عيد الشرطة بطولات ماسية.. 74 عاما في خدمة الوطن    الشرطة الداعم لسيدات مصر في حملة ال 16 يومًا لمناهضة العنف ضد المرأة    ارتفاع غير مسبوق في أسعار الذهب.. الأوقية تتجاوز 5500 دولار    10 سفن حربية وطائرات تجسس وحرب إلكترونية، حجم الحشد العسكري الأمريكي لضرب إيران    سي إن إن: ترامب يدرس ضربة واسعة على إيران بعد توقف المحادثات النووية    مديرية أمن السويداء: اجتمعنا مع أصحاب القرار بأمريكا ولا يوجد أي دعم لمشروع انفصالي في سوريا    قرارات "كاف" على أحداث نهائي أمم أفريقيا، إيقاف مدرب السنغال و4 لاعبين بينهم حكيمي وندياى، غرامات مالية ضخمة على اتحادي السنغال والمغرب    مصطفى عسل يتأهل إلى نهائى بطولة الأبطال للاسكواش بأمريكا    مصرع شابين أبناء عمومة صدمتهما سيارة نقل فى كرداسة    لبنان.. إيقاف 4 أتراك أسسوا شبكة منظمة لتهريب المخدرات إلى السعودية    "مصنع السحاب" لحامد عبد الصمد: حين يغدو السرد مشرحة للهوية والمنع وكيلًا للإعلانات    طريقة عمل يخنة العدس الأحمر بالخضار، وجبة دافئة مغذية    كاف يفرض عقوبات قاسية على المغرب والسنغال بعد أحداث نهائى الكان    حركة النجباء تعلن فتح باب التطوع في جميع محافظات العراق    سانا: القوات الإسرائيلية تتوغل في ريف القنيطرة الجنوبي وتعتقل شابا    ارتدوا الكمامات، تحذير عاجل من الأرصاد بشأن العاصفة الترابية اليوم    أمريكا: إعادة سلحفاة بحرية بعد تأهيلها إلى المحيط ومتابعتها عبر الأقمار الاصطناعية    تسلا تسجل أول تراجع سنوي في المبيعات مع انخفاض 3% في إيرادات 2025    لقطات إنسانية من قلب معرض القاهرة للكتاب| أم تقرأ.. وطفل يغني وذاكرة تُصنع    سفير مصر السابق في تل أبيب يكشف: نتنياهو باقٍ وغزة خارج حسابات الإعمار    رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي: آفاق النمو الاقتصادي أقوى من العام الماضي والقرارات النقدية ستبقى مرهونة بالبيانات    ذكرى (جمعة الغضب).. الشارع ومعه الإخوان في مواجهة مبارك وداخليته    تروبين حارس بنفيكا عن هدفه ضد ريال مدريد: طلبوا منى التقدم ولا أعرف السبب    صناعة القارئ عبر بوابة معرض الكتاب    فضل دعاء صلاة الفجر وأهميته في حياة المسلم    دعاء الرزق.. باب الفرج وتوسعة الأرزاق باليقين والعمل    قطر تشارك في الاجتماع السادس للمنتدى العالمي لضريبة القيمة المضافة في باريس    60 دقيقة متوسط تأخيرات القطارات بمحافظات الصعيد.. الخميس 29 يناير    مبابي: لم تكن مفاجأة إذا تقدمنا 5-1 أمام بنفيكا.. والهدف الأخير مُخز لنا    إصابة شخصين إثر اندلع حريق داخل عقار بإحدى قرى المنيا    وفاء مكى: المدعية علي بالاعتداء عليها رشحتها لعمل فنى والمخرج أكد عدم صلاحيتها فقررت الانتقام منى    بتنشر غسيل...سقوط سيدة من عقار سكنى اختل توازنها في منشأة ناصر    وفاة وإصابة 4 شباب في حادث تصادم بالشرقية    حكام مباريات اليوم الخميس في الدوري المصري    محمد بركات: معتمد جمال كسب رهان مباراة بتروجت    تشيلسي لثمن النهائي.. ونابولي يودع دوري الأبطال    حمادة هلال يحصل على إجازة يومين من تصوير «المداح: أسطورة النهاية»    الدكتور مصطفى حجازي يوقع كتابه الجديد «قبض الريح» في معرض الكتاب    الباحثة شيماء سعيد بعد إطلاق كتابها «المهمشون في سينما إبراهيم أصلان»: أتمنى تحويل رواية «وردية ليل» إلى فيلم سينمائي    د.