مع بداية تصاعد الاحتجاجات السورية فى مارس 2011، ونجاح قوى المعارضة المسلحة فى تحقيق إنجازات نوعية على الأرض والسيطرة على بعض المناطق فى شمال سوريا وجنوبها، لاسيما بعد أن تلقت مساعدات من جانب قوى إقليمية عديدة. أشارت اتجاهات مختلفة إلى أن سقوط نظام الرئيس السورى بشار الأسد أصبح «مسألة وقت»، على غرار ما حدث بالنسبة للأنظمة العربية التى سقطت قبله، وتحديدا فى مصر وتونس وليبيا وجزئيا «اليمن». على الرغم من أن هناك متغيرات تتعلق بخصوصية الحالة السورية. وقد استندت تلك الاتجاهات فى تبرير ذلك إلى مؤشرات متعددة على غرار الانشقاقات المتكررة من جانب بعض الضباط السوريين رفيعى المستوي، واتجاه بعض حلفاء النظام السابقين، على غرار حركة «حماس» الفلسطينية، إلى فك تحالفها معه وتأييد مطالب قوى المعارضة، وحدوث اختراقات أمنية نوعية فى العاصمة دمشق، مثل العملية التى أدت إلى مقتل مسئولين عسكريين بارزين فى النظام فى يوليو 2012. والمفارقة هنا تكمن فى أن بعض القوى الإقليمية، على غرار تركيا، لم تسارع إلى إضفاء وجاهة خاصة على تلك التكهنات فحسب، بل إنها بدأت فى ترتيب سياساتها بناء عليها، حيث أشار الرئيس التركى رجب طيب أردوغان (رئيس الوزراء آنذاك) باطمئنان، فى 5 سبتمبر 2012، إلى أن «الصلاة فى الجامع الأموى بدمشق وزيارة قبر صلاح الدين باتت قريبة»، وسارت على نهجه دول عديدة فى المنطقة سعت منذ البداية للإطاحة بنظام الأسد. خصوصية الحالة لكن مع تطور الأزمة وتفاقمها، بدا جليا أن تلك التكهنات لا تتسامح مع المعطيات الموجودة على الأرض، وأنها لم تضع فى اعتبارها أن ثمة محددات، داخلية وخارجية، ذات أبعاد ديموجرافية وجغرافية واستراتيجية، ربما تفرد نوعا من الخصوصية للحالة السورية تجعلها تختلف بشكل كبير عن نظيراتها فى دول الثورات العربية. بل يمكن القول إن ما آلت إليه الأوضاع السياسية والأمنية والاقتصادية فى تلك الدول كان بمنزلة «هدية بلا مقابل» للنظام السوري، الذى استغلها لإضفاء شرعية على بقائه فى السلطة، باعتبار أن سقوطه سوف يحول سوريا إلى ليبيا أو أفغانستان أخرى. وقد أشار الأسد إلى تلك القضية تحديدا، عندما قال إن «رحيله لن يحل المشكلة وهو ما تؤكده السوابق فى ليبيا ومصر واليمن». نقطة اللاعودة بدا واضحا من البداية أنه رغم الانشقاقات المتكررة داخل الجيش السورى، فإن ذلك لم يؤثر كثيرا فى توازن القوى على الأرض بين النظام والمعارضة، خاصة أن الأول نجح فى الاحتفاظ بما يمكن تسميته «النواة الصلبة»، لاسيما داخل الطائفة العلوية، التى دعمته بشكل واضح منذ تصاعد الأزمة فى مارس 2011. ورغم ظهور بعض ملامح التململ داخل الطائفة بسبب التكلفة البشرية والمادية التى تحملتها فى الصراع الذى دخل عامه الخامس، وهو ما أشار إليه دبلوماسيون أجانب عملوا فى سوريا، على غرار السفير الأمريكى السابق روبرت فورد، إلا أنه لا توجد مؤشرات تكشف عن أن ذلك بدأ يؤثر على الاتجاه العام للطائفة الذى ما زال يقدم دعمه للنظام. بل إن ثمة اتجاهات عديدة بدأت تشير إلى أن تلك التكلفة التى تحملتها الطائفة ربما تكون هى السبب الذى سوف يدفعها فى النهاية إلى الإصرار على مواصلة دعم النظام، مهما تكن الضغوط التى تتعرض لها. ومن دون شك، فإن ذلك يعود إلى خشيتها من التداعيات المحتملة لسقوط النظام، إذ ربما تتعرض