منذ بداية الثمانينيات وبعد انتهاء عصر عمالقة الطرب، يظل في حياة كل مطرب ألبوم يعتبره النقاد والمتخصصون نقلة نوعية ومهمة في مشواره الفني، وعادة ما يكون هذا الألبوم – النقلة - فى منتصف المشوار الفني لحياة المطرب، فبعد فترة البدايات التى يتخبط فيها ما بين الرائع والجيد والرديء يصل إلى مرحلة الثبات أو الاستقرار الفني التى يقف فيها المطرب ويكرر نجاحاته السابقة، التى قدم فيها أغنيات نجحت بقوة ورددتها معه الجماهير.حدث هذا الأمر مع كثير من المطربين، بداية بالمطرب الكبير علي الحجار الذى لم يقدم بعد ألبوما بقوة «انكسر جوانا شئ»، محمد منير «فى عشق البنات»، محمد الحلو «يا حبيبي»، محمد ثروت «أغاني مسلسل الكهف والوهم والحب»، أنغام « ليه سيبتها»، وتتضح هذه الظاهرة أكثر عند المطربيين العرب، فمثلا أقوى ألبومات نبيل شعيل «ما أروعك»، وأجمل ما قدمت نجوى كرم «عم بمزح معك «، وأبدع ما قدمت أصالة «يا مجنون»، ولم يغن راغب علامة كما غنى «يا حياتي»، وتألقت سميرة سعيد في «ع البال « ودخلت لطيفة التاريخ الفني بألبومها مع زياد الرحباني «معلومات أكيدة».
وأخيرا طرحت المطربة آمال ماهر ألبومها الثالث المتميز «ولاد النهاردة»، و مشكلته أنه جاء بعد ألبومها الرائع «أعرف منين» الذى ينطبق عليه قولنا السابق، لكن الوضع مع آمال يبدو مختلفا بعض الشيء، فلا يمكن أن نقول عن ألبومها السابق نقلة فنية في حياتها، لأنها ما زالت فى بداية مشوارها الفني، ومن حقها تجريب كل ألوان الغناء، ورغم ذلك فقد حاسبها الجمهور بعنف، وتعامل معها على أنها مطربة مخضرمة، ونسى أنها شابة صغيرة، وهذا هو ثالث ألبوماتها فقط، ومن هنا فقد انقسمت الآراء حول مولودها الجديد «ولاد النهاردة» عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وغيرها من صفحات الإنترنت، فالبعض قال: إنه جيد جدا، والبعض الآخر أكد إنه لا يتناسب مع قوة وجمال صوت آمال، أما الكثيرون - وهذا ما نريد أن نتوقف عنده - قارنوه بألبومها الثاني « أعرف منين» وجاءت نتيجة المقارنة بالنسبة لهم لمصلحة «أعرف منين». وللجميع نقول : أولا: لا ينبغي المقارنة لمطرب بين ألبومه الجديد الذى مازال يتلمس طريقه لأذن وقلب وعقل الجمهور، وبين ألبوم قديم عاشت أغنياته فى ذاكرة ووجدان الجمهور على مدى أربع سنوات سابقة ، ومن ثم أخذ حقه من الاستماع والمعايشة والذكريات.
صحيح أن ألبوم «أعرف منين» كان قويا جدا من كل الجوانب، سواء من حيث الأداء أوالكلمة أواللحن أو التوزيع، ولايوجد فيه أغنية «نص نص» أو ليست على المستوى المطلوب، لكن المطربة لم تحب تكرار نجاحها السابق، واجتهدت جدا وقدمت فى ألبومها الجديد «ولاد النهاردة» أغنيات لا تقل جودة وجمالا عن ألبومها السابق، لكن بطريقة مختلفة تقربها أكثر من جيل الشباب المتابع للألبومات ومواقع تحميل الأغنيات، المهم أن نعطي أغنيات هذا الألبوم الجديد الوقت الكافي ونعطي لأنفسنا فرصة السمع مرة واثنين وثلاثا، ثم نصدر أحكامنا ولا نتسرع بمجرد الاستماع الأولي.
ثانيا: قدمت آمال مجموعة من الأغنيات المتنوعة من حيث الكلمات والألحان والتوزيع، واستطاعت ببراعة معايشة كل حالة من الحالات التى قدمتها و«بالمود» الخاص بالحالة التى تغني لها، فانطلقت مع الموسيقى والتوزيع، وكان صاحب نصيب الأسد فى هذا التنوع الغنائي الملحن الشاب الموهوب جدا وليد سعد، الذى أهدى للمطربة وللجمهور 7 ألحان مختلفة تماما عن بعضها «سكة السلامة، ولاد النهاردة، بحبك، أيام ما تتعوضش، ظروفي صعبة،غلطت أنا، ذكرياتنا».
واستطاع فى بعض الأغنيات مثل «ولاد النهاردة، ظروفي صعبة شوية، سكة السلامة» تغيير جلد آمال ماهر الفني، وتقديمها في صورة جديدة لم نعتد عليها من قبل، صورة قربتها من قلوب الشباب، فضلا عن خفة ظل وجمال لحني لا مثيل لهما، واجتهد جدا في هذه الألحان، وأعتقد أنه لم يكن ينام الليل حتى يجد لكل أغنية شكلا مختلفا تماما عن الآخر مع موزعي الأغنيات الرائعين «توما، وتميم، وطارق عبدالجابر، وأحمد إبراهيم».
