الأنبا يواقيم يترأس قداس خميس العهد بدير الأنبا متاؤس الفاخوري في إسنا    وزيرة التنمية المحلية تهنئ البابا تواضروس الثاني بعيد القيامة المجيد    ورشة تدريبية للشباب حول كتابة السيرة الذاتية ضمن مبادرة "أنا متعلم"    أسعار الذهب في السعودية (آخر تحديث)    رئيس الحكومة: السوق مستقر تماما ولا أزمات في السلع الاستراتيجية    روسيا: نندد بالهجوم الإسرائيلي على لبنان وهذه التصرفات العدوانية تهدد بعرقلة عملية التفاوض    رئيس الوزراء: نأمل التوصل إلى اتفاق نهائي لوقف الحرب.. والوضع لم يحسم بعد    نجوم باريس وبايرن يهيمنون على التشكيل المثالي لذهاب ربع نهائي أبطال أوروبا    الوطنى الفلسطينى: مصادقة الاحتلال على إقامة 34 مستوطنة انتهاك للقانون الدولى    ميرتس: لا توجد خطط لتقييد استخدام القوات الأمريكية لقواعدها في ألمانيا    مبابي يتصدر ترتيب هدافي الدوري الإسباني قبل الجولة 31    فوز طنطا والسكة الحديد، نتائج مباريات اليوم في دوري المحترفين    طاقم حكام سعودي في مونديال 2026    جوهر نبيل يبحث تعزيز سبل التعاون الرياضي مع الإمارات    الأمن يكشف تفاصيل فيديو تعدي طفل على فتاة بالمنيا وإجبارها بشراء حلوى    إحالة أوراق سائق توك توك للمفتي في قضية خطف طفل والاعتداء عليه بالإسكندرية    «تموين البحيرة» يضبط 38 ألف لتر وقود و293 أسطوانة غاز قبل بيعها بالسوق السوداء    محمد محيي رئيسًا لقطاع الأمانة العامة بماسبيرو    «لا يستحق كل هذا الوجع».. درة تعبر عن تضامنها مع الشعب اللبناني    توقيع اتفاقية تعاون بين EVER Pharma والجمعية المصرية للأمراض العصبية لتطبيق بروتوكولات علاج السكتة الدماغية    تدفق شحنات المساعدات عبر معبر كرم أبو سالم لدعم الفلسطينيين    وزيرة الإسكان تبحث مع شركة «أكوا باور» التعاون بإنشاء وتشغيل محطات تحلية مياه البحر    تسلا تحتل المركز الثالث بسوق السيارات الكهربائية الألماني في الربع الأول    تحرك حكومي جديد لدعم التوظيف، تشكيل لجنة دائمة لتنفيذ الاستراتيجية الوطنية للتشغيل    إنذار بحري في إسبانيا.. رصد غواصة روسية قرب المياه يرفع حالة الاستنفار    خبر في الجول - بقيادة أمين عمر.. طاقم حكام مصري بالكامل في كأس العالم 2026    إحالة إدارة مدرستين بالمنيا للتحقيق    الطقس غدا.. استمرار ارتفاع الحرارة وشبورة صباحا والعظمى بالقاهرة 27 درجة    سعيد خطيبي ل «البوابة نيوز»: أنا مدين للأدب المصري بالدرجة الأولى وجائزة «البوكر» احتفاء بجيل يبحث عن الجمال والصدق    نشوب حريق محدود فى 3 عربات بقطار قصب بقنا    الصحة توقع بروتوكول تعاون مع وزارة الأوقاف لتعزيز التوعية الصحية عبر منابر المساجد    رئيس جهاز حماية المستهلك يستعرض جُهود الجهاز في ضبط الأسواق    مدبولي: توجيهات رئاسية بالتوسع في الاعتماد على الطاقة الشمسية    قانون الإدارة المحلية يثير الجدل.. ماذا قال الخبراء؟    