بأردوغان. قد يكون في الأمر مبالغة بعض الشىء، إلا أن مجرد الطرح كان في حد ذاته دلالة ومؤشرا على حالة "الجنون" التي إتسمت بها إدارة البلاد حيال الخارج وقد عكست بدورها الفجوة الهائلة آنذاك بين أنقرة الرسمية وجوارها سواء المتاخم لها في الحدود أو الذي يشاركها في الدين والقيم الثقافية. المعارضة المناوئة لأردوغان رفضت تلك الإدعاءات مشددة على أن الحكومة حاولت، تصوير أزماتها الداخلية على أنها من صنع قوى إقليمية ودولية ، متهمة إياها بوقوفها وراء أعمال الشغب بعدد من مدن البلاد ، بعد الكشف عن تورط الكثير من رجال أردوغان ونجله الأكبر بلال الذي يقيم منذ ذلك التاريخ في إيطاليا في فضائح وروشاوي مالية. الأمر لم يقتصر على الرافضين للعدالة والتنمية ، فهناك أيضا قطاع مهم من رجال الأعمال خصوصا هؤلاء المنتمين لاتحاد "توسياد" الشهير ذى التوجهات الأتاتوركية العلمانية ، أعلنوا إمتعاضهم من إطلاق مزاعم مرسلة لا أساس لها من التوثيق، محذرين من أن الإستمرار في ذلك النهج حتما سيترك أثاره السلبية على اقتصاد تركيا وهو ما حدث بالفعل، ودعوا أيضا صانع القرار إلى وقف التصعيد حرصا على الإستثمارات العربية وكم هي كثيرة فى السوق التركى. غير أن الحكم لم يول أدني أهتمام للغضب المتنامي ومضي في طريقه ، فكان تركيزه على الإنتخابات البرلمانية في السابع من يونيو التي ستصل به لنظام رئاسي بصلاحيات واسعة تتجمع في يده وحده. غير أن الأكراد وفي مفاجأة غير مسبوقة حققوا تقدما لافتا فيها ، وباتوا حجر عثرة أمام طموح اردوغان الذي دفع البلاد دفعا لإقتراع آخر، وبالتوازي فتح جبهة القتال ضد منظمة حزب العمال الكردستاني الإنفصالية على أمل تحقيق نجاحات سريعة تزيد من النعرات القومية الذي صار يغذيها بكل ما أوتي به من قوة. وربما تمكن من كسب تعاطف شرائح البسطاء والمحافظين في قري عمق الأناضول إلا أنه أكتشف خسارته ليس فى محيطه فقط بل مع حلفاء بلاده : الولاياتالمتحدة والاتحاد الأوروبي وهكذا صارت عزلته دولية وإقليمية . ومع إنقلاب القصر وتنحي أحمد داود أوغلو مجبرا عن رئاسة الحزب والوزراء وتصعيد وزير مواصلاته "بن علي يلدريم" ليحل محله ، ولكي يكون الأخير مختلفا عن سلفه ونظريته " العجيبة " صفر مشاكل تسارعت الخطي نحو تعديل التوجهات الدبلوماسية فأثمرت عن إتفاق التطبيع مع إسرائيل ثم التقارب مع روسيا بعد جفاء استمر سبعة شهور. وفي نفس السياق طلب مساعد رئيس جهاز المخابرات الاسبق من الحكومة إعادة النظر وادارة السياسة الداخلية والخارجية إنطلاقا من تعظيم المصالح بعيدا عن أى منطلقات أيديولوجية . وكان الخطاب الأردوغاني الغوغائي قد بدأ في التراجع التدريجي حتى كاد يخفت، وهنا تتواتر المعلومات وجلها تشير إلى أن المرحلة القادمة ستشهد إنفراجات تهدف إلى إزالة العوائق التي تحول دون عودة وتهيئة الأجواء مع شمال أفريقيا ودول الخليج وفي القلب منه مصر والامارات والعراق، لتعود مثلما كانت قبل ما أصطلح على تسميته بثورات الربيع العربي. فتركيا أردوغان يبدو أنها سئمت العزلة. وهناك العديد من المؤشرات التى تشير إلى أن العلاقات مع قطر لم تعد قوية كالسابق (وقيل أن زيارة أمير قطر الأخيرة لم تكن حميمية مثل سابقاتها) خاصة مع الأنباء المتزايدة والتي تتوقع إنفراجة في علاقات تركيا مع جوار لا ينظر بأي نوع من الإرتياح لا لقطر أو لا للإخوان ، ويبدو أن الغيوم التي أكتنفت الأجواء بين أنقرةوالقاهرة تتجه إلى التلاشي كاشفة عن نيات صحوة لرأب الصدع بين العاصمتين ، وما يقال بأن التقارب سيكون على المستوى الوزاري وفقا لما ذكره "بن علي يلدريم" هو في ظن المعارضة ( حزبي الشعب الجمهوري والشعوب الديمقراطية الكردي ونواب من الحركة القومية ) من قبيل حفظ ماء الوجة لحاكم تركيا رجب طيب أردوغان. مراقبون محايدون قالوا ايضا أنه لا مناص من إعادة النظر بشأن إحتضان تركيا جماعة الأخوان المسلمين ورموزها ، خاصة مع أنباء ترددت داخل العدالة عكست تململا وضجرا من إستمرار التواجد الأخواني، الأمر الذي أضر البلاد أكثر بما أفادها إضافة إلى ذلك أنه من الصعب الحديث عن مد جسور مع القاهرة تمهيدا لمصالحة بدون وضع حد لهذا الدعم وهو الأمر الذي انسحب أيضا على نشطاء حركة حماس الفلسطينية بعد تطبيع العلاقات بين أنقرة وتل ابيب وعودتها إلى سابق عهدها.