فى العاشر من أكتوبر عام 1891... فى فصل الخريف المصرى عين أحمد كمال فى مصلحة الآثار المصرية خبر لا يبدواستثنائياً، فهذا قرار توظيف عادى. ولكن دعونا نتوقف قليلا، فهذا الرجل الذى تم تعيينه آنذاك قارب الأربعين من عمره، فأحمد كمال- كما تشير وثائق الدفترخانة أو دار المحفوظات العمومية - من مواليد 17 يونيو عام 1852، وهو ما يعنى أن زمنا يفصل بين يوم تعيينه ، وبين انتهائه من دراسته الأولية بمدرسة المبتديان بالعباسية، ثم مدرسة اللسان المصرى القديم التى درس بها لسان وفكر القدماء وتعرف على التاريخ الحقيقى للمحروسة مصر. يمكن ان ننهى حكايته عند هذا الحد، فكم من بشر انتهت قصتهم عند تخوم وبدايات علم أو فن، و لكنها فيما يبدو قصة نضال تستحق أن تروى بكل عقباتها ومفاجآتها. كانت هناك عقبات حالت بينه فى البداية وبين تعيينه فى مصلحة الآثار المصرية، فقبل على مضض ما جادت به وزارة المعارف من قبول لأوراق تعيينه كمدرس لغات ، وهو أمر تكرر عندما رشحته وزارة المالية كمترجم للغة الفرنسية. الا أن هذا القبول كان مشروطا بزمن، ومثل هذه الوظائف وإن بدت لغيره حلما عزيزا، فهى بالنسبة له تعد ارتطاما قاسيا بالواقع. لا يليق بنا أن نتعجب وأن نتسرع فى الحكم عليه، فحتى فى زمن أحمد كمال كان الالتحاق بوظيفة ميرى ميزة كبرى للأفنديات، ولكننا أمام رجل لا يعرف الاستسلام، حتى جاءت الفرصة أخيرا مع قبول التحاقه بوظيفة كاتب بالأنتكخانة أو المتحف المصرى, وهى وظيفة متواضعة، ولكنه معهاوضع قدمه على طريق انتهى بأن أصبح أول أثرى ولغوى مصرى يكسر الدائرة المغلقة التى وضعها الأجانب فى عنق مصلحة الآثار المصرية. وبسعيه ودأبه الشديد وصل إلى أن يكون أمينا مساعدا بالمتحف المصرى, بعدها بسنوات استطاع خلالها أن يثبت وجوده ويستمر حتى أحيل إلى المعاش فى أول يناير عام 1916. هنا أيضاً يمكن أن ننهى هذه القصة، ولكن انتظروا, فما قام به هذا الرجل يفوق تصوراتنا القاصرة، ولم يقف عند حدود إصدار كتب مهمة مثل «الفوائد البهية فى قواعد اللغة الهيروغليفية»، و «ترويح النفس فى مدينة الشمس» و «الدر النفيس فى مدينة منفيس» و «اللآلئ الدرية فى النباتات والأشجار القديمة المصرية» و«معجم اللغة المصرية القديمة» الذى استغرق منه عشرين عاما كاملة وأثبت خلاله العلاقة الوطيدة بين اللغة العربية واللغة المصرية القديمة، ولم ينشر فى حياته، إضافة إلى عضويته بالمجمع العلمى المصرى وتدريسه بمدرسة المعلمين العليا الخديوية حيث تخرج على يديه عام 1912 أول دفعة من الأثريين المصريين, وتضم تلامذته سليم حسن ومحمود حمزة وسامى جبرة الذين تمكنوا من السفر فى بعثة إلى فرنسا. فما استطاعه أحمد كمال باشا ببساطة هو كسر احتكار مارسه من اعتبروا أنفسهم أوصياء على تاريخ مصر، فمنذ أعلن شامبليون عام 1822 فك رموز اللغة المصرية القديمة بعد قراءته لحجر رشيد, الذى عثرت عليه الحملة الفرنسية عام 1799 فى بر مصر، والغرب يحتكر قصة الحضارة المصرية. فماذا كان يمكن أن يحدث لو لم يتقدم أحمد كمال للمهمة التى قام بما يشابهها مانيتون السمنودى الذى جمع تاريخ الأسر الفرعونية الحاكمة؟. فلولا دأب مانيتون لما بقى دليل لنا من سيرة الأجداد سوى ما كتبه مؤرخ مثل هيردوت الذى زار مصر فى منتصف القرن الخامس قبل الميلاد، وكتب وعلق على ما رأى من وجهة نظره السياسية والحضارية، وأضاف ما أضاف لمصلحة بنى جنسه . تبدو الصورة متكررة مع ما كتب ديودور الصقلى وبلوتارخ وسترابو وبللينى، حتى عادت الحضارة المصرية - كما يقول العالم الكبير د.