رئيس قطاع فلسطين بالجامعة العربية: تحقيق السلام في المنطقة يأتي عبر إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأرض الفلسطينية والعربية    مهرجان أسوان لأفلام المرأة يعلن لجنة تحكيم الفيلم الطويل بدورته العاشرة    البيت الفني للمسرح يطلق برنامجا متنوعا لعروضه بشم النسيم وعيد القيامة.. الملك لير الأبرز    طلب إحاطة بشأن التوسع في إنشاء جامعات مصرية داخل أفريقيا    3 مصريات في نصف نهائي بطولة الجونة الدولية للإسكواش    الصحة تستعد لإطلاق تطبيق ذكي لتعزيز الوعي المجتمعي    ب380 جنيه.. محافظ أسوان يطلق مبادرة لتخفيض أسعار اللحوم    رئيس جامعة بنها يفتتح فعاليات المؤتمر العلمي الثالث لكلية التجارة    موعد وقفة عرفات وعيد الأضحى 2026 فى مصر فلكيًا    ضبط 3 شركات لإلحاق العمالة بالخارج دون ترخيص في الإسكندرية    إنزاجي: سداسية الخلود خطوة مهمة.. وتركيزنا يتجه نحو التحدي الآسيوي    وزارة التضامن: التنسيق مع الأزهر والأوقاف ودار الإفتاء لتقديم خدمة الوعظ للحجاج    "الرفاعي" لجمال الغيطاني.. االضمير الحي للحرب    وزير الصحة يبحث تعزيز التعاون الطبى مع مستشفى «أدولف دى روتشيلد» بفرنسا    الجريدة الرسمية تنشر موافقة الرئيس السيسي على اتفاق تمويلي بين مصر والاتحاد الأوروبي    رئيس جامعة بنها يستعرض جهود منظومة الشكاوى الحكومية    4 صدامات نارية تشعل الجولة الثالثة في مجموعة البقاء بدوري نايل    انطلاق تصفيات مسابقة «الأزهرى الصغير» بمنطقة سوهاج الأزهرية    الصحة تكثف جهودها مع منظمة الصحة العالمية لصياغة الاستراتيجية الوطنية للحروق وتطوير 53 مركزا    أنام عن صلاة الفجر.. فهل يصح تأديتها بعد شروق الشمس؟ وهل على إثم؟ الأزهر يجيب    غدا.. «ربيع الخيوط» ورشة فنية ببيت العيني احتفاءً بأجواء الربيع    بمشاركة حسين فهمي.. أسطورة "ألف ليلة وليلة" برؤية صينية - مصرية    هل تدخل مكافأة نهاية الخدمة في الميراث؟ أمين الفتوى يجيب (فيديو)    «ومن أظلم ممن ذُكّر بآيات ربه فأعرض عنها».. تفسير يهز القلوب من خالد الجندي    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مدينة «منف» عبق التاريخ وعبقرية المكان
نشر في الأهرام اليومي يوم 19 - 06 - 2015

هذه مجموعة من الحقائق العلمية التي نود أن نستعرضها في عبارات موجزة محددة ، لعلها تحظي بشيء من التدقيق أو إمعان النظر عند
كل راغب في التعرف علي المكانة التاريخية والأهمية الجغرافية للموقع الفريد والعتيق الذي تشغله القاهرة الكبري الحالية .
مدينة «منف» المصرية القديمة (تقع في رحابها منطقة «ميت رهينة» الحالية البدرشين محافظة الجيزة) هي أول عاصمة لأول حكومة مركزية في تاريخ العالم القديم .
كانت البداية الأولي لمدينة «الأسوار البيضاء» (أول أسماء «منف») مع الملك الخالد الذي وحد الأرضين (الصعيد والدلتا) وأسس الأسرة المصرية (الفرعونية) الأولي في عام 3050 ق.م ، والذي هو «حورس - عحا» ، الذي اشتهر لدي أجيال المصريين القدماء باسم «مني» (تسمية تعني لديهم : المؤسس الراعي الخالد) ، ويعرفه المصريون اليوم ، وإلي آخر الزمان ، باسم الملك «مينا» .
ونسمع أن هذا الملك «Menes» (= «مينا») كان قد سعي جاهدًا لجعل تلك البقعة الفريدة من الأرض المصرية عاصمة لمملكته المتحدة ، وذلك بأن أمر بإقامة مجموعة من السدود والجسور عند طرفها الجنوبي لكي يستغل أكبر مساحة من الأرض هناك كان فيضان النيل يغرقها من قبل (Herodotus II , 4 , 99) .
ويعتز الناس في مدينة «منف» بالملك ( «مني» ) الذي أسسها وأقام الوحدة الخالدة للأرض المصرية ، إلي درجة أنهم خصصوا بعض الهياكل والمقاصير في مدينتهم لكي تخلد ذكراه ، بل وترفعه إلي مرتبة القداسة أحيانا . استمر هذا الأمر حتي العصر البطلمي ، وقبل دخول الرومان إلي مصر(MÄS 17 , 15 ff. ) .
