تعلقت أعيننا وقلوبنا باليوم الذي ننتخب فيه جميعا رئيسا لمصر, تشكك البعض, ورفض البعض الأخر, إلا أن جموع المصريين كان يملؤها الثقة في المستقبل انطلاقا من أن إرادة الله التي حمت مصر علي مر العصور, وحمت ثورتها, سوف تبارك عبورها هذا التحدي لإتمام النموذج الديمقراطي المصري. فالانتخابات الرئاسية هي أبرز التطورات السياسية في مصر ما بعد الثورة, وهي تطور مفصلي يعلق عليه ملايين المصريين الآمال لحسم كثير من القضايا الجدلية التي انهكت المواطن المصري, ولوضع مصر علي بداية تغيير حقيقي يأمله كل المصريين خاصة فيما يتعلق بأوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية التي تزداد تدهورا وتأزما في ظل استقطابات سياسية تشيع عدم الاستقرار وتقلل من فرص التنمية, ومطالب فئوية واعتصامات تتصاعد من أجل حد أدني للأجور والرواتب يكفل الحياة الكريمة التي تليق بحضارة وأصالة الشعب المصري. وتسارعت وتلاحقت الأزمات السياسية وكانت غير متوقعة بل صادمة في كثير من الأحيان. وتصاعدت التساؤلات وازداد الشعور بالغموض والقلق لدي قطاع واسع من المصريين بشأن مستقبل مصر في ضوء المشكلات الحياتية اليومية, والأزمات التي تمس قوتهم وأسرهم. ولقد مثلت الانتخابات الرئاسية عنق الزجاجة الذي إذا تم تجاوزه يتم الانطلاق إلي آفاق رحبة من الديمقراطية والتنمية. وكان المصريون علي وعي بذلك, وهو الأمر الذي يفسر هذا الإقبال علي التصويت الذي فاق كل التوقعات والتقديرات, وفاق نظيره في انتخابات مجلس الشعب الذي أعتبر علامة فارقة في التاريخ المصري الحديث منذ بدء عملية الانتخاب في العشرينيات من القرن الماضي. وأيا ما كانت نتيجة الانتخابات, فإن الأهم هو ما حملته العملية الانتخابية من معان ومؤشرات. ويأتي في مقدمتها تحضر الشعب المصري, ورغبته وإصراره علي المشاركة في صنع مستقبل مصر, بآليات ديمقراطية متحضرة تعبر عن إرادته الحرة, ووسطيته وسماحته, وأن صندوق الانتخابات هو الطريق الوحيد للوصول إلي السلطة. فمحاولات البعض للقفز علي السلطة أمر مرفوض ولا يمكن السماح به من جانب جموع المصريين الذين تحملوا مشقة الوقوف بالملايين في صفوف ممتدة, ولساعات طويلة لتأكيد حقهم في الاختيار. ونجحت الانتخابات الرئاسية أيضا في اجتذاب مشاركة شرائح أوسع ربما لم تشارك في الانتخابات البرلمانية, واستشعرت بأهمية مشاركتها في اختيار رئيس مصر. الأمر الذي يعني أن المواطن المصري مازال يعتقد أن منصب رئيس الجمهورية هو الأهم, ومازال يؤمن بالقائد الفرد ودوره في تنظيم الحياة السياسية والاقتصادية, وقيادة المجتمع والدولة نحو التنمية والرفاهة. الأمر الذي يجعل من الصعب تصور إلغاء سلطات هذا الرئيس في فترة ما بعد الانتخابات, ومع وضع الدستور الجديد. ولا يعني هذا بالطبع عودة الرئيس الفرعون, فهذه الحقبة ذهبت إلي غير رجعة. فالرئيس القادم فرد من الشعب وخادم له, ولن يقبل المصريين أو يسمحوا بغير ذلك. ولاشك أن وقوف المرشحين للرئاسة وسط المواطنين في انتظار دورهم للتصويت يعني تأكيدا لها التوجه, الذي بدأ في واقع الأمر مع الانتخابات البرلمانية, نحو تأسيس نظام مصري جديد يمثل انقطاعا مع الماضي بكل سلبياته, وفي مقدمتها تأليه الحاكم وتهميش المواطن, وتسخير قدرات الوطن لخدمة الرئيس وأسرته دون الفئات الأكثر احتياجا بين المواطنين. إن المصريين لن يقبلوا إلا نظاما يقوم علي الديمقراطية والعدالة الاجتماعية, نظاما يسعي بجدية ودأب إلي رفاهية المواطنين وأمن وتقدم الوطن, وتكون فيه الرئاسة رسالة وواجبا وطنيا وليس وسيلة للثراء والمنفعة الشخصية. وكما كان للانتخابات الرئاسية دلالاتها الوطنية, فإن لها دلالاتها الإقليمية أيضا. فما قدمته مصر من إدارة حرة ونزيهة لانتخابات تنافسية علي قمة السلطة سيكون له تداعياته الإقليمية ليس فقط علي الدول التي شهدت حراكا ثوريا, ولكن وربما الأهم تلك التي لم تشهد بعد فورانا ثوريا. فقد كانت مصر دوما النموذج والقدوة التي تحتذي بها الدول العربية والصديقة في أفريقيا وآسيا. إن العالم بأسره يترقب ما يحدث في مصر, وما بدأته مصر سوف يتجاوز حدود الوطن لنشهد تداعياته في العديد من الدول التي ترتبط بمصر تاريخيا وحضاريا وثقافيا. وكما كانت ثورة 1952 بداية تغييرات واسعة في مصر ومحيطها الإقليمي, فإن تداعيات ثورة 25 يناير ستتجاوز الحدود المصرية, الأمر الذي يهييء مصر لاستعادة دورها كفاعل إقليمي رئيسي ودولة قائد تعيد التوازن والاستقرار للمنطقة العربية وجوارها الجغرافي. وأخيرا, فإن البعض الذي شكك في إجراء الانتخابات الرئاسية وحاول إثارة اللغط والفتنة بين المصريين, مدين بالاعتذار الواجب للمؤسسة العسكرية والقضاء المصري, الذين كانوا سيظلون ضمير مصر النابض وحماتها من أعداء الداخل والخارج, ولهم كل التحية والتقدير لما أنجزوه وتحملوه في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ مصر. المزيد من مقالات د.نورهان الشيخ