حماد عبدالله يكتب: سمات المدن الجميلة (الحب ) !!    مواجهة محتملة جديدة بين ريال مدريد وبنفيكا.. تعرف على خريطة ملحق أبطال أوروبا    أخبار 24 ساعة.. وزارة التضامن تطلق برنامج عمرة شعبان وبدء التفويج الأحد    وزارة النقل تُفعّل الدفع الإلكتروني بالفيزا في الخط الثالث لمترو الأنفاق والقطار الكهربائي الخفيف لتسهيل شراء التذاكر (تفاصيل)    ندوة مناقشة رواية «ثمرة طه إلياس».. حمدي النورج: التنوّع سمة أصيلة لدى كبار المبدعين    البيئة: مشروع إدارة المخلفات باستثمارات 4.2 مليارات دولار من أكبر المشروعات بتاريخ مصر    كنيسة الأرمن الأرثوذكس بالقاهرة تحتضن اليوم الخامس ل "أسبوع الصلاة من أجل الوحدة"    باير ليفركوزن يضرب فياريال بثلاثية في دوري أبطال أوروبا    هل نكهة الفراولة في اللبن والزبادي خطر على الأطفال؟ استشاري يجيب    مجلس القضاء الأعلى يحتوي أزمة التعيينات.. إجراءات تعيين دفعات جديدة من أعضاء النيابة العامة وزيادة أعداد المقبولين الأبرز    3 منافسين فى السباق والتصويت إلكترونى بالكامل    الأكاديمية الوطنية للتدريب تختتم برنامج تأهيل أعضاء مجلس النواب الجدد    رئيس الوزراء يبحث تعزيز الشراكة المصرية التركية في مجال إنشاء المدن الطبية والمعاهد التعليمية للبحوث والتدريب    حياة كريمة.. الكشف على 727 مواطنا خلال قافلة مجانية بقرية الأبطال بالإسماعيلية    نائب وزير الصحة فى بنى سويف: توحيد الرسائل السكانية نحو ولادة طبيعية آمنة    وزارة الأوقاف تعتمد ضوابط تنظيم الاعتكاف بالمساجد فى شهر رمضان    وزارة الأوقاف تحدد موضوع خطبة الجمعة القادمة بعنوان تضحيات لا تنسى    موعد صلاة العصر اليوم الأربعاء 28يناير 2026 بتوقيت المنيا    طلب إحاطة في النواب لسد الفجوة بين التعليم وسوق العمل والحد من بطالة الخريجين    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



فى لحظة حنين لاستعادة «شبح الامبراطورية»البريطانية
اوروبا مهددة بنهاية التاريخ
نشر في الأهرام اليومي يوم 01 - 07 - 2016

ما أقسي الحنين إلي ماض لم يتبق منه سوي «أشباح» هائمة في المكان تداعب النفوس الحائرة! وجزء مما حدث خلال الدراما الهائلة حول بقاء أو خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي مرده «لحظة حنين» لاستعادة «شبح امبراطورية» غربت ولن تعود؟! والآن قرر المهمشون والخائفون أن تغادر بريطانيا أوروبا إلي الأبد؟!.
وصرخ الكثيرون فرحا ونشوة باستعادة الوطن بل ذهب البعض الآخر إلي حد وصف لحظة الانسحاب من أوروبا بأنها «يوم الاستقلال» لبريطانيا، وفي الطريق إلي هذه اللحظة قتل أحد هؤلاء المهووسين النائبة العمالية جوكوكس المدافعة عن البقاء في الاتحاد الأوروبي، وصرح أثناء التحقيق معه بأن كوكس ورفاقها «خونة» وفي الطريق ذاته غامر ديفيد كاميرون بمستقبله السياسي وبحزب المحافظين وباستقرار بلاده وبالمشروع الأوروبي كله علي أمل أن ينهي «التململ والتمرد ضد أوروبا» داخل حزبه، إلا أن الرجل خسر كل شيء وأصبح «جورباتشوف البريطاني» الذي حاول الإصلاح فانتهي الأمر بالانهيار الكامل للامبراطورية السوفيتية.. والآن باتت «المملكة المتحدة» مهددة جديا بالتفكك! إلا أن الخطر الأكبر بات الآن يتهدد «الاتحاد الأوروبي»، وأصبح خطر «نهاية التاريخ» لفكرة أوروبا الموحدة المنفتحة علي «تعايش الثقافات» و«تعدد الديانات» والمرفأ الآمن للخائفين والباحثين عن «حياة أفضل». واقعا.