وتقليدًا ، فإن المصريين ، منذ بداية الدولة الحديثة (1550ق.م) علي أقل تقدير ، كانوا يربطون نشأة عبادة الرب «بتاح» وتأسيس معبده في «منف» بملكهم الموحد خالد الذكر «مني» ، الأمر الذي ظل معروفا ولأجيال طويلة ، بل وأشار به الكهنة لهيرودوت في القرن الخامس ق.م (Herodotus II , 99) .
والطريف أن هيرودوت كان هو الوحيد ، بين كل مؤرخي وكتاب العصور الكلاسيكية ، الذي ذكر اسم هذا الملك الموحد بطريقة تكاد تتطابق مع النطق المصري القديم : «مين» .
ولدينا من الإشارات ما يؤكد استمرار الطقوس والشعائر في معبد «بتاح» سيد أرباب مدينة «منف» ، إلي القرن الثالث الميلادي .
كان موقع مدينة الشمس (Heliopolis عين شمس - المطرية) هو الآخر من القدم والعراقة والأهمية الدينية ، بل والارتباط والتكامل مع موقع عاصمة مصر «منف» ، الأمر الذي حدا بالمصريين القدماء أن يطلقوا علي هذا القطاع علي الضفة الشرقية للنيل ، والواقع في مواجهة «منف» (يضم حاليا مناطق : المطرية عرب الحصن أرض النعام الزيتون القاهرة المعادي طرة المعصرة حلوان) ذلك الاسم المعبر : (= «مدينة الأسوار البيضاء الشرقية» بمعني آخر «منف الشرقية») . هكذا نجد أنهم أيقنوا جيدا أن موقع «منف» الكبري يكون علي ضفتي النيل . وكان العالم الألماني الكبير K. Sethe قد أشار إلي هذه الحقيقة وأكد عليها منذ زمن طويل (SPAW , Berlin (1933) , 872) .
وتبقي «منف» عاصمة للديار المصرية طيلة أسرات الدولة القديمة التي انتهت في 2145 ق.م.
ويعود إليها المجد عندما عاد مقر الحكم ليكون في رحابها (في منطقة اللشت) في الدولة الوسطي منذ بداية الأسرة الثانية عشرة (1976 ق.م) .
وبعد طرد الهكسوس ، ومع بدء مرحلة التوسع والانفتاح الحضاري المصري شمالا وجنوبا في الدولة الحديثة (اعتبارًا من 1550 ق.م) ، تصير «منف» هي أول مدينة لها صفة العالمية (cosmopolitan) في تاريخ البشرية ، وذلك لوجود أحياء كاملة في رحابها تقطنها جاليات من الأجانب (سوريون فينيقيون حيثيون ...إلخ) . وكان أن سُمح لهؤلاء ، تمشيا مع روح السماحة والتسامح التي بها اشتهرت مصر وأهلها في كل عصورهم ، أن يتعبدوا لأرباب البلاد التي منها قدموا (بعل رشف عشتار عنات قادش حورون ...إلخ) .
وكانت «منف» آنذاك (في الدولة الحديثة) هي مقر إقامة الأمير ولي العهد ، فيها يتلقي علومه التربوية وتدريباته العسكرية . وبالصدفة ، فإننا نعرف أن الأمير «أمنحتب» (الفرعون أمنحتب الثاني فيما بعد) كان من مواليد مدينة «منف» ، ذلك أن والده ، الفاتح العظيم والسياسي البارع الملك «تحتمس الثالث» ، كان كثير الإقامة بها ، نظرا لخروجه لقرابة 17 مرة في حملات علي رأس جيشه إلي بلاد الشام وأعالي الفرات .
وتصير «منف» خلال عهود المجد في الدولة الحديثة هي مقر قيادة الجيش (= وزارة الدفاع) ، وبها أكبر الحاميات والمراكز العسكرية في الدولة المصرية ، بل وعلي أرضها خرجت للوجود أكبر ترسانة لتصنيع السلاح عرفها العالم القديم آنذاك .
ومن الغريب أن ملك الوحدانية «إخناتون» ، الذي كان قد هجر مدينة طيبة (الأقصر الحالية) واستقر به المقام في عاصمته الجديدة «آخت - آتون» (تل العمارنة محافظة المنيا) ، لم يغفل هو الآخر أن يقيم لربه الواحد «آتون» (قرص الشمس الذي ينشر نوره علي الكون) معبدًا في أعرق المدن المصرية «منف» (SAK 2 (1975) , 139 ff.) .