لعمليات انتقام من جانب المكونات المجتمعية الأخرى التى عانت من قمع النظام، خاصة أنها تحولت إلى رقم مهم فى مواجهاته العسكرية مع قوى المعارضة المسلحة. وهنا ربما يمكن الإشارة إلى أن كثيرا من المبادرات أو «الروشتات» التى قدمتها بعض الجهات لقوى المعارضة والتى تتضمن الآليات التى يمكن من خلالها تحقيق هدف الإطاحة بالأسد، منحت الأولوية لفكرة «تطمين» العلويين وتأكيد الالتزام بإعادة إدماجهم داخل المجتمع فى مرحلة ما بعد الأسد، باعتبار أن ذلك ربما يمثل النواة الأولى لإضعاف القاعدة الاجتماعية للنظام، خاصة أنها سوف توفر فرصة للاتجاهات المعارضة داخل الطائفة من أجل تقوية موقعها وتبرير موقفها الرافض لتأييد النظام حتى النهاية. لكن هذه المبادرات لا تبدو كافية للوصول إلى نهاية للأزمة السورية، ليس فقط بسبب تزايد الشكوك حول مدى التزام قوى المعارضة بتنفيذها، وإنما أيضا بسبب عجز الأخيرة عن إثبات قدرتها على التحول إلى بديل قادر على إدارة الدولة فى مرحلة ما بعد الأسد، خاصة فى ظل تصاعد حدة الانقسام والصراع فيما بينها، خاصة بعد تزايد نشاط التنظيمات المتطرفة على غرار تنظيم «داعش» و«جبهة النصرة». حلفاء «عابرون للحدود» فضلا عن ذلك، فإن تزايد احتمالات انهيار النظام السورى خلال العامين الأولين من الأزمة، هدد مصالح حلفائه الإقليميين بشكل مباشر، وهو ما دفعهم إلى المسارعة بالتدخل لمنع حدوث ذلك، على غرار إيران وحزب الله اللبناني. وهنا، فإن الحدود القائمة بين دول تلك المنطقة لم تشكل حائط صد أمام تدفق المقاتلين إلى سوريا، عبر العراقولبنان، للقتال إلى جانب قوات النظام السوري، بشكل حول سوريا فى النهاية من «لاعب إلى ملاعب» أى من قوة إقليمية لها دور بارز فى التفاعلات التى تشهدها المنطقة خاصة فى دول الجوار، إلى ساحة تتدخل فيها قوى إقليمية ودولية عديدة وتتقاطع مصالحها بدرجة كبيرة، ما مثل فى النهاية أحد مسببات استمرار الأزمة فى سوريا حتى الآن دون حل. كما تحولت روسيا إلى ظهير دولى رئيسى حال دون صدور قرارات إدانة من مجلس الأمن ضد النظام السورى من خلال استخدام حق الفيتو أربع مرات. ويبدو أن إصرار موسكو على دعم النظام السوري، لا يعود فقط إلى مصالحها الحيوية فى سوريا، رغم أهميتها التى لا يمكن تجاهلها، وإنما يعود أيضا إلى رغبتها فى الرد على السياسات التى تبنتها الدول الغربية فى التعامل مع الأزمة الليبية تحديدا. إذ تشير اتجاهات روسية عديدة إلى أن موسكو «خُدِعت» فى الأزمة الليبية عندما أيدت قرار مجلس الأمن رقم 1973، الذى صدر فى 17 مارس 2011، وفتح الباب أمام التدخل العسكرى الدولى الذى أدى إلى إسقاط نظام معمر القذافي. وقد بدا ذلك جليا فى تأكيد الرئيس الروسى فيلاديمير بوتين (رئيس الوزراء آنذاك)، فى مقالة لصحيفة «موسكوفسكى نوفوستي» الروسية فى فبراير 2012، ضرورة عدم السماح بتنفيذ السيناريو الليبى فى سوريا، مضيفا: «بعد أن تعلمنا الدرس مريرا، فإننا نعارض استصدار قرارات من مجلس الأمن يمكن أن تسمح بالتدخل العسكرى الخارجى فى الشئون الداخلية السورية». البقاء للدولة هذا الإصرار الروسى على عدم التخلى عن الأسد قابله تردد وارتباك أمريكى ملحوظ فى التعامل مع تطورات الصراع فى سوريا وبالتحديد ما يتعلق بدعم قوى المعارضة المسلحة بأسلحة نوعية يمكن أن تؤدى إلى تغيير توازنات