بعد أن مارسوها فى الغرف المظلمة انتشرت (عينى عينك) بجرأة بل بمساندة الاعلام وفى غفلة من الرقابة .. إنها أعمال الدجل والشعوذة والرقية الشرعية وقراءة الطالع وغيرها من أعمال بيع الوهم يقوم بها مجموعة من العاطلين الذين أطلقوا على أنفسهم مشايخ وخبراء وعلماء روحانيين من أجل التربح من أموال البسطاء لمصلحة القنوات الفضائية التى لا تخلو إحداها من نصف ساعة على الأقل تتضم إعلانات الدجل لجذب الضحايا بهدف حل مشكلاتهم التى تتضمن مثلا جلب الحبيب فى خمس دقائق ورد المطلقة وتزويج العانس وخلع الزوج وعلاج الأمراض المستعصية وحل المشكلات الجنسية وفك السحر والأعمال والكشف عن الممسوس والملبوس واستخراج الجان ........................................................... كل هذه الإعلانات التى فاضت بها شاشات القنوات التليفزيونية وراحت تستعرض قدرات هؤلاء المدعين على أداء هذه الاعمال الخارقة واعلنت عينى عينك عن تليفوناتهم لتلقى الاستفسارات وحجز المواعيد للزيارة ودفع فيزيتا الكشف لحل مشاكل الحياة التى ارتبطت جميعا بالجن والحسد والسحر ، وانتشرت تلك المراكز وأصبحت تتنافس فيما بينها للتكسب والتربح من جهل الناس التى تقع فى شرك هذه المراكز ، والسؤال هنا .. كيف تطور الأمر للانتشار بهذه الجرأة فى العمل علنا بمثل هذه الأمور ؟ بعد أن كان مجرد التبليغ عن أحد الدجالين أمرا جليلا تتناقله الصحف والبرامج الإخبارية بهدف تخويف الباقين والحد من ممارسة الدجل وتجنيب الناس النصب والخداع ، أين الرقابة الإعلامية ، كيف غفلت أعين الشرطة عن هذه المراكز وهؤلاء الاشخاص؟ هل حصلت فجأة على تراخيص ، هل أصبحت هذه الأعمال وظائف معترفا بها ؟ وبالتالى أفرزت الوظيفة ألقابها من شيخ عالم جليل ، خبير العلوم الروحانية ، العالم الفقيه ، استشارى فك الاعمال الحاصل على شهادة الجمعية الروحانية من فرنسا الى غير ذلك من اللافتات والألقاب الدعائية التى تجذب أصحاب المشاكل المعقدة لتتعلق بحبال الغيب وتسلم رقبتها وأموالها التى غالبا ما تقترضها فى سبيل الحصول على عيشة هنية وتحقيق رغبتها فى جلسة واحدة أو جلستين وربما يطول الامر الى سنوات حسب طبيعة المشكلة واستعداد صاحبها لدفع تكاليف الفيزيتا والعلاج ، ومص دمائه إلى آخر قطرة. وقد أثبتت بعض دراسات المركز القومى للبحوث أن المصريين من طبقات مختلفة يصرفون نحو 10 مليارات جنيه سنويا على هذه الأعمال ، حيث تخطى الامر الطبقة الفقيرة التى نلتمس لها عذر الجهل ووقع فى شرك هؤلاء طبقات راقية ومثقفة ومتفتحة ألقت بطوق النجاة فى بحر والوهم وراحت تنفق أموالها املا فى حل مشكلاتها أو تحصينا من حسد وحقد المنافسين خوفا على كنوزها أو طمعا فى المزيد ، وتعددت الأغراض والمصب واحد وهو اللجوء الى من أطلقوا على أنفسهم علماء ومشايخ ممن يوهمون الناس بأنهم يملكون القوى الخارقة وأنهم يملكون خداما من الجن والملائكة تصنع لهم المعجزات. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل تطور إلى تخصيص برامج بعينها لهذه الخوارق وترهيب الناس وجذبهم الى الوقوع فى احضان تلك المراكز والشيوخ الوهميين وتنوعت البرامج حتى اصبحت حديث الساعة وموردا خطيرا للاعلانات للقنوات الفضائيات ، حتى حول الاعلام تلك الظاهرة الى طوق نجاة وهمى لكل من لديه مشكلة نفسية او جسدية او مالية، وعجزت العقول عن التفكير فى ايجاد حلول واقعية لمشكلاتها او حتى مجرد التفكير بها وتنصلت من مسئولياتها وقذفت بها فى أحضان المشايخ الوهميين ممن يتاجرون باسم الدين ، والمدان هنا هو الإعلام الذى شجع هذه الظاهرة للتداول والانتشار وساهم فى تطورها والعمل بها علنا وكأنها عمل مشروع مرخص بالإضافة الى تنوع الخدمات فى هذه الاعمال لضمان تطويق الحالة من خلال تخصيص أرقام ساخنة للاتصال بهدف الرقية الشرعية أو الفضفضة أو قراءة الطالع والفيزيتا كارت شحن وهذه أضعف التكلفة لتصبح ممارسة الدجل فى متناول يد الجميع ، وبمعنى آخر تساعد فى حل المشاكل( دليفرى ) فتستحوذ هذه الأعمال على أكبر قدر من الزبائن ضحايا الجهل والسؤال هنا أليس لدور العبادة دور فى تنوير الناس من هذا الجهل ؟ أجاب الدكتور أحمد حماد أحد علماء الأزهر الشريف أن دور العبادة يقع على عاتقها مهمة التنوير ورد الناس إلى صحيح دينهم ولكن لابد من مساندة الرقابة الإعلامية لأنه من المؤسف أن القنوات الدينية نفسها تروج لهؤلاء وتمنحهم بذلك تصريحا شرعيا فيحصل الضحية على مصداقية للجوء الى الدجل باطمئنان، مضيفا ان الكثيرين من علماء الدين خرجوا على منابرهم وخصصوا خطبهم لتوعية الناس بهذا الشأن وكان على رأسهم الشيخ عبدالرحمن السديس إمام المسجد الحرام وعضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى في إحدى خطب الجمعة محذرا بوضوح من أن العقول البشرية تعرضت لعمليات اغتيال وتعتيم وابتعاد عن صحيح الدين للوقوع فى غياهب الوهم والخرافة،والتى أسهمت بشكل سلبى فى التأثير على القوى العقلية والفكرية للانسان وأشار جاد إلى أن رابطة العالم الإسلامي قد طالبت،منظمة المؤتمر الإسلامي وجامعة الدول العربية بضرورة منع بث برامج واعلانات قنوات السحر والشعوذة لإسهامها فى نشر الجهل والانحراف عن الدين الاسلامى والايمان بالمدعين المتاجرين باسم الدين، كما صرحوا بأن الاتصال بالمشعوذين سواء بالتليفون او الانترنت والتليفزيون أو الذهاب اليهم محرم ، ولابد من تحصين المجتمعات الاسلامية وحمايتها من خطر هذه البرامج والاعلانات وطالب حماد المسئولين بالرقابة على وسائل الإعلام لمنع تضليل الناس وانتهاك حقوقهم واستنزاف أموالهم ،كما لابد من فرض غرامة مالية أو سحب ترخيص القناة لمخالفة شروط التعاقد . ومن الناحية القانونية يقول الدكتور فرج الفرا الخبير القانونى فى مركز الدراسات السياسية والقانونية أن قانون مواجهة ظاهرة الدجل والشعوذة تم إصداره عام 1960 لم يتم تغييره أو تجرى عليه أي تعديلات منذ ذلك الحين ، لذلك يجب تعديله ليواكب مدى تطور جريمة الدجل والشعوذة وانتشارها مقارنة بالستينيات، كما أن هناك قانونا رقم 127 لسنة 1955 يمنع مزاولة مهنة الصيدلية مثلا دون ترخيص ومن يخالف ذلك يعاقب بالحبس والغرامة واغلاق مؤسسته وقد انتحل هؤلاء الدجالون مهن التداوى والمعالجة وباعوا منتجاتهم وخلطاتهم من الاعشاب والنباتات علنا لعلاج جميع الأمراض, كما أشار إلى أن القانون يعتبر ممارسة أعمال الدجل والشعوذة جنحة عقوبتها الغرامة والحبس ثلاث سنوات،واذا ما ارتبطت بجريمة النصب تزيد مدة العقوبة الى مايقرب من سبع سنوات ،لذلك يجب العمل بالقانون للحد من هذه الظاهرة التى تمثل خطرا على المجتمع ككل .