الإخراج: محمد عرفان- هيثم ماهر من وسط المئات من العمال داخل عنبر الغزل في مصنع النسيج, خرج المبدع الكبير والمخرج الرائع صلاح أبو سيف إلي عالم السينما.. فمن وراء الماكينات- التي كانت في زمن مضي- تغزل أفخر وأشهر أنواع القطن المصري, إلي وراء كاميرات السينما, توجه أبو سيف.. هرجان القاهرة السينمائي في دورته ال37 التي تعقد في الفترة من11 نوفمبر المقبل وحتي20 من الشهر ذاته, يحتفل بمرور100 عام علي ميلاد أستاذ الواقعية في السينما المصرية( ولد في مايو1915 في حي بولاق أبو العلا). أبو سيف الذي عرف قسوة الأب منذ ميلاده, وعاني من تجاهل والده له رغم ثرائه, حيث كان يرفض الإنفاق عليه, لم تتركه والدته تفيدة للحظة, وتولت كل تفاصيل حياته مع شقيقها, كان حي بولاق في تلك الفترة يموج بالمقاومة الشعبية والاضطرابات والعنف بين المصريين والاستعمار البريطاني. وبولاق هو نفس الحي الذي اندلعت منه ثورة1919, وكان خاله من بين المناضلين الذين اعتقلتهم السلطات البريطانية. ومن الطبيعي أن يكون لكل هذا الزخم تأثيرا كبيرا ومباشرا في نشأة صلاح أبو سيف وتشربه بالروح الوطنية ضد الاستعمار, وبالتالي كان له أكبر الأثر علي بناء شخصيته أيضا وتكوين فكره السياسي فيما بعد. لذلك ومنذ لحظات تشكل وعي أبوسيف الأولي عرف معني الظلم والقهر, وكان يجتهد ليتحمل سريعا مسئولية نفسه, ومنذ طفولته تعلم أبو سيف ذلك الفتي الهادئ الطباع المستكين أن يراقب ويلاحظ كل التفاصيل من حوله حتي ملامح البشر ووجوه بعينها في حارته الفقيرة, كان يعشق المشي كثيرا_ حسبما قال ابنه المخرج محمد أبو سيف_ ولكنه كان يمشي ليسجل في ذاكرته نماذج إنسانية كثيرة ظهرت في أفلامه وحكي عن بعضها وتحاكي بالأخري.. أبو سيف الذي أنهي تعليمه ليعمل موظفا بشركة الغزل والنسيج, أدرك في هذه اللحظة أن بداخله شيئا أكبر يتعلق بصناعة نسيج إبداعي من نوع آخر, بالطبع أخذ من النسيج رقته ودقة تفاصيله, وضرورة اكتمال الشكل, لنصبح أمام لوحة كاملة من المعاني الإنسانية الخالصة, لذلك وفي أول فرصة جاءته انتقل إلي شركة مصر للسينما. البدايات والقراءة فتحت له باب الفن كان مخرجنا الكبير يعشق القراءة وكان يقرأ كل ما تقع عليه عينيه لذلك كانت بداياته في السينما من خلال كتاب صغير وقع في يده وعمره عشر سنوات, يتحدث عن المخرج في السينما. ويقول أبو سيف في حوارات صحفية له, إن السينما في تلك الفترة كانت بالنسبة له ممثلين فقط هكذا كان يتصور, ولكن بعد قرءاته لهذا الكتاب قرر أن يكون مخرجا سينمائيا, وأثناء عمله بشركة النسيج بالمحلة, اشتغل أيضا بالصحافة الفنية, وفي فترة شبابه وفي عزلته عن الوسط الفني والسينمائي هناك, انكب علي دراسة فروع السينما المختلفة والعلوم المتعلقة بها, مثل الموسيقي وعلم النفس والمنطق, علاوة علي معايشته للظروف المتردية التي يعاني منها عمال المحلة. وهناك في المحلة, التقي بالمخرج نيازي مصطفي, والذي ساعده في الانتقال إلي استوديو مصر, وكان ذلك عام1936, ومن ثم أصبح رئيسا لقسم المونتاج بالاستوديو لمدة10 سنوات واستمر أبو سيف في استوديو مصر كمونتير ومساعد مخرج. إلي أن قام بتجربته الأولي في الإخراج السينمائي الروائي, وذلك بعد محاولات مضنية ومريرة.. وكان هذا الفيلم هو( دايما في قلبي1936). وهناك صادف وفيقة أبوجبل_ أول امرأة تعمل مونتيرة في مصر_ وكانت رئيسته في العمل وقرر أن يتزوجها.. ومن بعدها عرف معني الاستقرار, وبدأ رحلته مع السينما والابداع.. وهو ما جعله واحدا من أهم المخرجين ليس في مصر فقط بل ذاع صيته وشهرته في الأوساط السينمائية العالمية.. نظرا لتميز عالمه السينمائي حيث كان أبوسيف من أوائل المخرجين المصريين الذين خرجوا بالكاميرا من الاستوديو إلي الشوارع والحارات, نال صلاح أبو سيف شهرة عالمية, إضافة إلي شهرته في العالم العربي, بل إنه من أبرز المخرجين العرب شهرة في العالم, فقد اشترك بأفلامه في الكثير من المهرجانات