..........................................................................
كل ذلك بات في مهب الريح، وازدادت الصيحات حدة تطالب «بمزيد من الجدران» وذلك عوضا عن الانفتاح.. فطوفان الهجرة من الشرق الأوسط لا يحمل معه سوي الجحيم، والآن تعلو أصوات الخوف من الآخرين، والخوف علي الهوية المهددة والخوف علي أسلوب الحياة وضياع الوظائف.. انها لحظة تبدو وكأن أوروبا وبريطانيا وأمريكا تقول وداعا للعولمة.. فتري هل الأمر يستحق أن يثير مخاوفنا نحن أيضا؟!.
لحظة «عدم اليقين»؟!
والإجابة الوحيدة القاطعة في هذه اللحظة هي «عدم اليقين» فلا أحد يدرك علي وجه الدقة أين سوف يتوقف «تسونامي الخروج» فهناك 6 دول أوروبية مهددة بأن تسير علي ذات الطريق لعل أبرزها فرنسا الدولة المؤسسة للبناء الأوروبي، والدولة التي تشارك ألمانيا في قيادة «القاطرة الأوروبية». كما أن المرشح الجمهوري للرئاسة الأمريكية دونالدترامب تحول فجأة من «نكتة شعبوية» إلي «رئيس محتمل بقوة» للولايات المتحدة، وفي الدرب نفسه تحول زعماء اليمين المتطرف، والسياسيون الشعبيون أصحاب نظريات «أمريكا أولا» «وبريطانيا أولا» من هامش اللعبة السياسية إلي رموز «التيار الرئيسي» في اللعبة السياسية في الغرب. إلا أن الانصاف يقتضي التأكيد بأن ذلك كله لم يحدث فجأة، ولكن هذه المخاوف أطلت برأسها منذ أكثر من عقدين من الزمن، إلا أن العالم الغربي كان يزخر «بقامات سياسية» كبيرة، ولكن في المقابل فان هذه الأحزاب اليمينية قامت علي الخوف، وعلي كراهية الأجانب، والنعرات القومية، والحنين إلي الماضي الذي لم تكن «الهوية الوطنية» ولا «أسلوب الحياة» فيه مهددة. وفي الأونة الأخيرة شعر قطاع كبير من السكان بالتهديد من «الهجرة الهائلة» القادمة من الشرق الأوسط، والغريب أن شرق أوروبا هي الأكثر خوفا والنموذج الأبرز المجر، كما أن دول أوروبا المتوسطية انتابتها هي الأخري مخاوف من نوع آخر يتعلق «بالسياسات التقشفية» الصارمة التي فرضتها المفوضية الأوروبية، والنموذج الأبرز هنا هو اليونان! إلا أن المخاوف جميعها تتداخل وتصل إلي «قمة الدراما» عندما يزحف البريطانيون بأعداد كثيفة إلي الشبكة العنكبوتية لكي يتعرفوا أكثر علي حقيقة «الاتحاد الأوروبي» بعد لحظات من الإعلان عن فوز معسكر الخروج من أوروبا! كما أن المشهد لا يكتمل إلا بتوقيع أكثر من 3 ملايين بريطاني علي عريضة تطالب «بإجراء استفتاء آخر» حول بقاء أو خروج بريطانيا. ولا يملك المرء إلا الدهشة الممزوجة بالأسي إزاء عملية خطيرة مثل هذه، وكيف أن «قرارات خطيرة» تحدد بل وتهدد مصير أمة قد أحاطها كل هذا القدر من عدم اليقين، والافتقار إلي المعلومات، والتحرك في اللحظات المتأخرة من البعض لمعرفة ما هو «جوهر القضية» بالضبط.