ثالثا: يحسب للمطربة ابتعادها عن الأغنيات الدرامية الحزينة التى لا تتناسب مع الجمهور فى هذه الفترة الذى يعيش حالة دراما يومية قاتمة، ويحاول إعادة بناء وطن مازال مجروحا، فانتشلته آمال بحسها الرفيع من حالة كتلك، وقدمت له جرعة من البهجة والرومانسية المكثفة خاصة في أغنيتي « أنا حبيتك» كلمات عمرو يحيي، وألحان تامر عاشور، توزيع أحمد عبدالسلام، وأيضا أغنية «ماهونتش عليا» كلمات أحمد الجندي، ألحان مدين، وتوزيع أحمد عبدالسلام، رغم أنه كان في استطاعتها اللعب على المضمون وحده دون غيره، وتقديم مجموعة من الأغنيات الدرامية التى تنال إعجاب الجمهور بمجرد الاستماع إليها على غرار «في إيه بينك وبينها، اتقي ربنا فيا، كلمة واحدة» وغيرها من الأغنيات التى قدمتها من قبل والتى تجيد آمال غناءها بقوة والعزف بنعومة على أوتار المشاعر الحزينة.
رابعا: استطاعت كلمات الشاعر المتميز القريب من الجمهور بكلماته البسيطة «أيمن بهجت قمر» أن يقدم لآمال أغنيتين هما «سكة السلامة»، و» بحبك» كل واحدة منها تختلف تماما عن الأخرى، فالأولى فيها خفة دم، ومجموعة من الإيفيهات الظريفة، وتحمل أيضا رسالة تقول في مطلعها:
«سكة السلامه شفت انا منك انت ياما
يالا بالسلامه اتفضل رد الباب وراك
احسب الغلاوه و اوعى لا تتقلب عداوه
هاعيشك دراما حبيبى بلاش اعملها معاك
هو انتا محدش قالك على قلبتى
فى العند تعالى يا معلم و دى حتتى
باتلكك اه باتلكك ماشى يا سيدى انا ظلماك
ده محدش عاش تجربه الا و قوته
والذكى اللى بيستقتل على فرصته»
أما الأغنية الثانية فقد بدت غارقة في الدلع وخفة الظل أيضا، وهى «بحبك» والتي يقول مطلعها:
«بحبك واصلة متصدقة … بأقولها كل يوم أعلى
ميبقاش قلبك إسود بقى … حرام بقى كل دي زعلة
لو ما أسألش ما تسألش
أما أنا ماباستحملش
أحبك كده وما أبطلش
وأدي حياتي مقدما
لو ما أسألش ماتسألش
إهدا عليا ما تتقلش
في ايه بقى ماتمثلش
ماخلاص بقى صافي يالبن»
أما الشاعر نادر عبدالله والذى يحاول تقديم مفردات مختلفة فى الغناء ليضيف لقاموس الأغنية المصرية مفردات بتوقيع نادر عبدالله، فقدم للمطربة خمس أغنيات هى «ولاد النهاردة، أيام ما تتعوضش، ظروفي صعبة، غلطت أنا، مافيهاش بعدين»، وسيحسب له تاريخيا أنه لم يبخل على ابنة بلده بكلمات وأفكار رائعة تحمل مشاعرنبيلة وراقية.
خامسا : لا يمكن ونحن نتحدث عن أغنيات الألبوم أن ننسي الشاعر «خالد تاج الدين» الذى قدم لآمال ماهر فى ألبومها السابق أغنية سيقف تاريخ الغناء الحديث عندها كثيرا وهى « فيك حتة غرور»، وكانت مهمته صعبة جدا فى تقديم شكل جديد للمطربة، لكنه استطاع أن يتحدى نفسه ويقدم رائعة جديدة هى «ذكرياتنا» تلحين تامر عاشور، توزيع تميم، والتى يقول مطلعها: « الكلام عن ذكرياتنا ليه مالينا بالحنين ليه بننسي كل حاجه لما نسمع كلمتين»، والتى تعتبر من أجمل أغنيات الألبوم، وحقق نجاحا يضاف لنجاحاته السابقة، كما قدم الشاعر الواعد المتألق أحمد الجندي أغنية جميلة بعنوان « ما هونتش عليا» ألحان مدين، وتوزيع أحمد عبدالسلام الموزع الجميل الذى اكتشفته «آمال» فى ألبومها السابق، واستطاع المطرب والملحن تامر عاشور أن يترك بصمته العذبة التى تتسلل بيسر إلى شغاف القلوب من خلال أغنيتي « أنا حبيتك»، و» مافيهاش بعدين».
أخيرا: تبقى الإشارة إلى أن آمال ماهر بهذا الألبوم تقترب أكثر من جمهور الشباب، والأطفال الذين يرددون الآن أغنيتها المصورة «سكة السلامة»، وليس هذا فقط ولكن من خلال «الاستيلات» الغنائية الأخرى التى قدمتها، وأيضا من خلال «استيلها» فى اختيار «اللوك» الجريء الذي طلت به لجمهورها من خلال الغلاف والصور الخاصة بعملها الجديد، ورغم عدم حبي لهذا « اللوك» لأنني أفضل أن تظل أمال عنوانا للأغنية المصرية، بأزيائها المحتشمة، وشعرها الأسود الجميل، لكن يغفر لها هذه الطلة بسبب كونها شابة صغيرة وتريد تجريب نفسها في أشكال وألوان وإستيلات شابة، مثل أي شابة عصرية، وبهذا الألبوم تقول آمال للجمهور الذى يراها أكثر نجاحا وتألقا مع أغنيات كوكب الشرق، وداعا أم كلثوم!