والمعروف أن الملك الصغير «توت عنخ آمون» كان يفضل الإقامة في «منف» : (JEA 25 (1939) ,12) .
وكان الأمير الأشهر «خع إم- واس» (أحد أبناء الملك العظيم «رمسيس الثاني» وكبير كهنة «بتاح» في «منف») مولعا بحب آثار أجداده والحفاظ عليها ، وذلك إلي درجة أنه قام بأعمال ترميم في كثير من أماكن الجبانة المنفية (معبد الشمس في «أبو غراب» مجموعة الملك «ساحورع» في «أبوصير» مجموعة الملك «أوسركاف» وهرم الملك «أوناس» ومصطبة الفرعون في «سقارة» مجموعة أخري من الأهرام كان منها هرما «زوسر» بسقارة وهرم «خوفو» بالجيزة) . ونسمعه يتحدث عن نفسه وعن أعماله هذه في بعض المواقع ، ونراه يختم حديثه وبكلمات مؤثرة يقول :
«.... لقد أحب كثيرًا أن يُخلد (يحافظ علي) آثار ملوك مصر العليا والسفلي ، وذلك من أجل خاطر صنيعهم (عطائهم لمصر) ، خصوصا تلك التي كانت قد بدأت تتهاوي» .
وتصير مدينة «منف» اسما ومكانا - بالنسبة للمصريين في كل عصورهم القديمة هي الرمز وهي التجسيد لوحدة أرض بلادهم ، حتي إن أصدق تعبير يدل علي ذلك هو قولهم عن مدينتهم الأثيرة : «ذلك الموضع الذي عنده يتم توحيد الأرضين (الصعيد والدلتا)» .
واسم «منف» يرجع إلي اسم المجموعة الهرمية للملك «ببي الأول» (الأسرة السادسة) ، تلك التي كان يطلق عليها : Mn-nfr-Ppi (بمعني : «دائم بهاء (الملك) ببي») ، ثم حدث اختصار لهذه التسمية لتصبح : «من - نفر» وتصير هكذا أشهر الأسماء التي أشارت إلي أم المدائن في الكتابات المصرية القديمة ، بل وفي العصور البابلية والآشورية ، ثم نطقها الإغريق هكذا : Memphis ، وأخيرا وردت في النصوص القبطية Mq ، وهو الاسم الذي بقي في اللغة العربية حتي اليوم .
إلا أن أقدم الأسماء التي أطلقت علي عاصمتنا العتيقة كانت تلك التسمية التي تصفها بأنها مدينة «الأسوار البيضاء» . بعدها واعتباراً من الدولة القديمة تجيء تسمية أخري معبرة عن أهمية ذلك الموقع العبقري لتوازن وتوسط موضعه بين الدلتا والصعيد ، وتلك هي : «ميزان (= رباط) الأرضين» .
والجدير بالذكر أن اسم «حياة الأرضين» كان أيضًا من الأسماء ذات المعني والدلالة علي دور ومكانة مدينة «منف» ، بل ونعرف أنه كان الاسم المفضل والسائد في نصوص العصور اليونانية الرومانية (JEA 54 (1968) , 146) .
واعتبارا من الدولة الحديثة ، فإن تسمية أخري للمدينة بدأت تتردد كثيرا وتشير صراحة إلي أشهر معالم «منف» ، ألا وهو معبد ربها الأكبر «بتاح» : . ويبقي هذا الاسم لقرون طويلة مرتبطا بالمدينة ، وذلك عند المصريين وعند العالم الخارجي ، إلي درجة أن النصوص البابلية والآشورية (في القرون من الثامن إلي السادس قبل الميلاد) كانت تذكرها هكذا : Hukaptah أو Hikuptah . ويحوّر الإغريق من بعد ذلك هذا الاسم وينطقونه بطريقتهم الخاصة ليشير ليس إلي المدينة فقط بل إلي أرض مصر كلها ، فيصير عندهم هكذا : Aigyptos وتلك هي نفس التسمية التي مازالت تتردد في كل اللغات الأوروبية الحديثة (Egypt Egypte- Ägypten) وتشير إلي أرض بلادنا . هكذا نجد أن عاصمة مصر الخالدة كانت - وبحق هي التجسيد الكامل للدولة المصرية ، إلي درجة أننا حتي يومنا هذا عندما نذكر اسم بلدنا «مصر» فنجدنا نستخدمه في أحيان كثيرة لكي نشير به إلي العاصمة ذاتها .