ولعل أقسي ما قيل عن هذه النقطة بالذات أن «الترفيه» قد اقتحم العملية السياسية، وأن عملية الاستفتاء برمتها قد جري استغلالها «كدراما» تقدم للناس، وبدلا من أن تعالج قضية سياسية جادة وخطيرة من خلال »العقول الباردة» و«الايدي الماهرة» جري دفعها إلي شخصيات مغامرة وأخري تحركها «مشاهر هائجة».. باختصار جري تداول القضية من قبل «الايدي الخطأ»، وأن كاميرون هو «الرجل الأكثر حمقا وخفة» والقي بلاده وأوروبا في طريق مجهول بحثا عن «لحظة يقين» وانهاء التململ بشأن أوروبا! إلا أنه عوضا عن ذلك فتح صندوق باندورا المليء بكل أنواع الشرور.. ولعل أبرزها «حالة» عدم اليقين بشأن «الخطوة القادمة» للقارة العجوز؟!
«البحث عن عدو»؟!
وأحسب أن ذلك كله لا يشرح حقيقة المشهد ولا كيف وصلنا إلي هنا، بل أن «الأفكار القاتلة» التي تشكل عالمنا المعاصر تساعدنا علي الفهم مثلما الكاتبة الأمريكية آن أبلباوم في صحيفة واشنطن بوست. وتقول آن في مقالها «إنه النزعة البغيضة» المتطرفة التي تنتشر عبر الإنترنت وعلي موجات الاثير، والخطاب القومي الخبيث (تقصد الشعبوي الخبيث).
يقول للناخبين انهم عما قريب سوف يغرقون أو ينكسرون، وانه يتعين عليهم القتال والنضال من أجل استعادة بلادهم من «العدو غير المسمي»، وتخلص آن أبلباوم إلي تلك هى الأفكار التي تشكل العالم الذي نعيش فيه اليوم. وأجل تلك هي نفس الأفكار التي سوف تلهم الرجال المجانين والقتلة في عصرنا الحاضر كذلك. وتشير آن إلي تومي مائير قاتل النائبة البريطانية جوكوكس التي كانت تعمل من أجل بقاء بريطانيا داخل الاتحاد الأوروبي، صرخ هذا القاتل المتطرف أثناء طعنه كوكس قائلا «بريطانيا أولا»!
وأحسب أن الشعوب كثيرا وغالبا وأبدا تبحث عن معارك لكي تنتصر فيها، بل وقيل أن كل رئيس أمريكي لابد له من حرب لكي ينتصر فيها، وتسجل في تاريخه، كما أن البعض يقول ان الأمم لابد لها من «عدو» يعمل علي أن تتوحد لمجابهته، فإذا لم يكن هناك «عدو حقيقي» فلابد من اختراعه. وهنا يذهب بعض المحللين إلي أن السياسيين في الغرب قد دأبوا علي «خلق حالة من الخوف»، بل واثارة المخاوف العميقة من أجل الوصول إلي الحكم.. وأن أشخاصا مخبولين ولا يستحقون الوصول إلي مقاعد الحكم قد وصلوا عبر الأفكار القاتلة هذه، مثل جورج بوش الابن المعروف بأنه الأغبي فيما خسر أخوه جيب بوش الأكثر ذكاءا وخبرة وحاكم فلوريدا الأسبق لصالح شخصية مخبولة أخري هي دونالد ترامب! ويبدو علي الأرجح أن ظهور شخصيات مثيرة للجدل ولا تتمتع بالحكمة ولا الحنكة وتحمل أفكارا مسمومة لم يعد حكرا علي الشرق. بل بات الغرب والشرق في «الهم سواء»؟!
العريان ودروسه السبعة!
ويرصد الاقتصادي العالمي محمد العريان 7 دروس مهمة من جراء ما حدث وخروج بريطانيا المفاجيء من الاتحاد الأوروبي، وقال ان خروج بريطانيا يندرج تحت قائمة الاشياء غير المتوقعة التي باتت واقعا. وتشمل الدروس السبعة مثلما يراها العريان كالتالي:
أولا: تفككات اجتماعية وسياسية في كل مكان، ويشير إلي أن قرار الخروج ينبغي النظر إليه علي أنه رفض ملحوظ للنخبة السياسية والاقتصادية وكذلك اراء الخبراء.
ثانيا: الحملات المريرة والانقسامية هي الوضع الطبيعي الجديد في السياسات القومية.
ويري أن هذه الحملات الطاحنة غذتها الانقسامات الأوسع في الدولة، ومن ثم جاء قرار الاستفتاء دون تقدير حقيقي للعواقب.