القوى لمصلحتها. وهنا تكمن المفارقة، إذ أن الأسباب التى دفعت موسكووواشنطن إلى تبنى تلك السياسات تبدو واحدة، وتتعلق فى الأساس بفكرة «الحفاظ على الدولة». ومن دون شك، فإن ما يكسب تلك الفكرة أهمية ووجاهة خاصة، هو أن النظام البعثى فى سوريا، وربما يكون ذلك هو أحد محاور تمايزه عن الأنظمة العربية التى سقطت قبله على غرار نظامى بن على ومبارك، حرص على تكريس نفوذه داخل مفاصل الدولة بشكل واسع، وهو ما زاد من احتمالات أن يؤدى سقوطه إلى انهيار الدولة. وبعبارة أخرى، فإن النظام السورى حرص منذ تأسيسه على ربط مصيره بمصير الدولة بكاملها، بشكل أنتج فى النهاية معادلة مختلفة. فقد تحولت الدولة إلى أحد مصادر قوة النظام، فى حين مثل الأخير باستمرار أحد مكامن ضعفها. وهنا، فإن المشكلة لا تنحصر فى التداعيات السلبية التى سيفرضها انهيار الدولة على التوازنات الداخلية المعقدة، حيث ستتزايد احتمالات نشوب حروب أهلية بين التكوينات الاجتماعية المختلفة، على غرار ما حدث فى دول عربية أخرى مثل العراق، وإنما تمتد أيضا إلى ارتداداتها المباشرة داخل دول الجوار، التى تعانى بدورها من توازنات داخلية هشة بدت جلية فى تأثرها الشديد بتطورات الصراع فى سوريا، وتبدو الأزمات السياسية والأمنية والاجتماعية التى تواجهها لبنان أبرز مثال على ذلك. فضلا عن أن سوريا فى هذه الحالة يمكن أن تتحول إلى جهة رئيسية لتصدير الإرهاب سواء إلى الدول العربية أو حتى إلى الدول الغربية، إذ ربما يمكن القول إن العمليات الإرهابية التى شهدتها بعض الدول العربية وبعض العواصمالغربية على غرار باريس، لم تكن بعيدة، فى كل الأحوال، عن تصاعد نشاط التنظيمات المتطرفة داخل سوريا فى الأعوام الأخيرة. وهنا لا يمكن إغفال موقف إسرائيل أيضا. إذ أن بقاء النظام السوري، يبدو، فى رؤيتها، أفضل «الخيارات السيئة»، وذلك بدلا من مواجهة «المجهول»، فى ظل فشل قوى المعارضة فى الاتفاق على بديل يستطيع إدارة الدولة بعد إسقاط الأسد، بالتوازى مع تصاعد نفوذ التنظيمات المسلحة المتطرفة داخل الطيف الواسع للمعارضة. ومن دون شك، فإن موقف تل أبيب من الصراع كان له تأثير على السياسة التى تبنتها واشنطن تجاهه. «عرقنة» سوريا فضلا عن ذلك، فإن أحد أسباب عدم اندفاع واشنطن لدعم قوى المعارضة بشكل نوعي، هو محاولتها تجنب تكرار الأخطاء التى ارتكبتها فى العراق، حيث سارعت بعد إسقاط نظام صدام حسين عام 2003، إلى حل الجيش العراقى وحزب البعث، وهو ما كان أحد الأسباب الرئيسية التى أدت إلى انهيار الدولة فى النهاية، بشكل بدا جليا مع نجاح تنظيم «داعش» فى السيطرة على مناطق واسعة فى شمال العراق بداية من 10 يونيو 2014، دون مقاومة تذكر من جانب القوات العراقية. ويبدو أن ذلك هو ما دفع جون برينان مدير وكالة الاستخبارات الأمريكية، فى 14 مارس 2015، وهو اليوم الذى يسبق بداية العام الخامس للأزمة السورية، إلى تأكيد أن «واشنطن لا تريد انهيار مؤسسات الدولة السورية لأن ذلك سوف يؤدى إلى إخلاء الساحة للتنظيمات المتطرفة». اعتبارات متداخلة ومصالح متشابكة أدت فى مجملها إلى استمرار الأزمة فى سوريا، التى دخلت عامها الخامس فى مارس 2015، دون حل حتى الآن، وهو ما أسهم بدوره فى بقاء نظام بشار الأسد دون غيره من الأنظمة السلطوية التى سقطت فى سياق الحراك الثورى مع نهاية العام 2010.