وفي نص يعود إلي الدولة الحديثة نسمع عن تلك التسمية أو الوصف عظيم المغزي بالنسبة لمدينة «منف» ، التي ذُكرت فيه علي أساس أنها «مدينة الخلود» (حرفيا : «مدينة الزمن اللانهائي» = ) .
كذلك فلقد كان طبيعيا أن تصير هذه المدينة وثقلها الديني في مصر القديمة علي ارتباط كامل بربها الأشهر «بتاح» وبمعبده الكبير عند طرفها الجنوبي ، والذي اتسعت رقعة مبانيه علي مدي القرون الطويلة ، حتي إن العلماء يقدرون المساحة الكلية لمجموعة المعابد والهياكل التي كرست لهذا المعبود والمعبودات التي دخلت في حومته بحوالي 65 فدانا ، الأمر الذي حدا بالمصريين القدماء أن يطلقوا علي «منف» أحيانا تسمية أخري ، ألا وهي : «مدينة بتاح» .
ويتغني «هيرودوت» بروعة المعابد في «منف» وضخامة تماثيلها وفخامة قاعاتها وخصوصا تنوع أعمدتها وزخرفة تيجانها .
وإلي جانب «هيرودوت» حوالي (450 ق.م)، فإن «ديودور الصقلي» (حوالي 55 ق.م) ، ومن بعده «سترابو» (حوالي 25 ق.م) كانا قد تحدثا طويلاً عن جمال المدينة وما كانت عليه من شهرة ومجد تليد .
كذلك فلقد أسهب «هيرودوت» (Herodotus II , 153) في وصف بوابات «منف» الأربعة وما كانت عليه من الفخامة والأبهة ، وذلك بالرغم من أن الزيارة كانت في القرن الخامس قبل الميلاد ، أي من بعد أن خبت جذوة المجد عن أم الحواضر في تلك العصور المتأخرة والمتدهورة .
وبمناسبة الحديث عن جمال «منف» ، فلعلنا أن نذكر أن المدينة كانت قد عرفت منذ الدولة القديمة - وظيفة هامة في جهازها الإداري كان شاغلها يحمل لقب : « المشرف العام علي كل أشجار «منف» « . هذه هي المدنية ، وهذا هو الرقي ، وتلك هي أرفع درجات الحضارة الحقة ، أن يصل الاعتناء والاهتمام بجمال وخضرة أقدم عواصم العالم القديم إلي ذلك الحد .
وفي الدولة الحديثة (بعد قرابة 1800 عام من تأسيس مدينة «منف») نسمع أن أهل مصر كانوا يعتزون ويتغنون بحاضرة الحواضر علي أرض بلادهم ، فنجد أحدهم ينطق بكلمات كلها الشوق واللهفة فيقول : « انظر ! إن قلبي قد فارقني ، إنه يسارع إلي المكان الذي يعرفه (من قبل) ، إنه يسافر من أجل (مجرد) التطلع إلي «منف» « (Papyrus Anastasi IV).ويذكر للقائمين علي إدارة مرفأ (ميناء) مدينة «منف» علي شاطيء النيل أنهم كانوا يُحصّلون من كل مركب يسمح لها بالدخول والإرساء علي الرصيف ما قيمته واحد «دبن» (وحدة وزن مصرية قديمة تعادل حاليا حوالي 91 جراما) من الفضة ، وذلك كرسوم خدمات (شحن أو تفريغ الحمولة) .
ويشتهر «بيت الحياة» في مدينة «منف» كأحد المؤسسات الكبري للبحث العلمي علي أرض مصر ، حتي إن طبيب الإغريق الأشهر Hippocrates (أبقراط أبو الطب عاش من 460 إلي 370 ق.م) كان قد تعلم الكثير من البرديات الطبية التي كانت مودعة في هذه الأكاديمية المنفية .
وكان أهل الكهانة في مدينة «منف» قد قدروا في نظرية الخَلْق الخاصة بمدينتهم أن ربهم الأكبر «بتاح» كان قد أتم ذلك بالعقل واللسان ، أي بفكرة خطرت علي قلبه ونطق بها لسانه . تلك إِذاً هي أسمي مراتب التأمل والتصور البشري بالنسبة للأفكار والنظريات المتعلقة بالنشأة الأولي للكون عند شعوب العالم القديم .