ثالثا: الافتراضات التاريخية لم تعد تنطبق علي الأحزاب الراسخة.
ويشير هنا إلي ابتعاد الحزب الجمهوري الأمريكي عن التجارة الحرة.. أما في بريطانيا فقد انقسم المحافظون والأحزاب الرئيسية حول فوائد أكبر منطقة تجارية حرة في العالم (منطقة اليورو).
رابعا: الأحزاب الهامشية والمناهضة للقيادة يمكنها تغيير السياسة حتي وان لم يكن لهم فرصة في كسب السلطة.
ويشير هنا إلي أن كاميرون اضطر إلي إتخاذ قرار الاستفتاء لمواجهة خطر قفز بعض مؤيدي حزبه إلي أحضان حزب الاستقلال. (والأخير حزب هامشي)
خامسا: سياسات الأحزاب الهامشية تغذي نفسها بنفسها عبر الحدود.
ويشير هنا إلي أن سياسات الغضب في المملكة المتحدة قد تعززت بعد ظهور دونالد ترامب علي الجانب الآخر من الاطلنطي.
سادسا: لم تعد الأسواق المالية، و«حكمة الأكثرية» التي تقودها أفضل في التنبؤ بالنتائج السياسية من معظم الناس.
سابعا: تمت إضافة «خروج بريطانيا» إلي قائمة الاشياء التي لم تكن تخطر علي البال، ولكنها أصبحت واقعا.
وأحسب أن هذه الدراما البريطانية يتعين الا تمر أمام أعيننا دون أن نلقي لها بالا، والا نتوقف عند دروس العريان السبعة، ولعل أخطرها هو حالة الانقسام وماذا تفعل بالمجتمعات المستقرة والمزدهرة، وكيف أن حالة عدم اليقين فقط قد أحدثت اضطرابات مالية وكيف يتوقع الخبراء هبوطا في النمو البريطاني وتراجعا في الاستثمارات وكيف هبط الاسترليني؟! ومن هنا فإن «الوحدة وعدم التشرذم» بالنسبة للمجتمعات العربية باتت مطلوبة وبشدة، كما أن شكاوي وتذمر بعض الفئات والاقليات لابد من سرعة معالجتها قبل أن تتفاقم.
ولعل أخطر ما يمكن الخروج به من هذه اللحظة التاريخية هو أن «الفجوة التي تزداد اتساعا» بين الذين يملكون والذين لا يملكون تهدد بشدة استقرار الدول. وأخيرا لابد من الحذر وبشدة من المهمشين والذين لم يستفيدوا من «ثمار العولمة» والنظم الاقتصادية المبالغة في تقشفها، والأخطر المبالغة في «عدم الفهم» و«عدم الاكتراث» لضحايا القواعد الاقتصادية الجديدة، وتري أنهم كسالي، بدلا من أن تري أنهم ضحايا تغيير قواعد اللعبة أو لم يتم تأهيلهم «بأدوات ومهارات» اللعبة الجديدة!
الطلاق لن يكون وديا؟!
والآن وبعدما حدث ما حدث فان رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر يري أن الطلاق ما بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي لن يكون وديا، وأضاف: «لا أفهم لماذا تحتاج الحكومة البريطانية للانتظار حتي أكتوبر لكي تقرر ما إذا كانت سوف ترسل طلب الخروج إلي بروكسل. أرغب أن أري ذلك يحدث الآن».
وأغلب الظن أن الطلاق لن يكون أمرا سهلا، وسيحاول الأوروبيون الحفاظ علي مشروعهم من الانهيار، وإذا لم يعاقبوا بريطانيا فعلي الأرجح أنهم لن يكونوا متساهلين معها في أن تفوز «بمزايا» تجعل من عملية الخروج من أوروبا أمرا سهلا. ووفقا لمعاهدة لشبونة (2009) فان آلية الانسحاب من الاتحاد الأوروبي وفقا للمادة 50 فانها تحدد آلية الانسحاب الطوعي ومن طرف واحد، وهو حق لا يتطلب أي تبرير. إلا أن بريطانيا عليها أن تتفاوض بشأن «اتفاق الانسحاب» والذى يقره مجلس الاتحاد الأوروبي (الذي يضم الدول الأعضاء ال28)، وذلك بغالبية مؤهلة بعد موافقة البرلمان الأوروبي، ولن تعود تنطبق المعاهدات الأوروبية علي بريطانيا اعتبارا من تاريخ دخول «اتفاق الانسحاب» حيز التنفيذ، أو بعد سنتين من الابلاغ بالانسحاب .. في حال لم يتم التوصل إلي أي اتفاق. وتبدو عدة خيارات محتملة أمام بريطانيا وأوروبا، فهناك الخيار الأسهل، ويقضي بانضمام بريطانيا إلي ايسلندا والنرويج كعضو في «القضاء الاقتصادي الأوروبي» مما سوف يمنحها منفذا إلي السوق الداخلية، لكن سيتحتم علي بريطانيا في هذه الحالة احترام قواعد هذه السوق الملزمة، كما سيترتب عليها تسديد مساهمة مالية كبيرة.