عبد الحليم نور الدين - إلى الضوء مع المقريزى وغيره ممن اجتهدوا فى ظل غيبة المعرفة باللغة المصرية القديمة. ولم يكن المقريزى وحده، فهناك ذو النون المصرى الصوفى السوهاجى الذى قيل انه كان يعرف لغة القدماء. يكفى أن نقرأ سيرة العالم الأثرى الشهير ماسبيرو لنتعرف أكثر على ما قدمه أحمد كمال، فماسبيرو تلقى تعليمه على يدى عالم الآثار الشهير مارييت الذى أوكلت له مصر مهمة إنشاء المتحف المصرى - دار الآثار القديمة وقد جاء إلى مصر عام 1880 ليتولى بسهولة منصب مدير مصلحة الآثار و أمانة دار الآثار القديمة وهو فى الرابعة والثلاثين، كان الطريق معبدا بعد وفاة مارييت الذى ترك له الأمر، فأضاف إنشاء المعهد الفرنسى للآثار الشرقية. خبيئة الأقصر: عمل ماسبيرو مع أحمد كمال ،فكما يشير تلميذه العالم الكبير سليم حسن فى «موسوعة مصر القديمة» أن أكبر إنجاز كان فى كشف خبيئة الأقصر فى صيف عام 1871 عندما عثر أحد لصوص قرية شيخ عبد القرنة على مقبرة ممتلئة بالتوابيت الخشبية، رسم على كل منها صورة الصل الملكى على الجبهة وهى مميزات خاصة بالملوك. ولم يكن لدى اللصوص منفذ للوصول إلى حجر الدفن إلا من بئر فى السقف، وكان لابد من نصب بكرة فوق فوهة البئر. وكان هذا العمل مدعاة لكشف السر. وفد اقتحم اللصوص هذه الخبيئة ثلاث مرات فى عشر سنوات كانوا يبيعون فى كل شتاء بعض التحف, حتى ظهرت تماثيل خشبية مغطاة بطلاء أزرق فى سوق تجارة الآثار بباريس، ثم ظهرت برديات, وأصبح البحث عن مصدر هذه الآثار فى طيبة أهم أغراض ماسبيرو حتى وصل إلى حقيقة مهمة وهى أن بائعى الآثار الملكية هم أسرة عبد الرسول و مصطفى أغا عياد الذى كان يعمل قنصلا لإنجلترا وبلجيكا وروسيا بالأقصر. وبعد أن وقع اللصوص وجد أكثر من ثلاثين تابوتا وتماثيل صغيرة و قطع المرمر، ووصل وكيل المديرية وأحمد أفندى كمال إلى مدخل المقبرة التى تضم عظماء مصر، ومنعت يقظتهم عصابة العبابدة من مهاجمة عمال الآثار وتسلم مع إميل بركش الأشياء التى تخرج من بطن البئر. كانت مهمة صعبة, فلابد من العبور بها إلى الأقصر وكان يلزم حمل كل تابوت على أقل تقدير اثنا عشر أو ستة عشر رجلا مدة سبع أو ثمانى ساعات لنقلها من الجبل حتى السفينة وسط الأتربة المتصاعدة والحرارة. كان تقرير نوفمبر عام 1881, المدعم بعشرين صورة شمسية لأهم النفائس التى عثر عليها، هو ما حفز مجلس الوزراء للقيام بتوسعة المتحف المصرى الذى كان وقتذاك فى بولاق. لم يكن أحمد كمال مجرد صورة باهتة فى خلفية مشهد عظيم, مثل الذى تابعناه فى فيلم «المومياء» للعبقرى شادى عبد السلام، فهو من اجتهد فى نقل آثار المتحف المصرى مرتين, أولهما من بولاق إلى متحف الجيزة، ثم بعدها بعشر سنوات من متحف الجيزة إلى المتحف المصرى الحالى عام 1900. نهاية القصة: يمكن الآن حقاً أن ننهى القصة, ولكن قبلها لنقرأ معا ما وصل إليه عالمنا الجليل، ففى كتابه «بغية الطالبين» يتحدث فى الباب الأول عن بدء الخليقة و تاريخ مصر، ثم ينتقل للحديث عن علم الفلك المصرى مستشهداً بقول ديودور من أنه لا يوجد بلد أعتنت برصد الكواكب كمصر، والدليل المؤيد وضعهم الأهرام على الاتجاهات الأربعة بدون انحراف . ويتحدث بالتفصيل عن أسماء فصول السنة المصرية الثلاثة: وهى فصل التحضير وفصل الحصيد وفصل فيضان النيل. وفى الفصل الثالث يتحدث عن الديانة المصرية، ثم اعتقاد قدماء المصريين فى الروح وما يصيبها فى الآخرة، حتى ينتقل إلى الادوية المصرية ومنها الأدوية التى فى اعتقادهم- وضعها رع لنفسه من الخس وحب العرعر والكزبرة والأرز. وفى كتاب «ترويح النفس فى مدينة الشمس» المطبوع عام 1896 يتحدث عن حفائر عين شمس و أول من أجراها هو ميريت باشا، وما رأه أحمد كمال فى مدافن أبو صير فى مغارات تحت الأرض. وفى كتابه الممتع «اللآلئ الدرية فى النبات والأشجار القديمة المصرية» يتحدث عن مصر المباركة حيث كان القدماء يعتقدون أن الروح تعود إلى جسدها بأمر المعبود فى أصول شجر الجميز، كما تحدث تفصيلا عن البردى الذى ينبت فى المياه الراكدة للوجه البحرى واللوتس فى الوجه القبلى، والقمح والشعير والقلقاس والثوم والبصل والكمون الأبيض والأسود والخردل والحلبة والسمسم والترمس والعدس وأنواع الخروع والاثيل والأقحوان وغيرها، ليحصل أحمد كمال على النيشان المجيدى ويمنح رتبة البكوية ويتوفى عن خمس وسبعين عاما وهو يحمل لقب باشا. وفى النهاية نتساءل كيف كانت ستكون حياته لو لم يقبل هذه المخاطرة.. مخاطرة أن تتعلم وأن يكون لك حلم وهدف. فهو صاحب حلم كلفه سنوات عمره ليكتب أسمه فى سجل مجتهدى مصر المحروسة.. فهل كان الأفضل له أن يتجاوز كل العقبات.. أم أن ينتظر مفاجآت كثير منها لم يكن ليحدث لو لم يجتهد ويتعب؟!