السينمائية الدولية, مثل مهرجان كان ومهرجان برلين ومهرجان موسكو ومهرجان كارلو فيفاري ومهرجان فينيسيا ومهرجان فيفاي, كما حصل علي جوائز وشهادات تقديرية, وعرضت معظم أفلامه في الكثير من أسابيع الفيلم المصري والعربي في العالم, إضافة إلي الجوائز المحلية الكثيرة التي حصلت عليها أفلامه لذلك يقول الناقد والمؤرخ الفرنسي العالمي جورج سادول عن أفلامه: أنها قد خلقت في مصر تيارا لا تقل فعاليته عن تيار الواقعية الجديدة الذي نشأ في إيطاليا, وأدي إلي خلق موجات جديدة في فرنسا وإنجلترا وأمريكا)..... وفي مكان آخر يقول سادول:( إن أبو سيف يعد واحدا من أفضل عشرة مخرجين في العالم), أما جمعية النقاد الفرنسية, فقالت عنه:(... إنه مخرج عالمي متميز...). وأيضا كتبت الباحثة السينمائية الألمانية أريكا ريشتر عنه(... يعتبر صلاح أبو سيف بحق أستاذ الفيلم الواقعي في مصر, وتمثل أفلامه العمود الفقري للفيلم الواقعي العربي, وتحدد بظهوره اتجاها حساسا في تطور السينما العربية...). وفي بداية عام1939, وقبل سفره إلي فرنسا لدراسة السينما, عمل صلاح أبو سيف كمساعد أول للمخرج كمال سليم في فيلم العزيمة, والذي يعتبر الفيلم الواقعي الأول في السينما المصرية. وفي أواخر عام1939, عاد أبو سيف من فرنسا بسبب الحرب العالمية الثانية. أبو سيف يعيد تشكيل السينما المصرية بعد عودته من فرنساوإيطاليا بدأ أبو سيف مرحلة جديده في مشواره السينمائي حيث أطلق عددا من أفلامه السينمائية المهمة والتي كانت بداية لتشكيل تيارا مغايرا في السينما المصرية علي مستوي الكتابة والصياغة الفنية وتوظيف الرموز, حيث بذل محاولات عدة لاقناع المنتجين بسيناريو فيلم( لك يوم يا ظالم 1951), لا أنهم رفضوا مما اضطر أبو سيف إلي إنتاج هذا السيناريو بنفسه حيث نجح ولاقي إقبالا جماهيريا ونقديا كبيرا. وبعدها توالت أعماله مثل الأسطي حسن 1952, ريا وسكينة 1953, الوحش 1954, شباب امرأة 1957, الفتوة .1957. ومع فيلم الاسطي حسن أخذ أبوسيف يروي شخوصه وما اختزنه من تفاصيل وحكاوي عن عالمين مختلفين عالم بولاق أبو العلا الذي تربي فيه وحي الزمالك المجاور والذي لا يفصلهما سوي نهر النيل,ليرصد الكثير من مظاهر التفاوت الطبقي والقهر المجتمعي وبعد ثورة يوليو52, برزت موهبة صلاح أبو سيف بوضوح, قبل الثورة في حالة وصف للمجتمع( الأسطي حسن). فقد اتخذ من الإنسان الفقير والمسحوق بطلا لأفلامه, بعد أن كان بطل غالبية الأفلام السابقة من الباشوات. وبفيلم( الفتوة) ينهي صلاح أبو سيف مرحلة مهمة تعتبر من أكثر مراحل حياته ابداعا حيث قدم في الفترة من1957 إلي16,1968 فيلما, تنوعت بين الواقعية والوطنية والعاطفية والغنائية, وتفاوتت في جودتها من فيلم إلي آخر. ففي أفلام( الطريق المسدود هذا هو الحب أنا حرة), عالج موضوعا مهما بالنسبة لتلك الفترة من حياة مصر السياسية والاجتماعية, مع بروز وتطور العلاقات الاجتماعية, وهو موضوع تحرر المرأة وحق الاختيار في الحب والزواج. أما أبرز أفلامه السياسية والواقعية في هذه الفترة, فكانت بين السماء والأرض, بداية ونهاية, القاهرة30, الزوجة الثانية, القضية.68 أبوسيف ليس مجرد مخرج مصري قدم تجارب متنوعة بل واحدا من أهم مخرجي السينما في العالم الذين اسهموا في تطوير السينما المصرية والعربية لذلك سنجد أكثر من فيلم له ضمن أهم100 فيلم في السينما العربية وهو أيضا من المخرجين القلائل الذين انحازوا للطبقة المتوسطة والفقراء وأكثر من عمل علي الروايات الادبية في السينما المصرية ونهل منها كما ان اسمه ارتبط بالكاتب الكبير نجيب محفوظ واللذين كانا يتفقان فكريا.. حيث صاغ له محفوظ عددا كبيرا من سيناريوهات أعماله قبل أن يخرج أبو سيف روايات لمحفوظ.. وهو أيضا من من أهم المخرجين الذين قدموا نماذج متباينة للمرأة في اعماله.. ويستحق العديد من الدراسات وليس مجرد كتابات عابرة لانه لم يكن مخرجا عابرا.. بل أسهم في تشكيل وجدان أجيال.