ونعلم من اللوحة (البازلتية) المشهورة باسم «حجر رشيد» (المتحف البريطاني) أن قرارا كان قد صدر من المجمع الكهنوتي في مدينة «منف» وذلك بمناسبة عيد تتويج الملك البطلمي (بطليموس الخامس) في العام التاسع من حكمه (196 ق.م) . سُجل هذا القرار باللغة المصرية القديمة وبالخطين الهيروغليفي والديموطيقي مع ترجمة له باللغة اليونانية . هكذا شاء القدر أن تكون هذه الكتابات التي سجلها كهنة مدينة «منف» علي هذا الحجر هي مفتاح فك غموض اللغة المصرية القديمة ، وذلك في عام 1822 م علي يد العالم الفرنسي الشاب J.-F. Champollion .
وفي القرن السابع قبل الميلاد كانت «منف» قد وصلت إلي مرتبة أكبر من العالمية ، وذلك بوجود تجمعات سكنية علي أرضها تخص طوائف من الإغريق والكاريين ، هذا بالإضافة إلي غيرهم من الأجانب من شعوب غرب آسيا والذين كانوا يعيشون في رحابها منذ أكثر من سبعة قرون (منذ الدولة الحديثة) .
وكانت المدينة قد عرفت في الأسرة السادسة والعشرين (في الفترة من حوالي منتصف القرن السابع إلي منتصف القرن السادس قبل الميلاد) وجود مجموعات من الجنود المرتزقة من الإغريق كانوا يخدمون في الحراسات الخاصة .
وفي كل حقب التاريخ المصري القديم ، فلقد كان مجرد دخول مدينة «منف» أو الاستيلاء عليها من قبل الغزاة (الآشوريون الفرس) هو بمثابة الإعلان عن سقوط مصر كلها في أيديهم .
وكان تتويج الإسكندر الأكبر جريا علي سنة الملوك الفراعنة في معبد ربها الأكبر «بتاح» هو الإعلان الرسمي عن شرعية حكمه وولايته علي الأرض المصرية ، وهو كذلك اعتراف وإقرار ، حتي في هذا الزمان ، بمدي أهمية وعراقة هذه المدينة المصرية .
وتسجل بعض الكتابات الرومانية أهمية خاصة لمقياس النيل (Nilometer) عند مدينة «منف» ، والذي عن طريقه كان يتم تحديد مستوي ارتفاع ماء الفيضان ، وبالتالي إمكانية تقدير الضريبة علي المحاصيل .
وتمتد الجبانة المنفية لحوالي 30 كيلو مترا من الشمال إلي الجنوب : من «أبو رواش» إلي «الجيزة» إلي «زاوية العريان» إلي «أبو صير» ، ثم الجبانة الأولي «سقارة» (إلي الغرب من مدينة «منف» مباشرة يبدو أن اسمها هو تحوير لاسم رب العالم الآخر «سوكر») ، وأخيرًا «دهشور» . هنا يتجسد أمامنا وبحق أكبر متحف مفتوح علي ظهر الأرض ، فيه العديد من المعالم والروائع والشواهد الأثرية (الأهرام أبو الهول معابد الشمس متون الأهرام السيرابيوم المعابد مصاطب ومقابر الأمراء والأشراف من جميع العصور ... إلخ) ، تلك التي تعبر عن طبيعة الفكر وأصالة المعدن لأمة كانت ولاتزال بإذن الله تنشد دائمًا قيم الجمال والجلال والبناء والخلود .
وبعد ، فلعل أبلغ القول الذي يمكن أن نسوقه إلي كل متطلع أو لاهث وراء بريق وبرقشة الحداثة هو مقولة رجل عاش في بداية حكم الملوك الرعامسة (حوالي 1290 - 1270 ق.م) ، وذلك عندما ظهر مصورا علي لوحته وهو يوجه حديثه إلي تمثال «أبو الهول» الرابض (منذ 2550 ق.م) علي ربوة الجيزة في رحاب أهرام الأسرة الرابعة - يقول الرجل : « إنك الوحيد المتواجد علي الدوام ، بينما الناس جميعا إلي زوال ! « .
اقول قولي هذا إلي الذين يعتدون بمغزي الأصالة وأهمية العراقة ويعرفون معني التراث وقيمة الحضارة وعلي الله قصد السبيل .
لمزيد من مقالات د. على رضوان


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.