لا مفر من سرعة العمل على إعادة بناء مؤسسات الدولة الليبية حتى تستعيد تلك الدولة وجودها القوى وسيطرتها على كامل الأراضى الليبية، بعيدا عن المجموعات الارهابية والمتطرفة التى تحاول استغلال سقوط الدولة فى السيطرة على أجزاء من المناطق الليبية، والانطلاق منها لتهديد أمن الدول المجاورة والمنطقة بكاملها. وفى هذا السياق تكتسب الاجتماعات التشاورية التى تستضيفها سلطنة عمان منذ أيام للهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور الليبى بالتنسيق مع الأممالمتحدة أهمية كبيرة، حيث يسعى المجتمعون للتوافق على ما تم إنجازه من مواد الدستور. وقد حاول يوسف بن علوى بن عبد الله الوزير المسئول عن الشئون الخارجية فى السلطنة إعطاء دفعة معنوية لهذه الاجتماعات، عندما نقل للأعضاء فى الجلسة الافتتاحية،تحيات السلطان قابوس بن سعيد سلطان عُمان وتمنياته لهم بالنجاح والتوفيق وتحقيق الأهداف المرجوة. وأكد أهمية هذا اللقاء من أجل التلاحم والتضامن والمودة والتسامح، مشيرا الى ضرورة فتح أبواب الأعذار بين الأطراف الليبية وفتح باب الخير، مبينا أن الأمم لا تبنى بالنزاعات وانما بالتسامح ،وإن الوطن يتسع للجميع رغم الاختلافات، مشيراً الى أهمية اللقاء التشاورى لكتابة التاريخ واعطاء كل ذى حق حقه دون التدخل من قريب أو بعيد ،وهو مفترق طرق بعيدا عن الفتن والنزاعات. وكانت اشارة مهمة من الدكتور الجيلانى عبد السلام رئيس الهيئة الى أن الأشقاء العمانيين قاموا بتهيئة جميع الأجواء التى تسهل الأمر وتعمل على نجاح الحوار والتفاوض. موضحا أنهم يتشاورون ويتحاورون بالاستعانة بالخبراء الأمميين خاصة فى النقاط الخلافية والابتعاد عن أى تأثيرات خارجية للتوصل الى مصلحة ليبيا وشعبها وما يوصلها الى استقرار حقيقى وتوافق بين الجميع وتذليل كل الصعاب العالقة للتوصل الى دستور يجمع عليه جميع أبناء الشعب الليبى وهو ما سوف يوجد خريطة طريق لمستقبل أفضل فى ليبيا. والحقيقة أن هذا الجهد العمانى ينطلق من تأكيد السلطان قابوس بن سعيد فى اجتماع لمجلس الوزراء، الذى ترأسه فى نهاية شهر يناير الماضى ، على تعاون السلطنة مع جميع الجهود الرامية لحل القضايا التى تشهدها المنطقة بالحوار ، من اجل إحلال السلام والأمن والاستقرار لمصلحة كل شعوبها. وهو استمرار للدبلوماسية العمانية الهادئة التى نجحت عبر السنوات الماضية فى لعب دور الوساطة لحل مشكلات كثيرة اقليميا ودوليا، دون ضجة اعلامية وبصمت حكيم، حيث لعبت دورا بارزا فى التوفيق بين الخصمين اللدودين الولاياتالمتحدة وايران، كما تلعب دورا مهما مع كل الأطراف فى سوريا واليمن, فقبل أشهر قليلة كان يوسف بن علوى أول مسئول خليجى يزور العاصمة السورية دمشق ويلتقى الرئيس السورى بشار الأسد، مؤكدا حرص السلطنة على وحدة سوريا واستقرارها، والاستمرار فى بذل كل مسعى ممكن للمساعدة فى إيجاد حل ينهى الأزمة. ورغم حيادها المعلن فى الأزمة اليمنية تعمل عُمان من أجل تقريب وجهات نظر أطراف الصراع بصمتٍ ومن دون ضجيج، ورغم عضويتها فى مجلس التعاون الخليجى، بات واضحاً تمايز السلطنة عن باقى الدول الأعضاء لأسباب عدة، ما جعل مبادرات مسقط تتصدّر المشهد الاقليمى فى الوقت الحالى لاحياء العملية السياسية فى الأزمات المختلفة. وبمكن فهم خصائص الدبلوماسية العمانية من خلال كتاب «عمان والثقافة والدبلوماسية» لمؤلفيه جيرمى جونز ونيكولاس ريداوت الذى يحددها فى الميل للتركيز على العوامل الجيوسياسية الدائمة والابتعاد عن النزاعات الأيديولوجية والطائفية وتفضيل التوافق فى الممارسات الاجتماعية والسياسية وتأكيد التسامح. وتشير أدبيات الخارجية العمانية دائما الى موقع السلطنة الاستراتيجى الذى كان له الأثر الكبير فى ربط السلطنة بكثير من الدول التى تطل على المحيط الهندى وعلى الخليج العربى وعلى بحر العرب، الى جانب الخبرة التاريخية الطويلة التى ساعدت فى إقامة علاقات متينة مبنية على أساس حسن الجوار وعدم التدخل فى الشئون الداخلية وتحقيق المصالح المشتركة بين الدول على امتداد الخريطة العالمية.وكذلك مناصرة مبادئ العدل فى العلاقات الدولية، والعمل بكل جدية من أجل تحقيق السلم والأمن الدوليين الذى تنشده البشرية جمعاء، والواقعية فى فهم الأحداث والعلاقات الدولية حيث تقوم سياسة السلطنة على عدم الانفعال والمبالغة لتقدير الأمور، أو فى النظرة الى المشكلات التى تقع فى الساحة العربية أو الدولية، وانما التقدير المبنى على أساس الواقع وعلى الاتزان والحكمة وبعد النظر والتحسب لعواقب الأمور، وعلى حسن التصرف واللباقة فى اتخاذ المواقف السياسية والثبات على هذه المواقف عن اقتناع كامل ووعى رشيد وليست مبنية على حقائق ردود الأفعال . كلمات: الوحدة الحقيقية القائمة بين العرب هى وحدة الألم والدموع محمد الماغوط شاعر ومسرحى سورى لمزيد من مقالات فتحي محمود