أما السيناريو السويسري فهو بديل عن ذلك السيناريو السابق، وقد اضطرت سويسرا إلي ابرام مائة اتفاق مع الاتحاد الأوروبي في قطاعات محددة، تستثني منها الخدمات. ويري جان كلودبيريس القاضي السابق في مجلس الاتحاد الأوروبي أن أوروبا غير راضية عن علاقتها مع سويسرا.
وفي المقابل هناك خيارات أخري أبرزها.. ابرام اتفاق تبادل حر مع الاتحاد الأوروبي، أو وحدة جمركية مثل تركيا، وإذا لم يتم ابرام اتفاق فان بريطانيا سوف تصبح دولة أخري خارج الاتحاد الأوروبي مثل الولايات المتحدة والصين.
ويبقي أن الأزمة الحالية تثبت صحة نبوءة الجنرال ديجول الذي عارض بشدة انضمام بريطانيا إلي الاتحاد الأوروبي، ورفض بقوة دخول لندن حيث رأي أنها «حصان طروادة» الذي سيهدم البناء الأوروبي. والآن وبعد 4 عقود من دخول بريطانيا إلي أوروبا الموحدة ها هي نبوءة الرجل تقترب من التحقق، فقد قررت لندن الخروج وها هي تعرض البناء والحلم الأوروبي للانهيار بصورة كاملة. واليوم هناك مخاوف جدية بارتفاع المطالب بإجراء استفتاء في هولندا وإيطاليا والسويد والدنمارك وفرنسا بشأن البقاء أو الانسحاب من الاتحاد الأوروبي.
ولعل الدرس الثاني هو ضرورة الانتباه إلي اننا ربما أمام «انتكاسة خطيرة» للعولمة أو نهاية التاريخ» بصورة معاكسة لنبئة فوكوياما الخاصة بهيمنة الليبرالية والعولمة علي الساحة العالمية، والغريب أن تأتي الضربة من داخل أقوي دولة مدافعة عن حرية الأسواق وحرية التجارة العالمية والعولمة ليس فقط بريطانيا بل أمريكا فها نحن نشهد تمردا وتذمرا وشكوي هائلة ومخاوف عميقة من عواقب العولمة التي لم يشعر المواطن العادي بفوائدها، بل تراجع مستواه المعيشي، وهجرت المصانع والوظائف إلي بلدان أخري كالصين والدول الفقيرة، وفي المقابل يري هؤلاء المواطنون العاديون في الغرب تراجع مستواهم المعيشي بسبب انخفاض الأجور من جراء الهجرة الأوروبية، وفي تقرير للبي. بي. سي لخص مواطن الأمر بالاشارة إلي مخبز بريطاني أغلق أبوابه بعدما ادارته عائلة علي مدي 3 أجيال، لصالح «مخبز بولندي» في ذات الشارع!
وأحسب أن المسألة برمتها تعكس «أزمة مجتمعات» فقدت أحساسها بالأمان، وجري قصفها يوميا «بالمخاوف من الآخرين»، وحاصرتها سياسات تقشف، وأزمة اقتصادية عالمية، وحرائق وحروب وإرهاب في الشرق الأوسط، يلقي بطوفان من المهاجرين، وإذا لم يتحرك العقلاء والحكماء لمواجهة دعاة الخوف والتطرف فإن بريطانيا لن تكون سوي الدولة الأولي في طابور طويل يقيم «الجدران العازلة» ويختار العزلة، ويعطي ظهره للآخرين لأنهم هم «الجحيم»؟!


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.