للوهلة الأولى لم يصدق القائمون على إحدى الصحف اليومية خبرا جاء به واحد من محرريها الذى أجزم أنه صحيح ، فإذ بهم ينشرونه فى صدر صفحاتها كبشرى يزفونها للقراء " أردوغان اليوم لن يظهر على شاشة التليفزيون "، ومضت قائلة "أخيرا عاشت تركيا الأربعاء قبل الماضى مفاجأة سارة ألا وهى أن الرئيس لن يقوم بافتتاح مشاريع سبق افتتاحها، يعقبها مؤتمر جماهيرى يسخره للدعاية لحزب العدالة والتنمية الحاكم، استعدادا للانتخابات البرلمانية فى السابع من يونيو المقبل"، ولم ينس المحرر أن يتوجه بالشكر لزعيم القبارصة الأتراك مصطفى أكنجى الذى حل ضيفا على البلاد، فلولاه لجثم أردوغان على صدور مواطنيهوالحق، لم تشهد الجمهورية التركية طوال سنواتها التى تجاوزت التسعين، تلك الظاهرة الدعائية العجيبة وما تفرضه على العباد من حصار إعلامى ممجوج: فضائى وأرضى، حكومى وخاص، شبكات مرئية ليلا ونهارا، وميديا مقروءة صباحا، ولافتات بشوارع رئيسية بالمدن الكبرى، وكذا البلديات الصغيرة والقرى، وفى القلب منها جميعها رجب طيب أردوغان، فى مشاهد تذكر المراقب على الفور بالأنظمة الفاشية. وليت الأمر اقتصر على ذلك بل راح يصوب سهامه منكلا بخصومه، فرغم أن منصبه يفرض عليه الحياد بين القوى السياسية، إلا أنه لا يكف عن توجيه انتقادات قاسية، لزعماء المعارضة ، دون أن يتاح لهم ذات المساحات حتى فى وسائل الإعلام المفترض أنها ملك للشعب. وبالرغم من تسييس السلطة القضائية وعدم رضاء قطاعات عريضة من المجتمع التركى عنها، باعتراف على بابا جان نائب رئيس الوزراء، إلا أنه لا مفر من الاحتكام إليها ووفقا لصحيفة «ميلليت» أقامت شنال صارى هان المحامية ومرشحة حزب الشعب الجمهورى المعارض دعوى ضد الإذاعة والتليفزيون الرسمية لامتناعهما عن بث أى مواد دعائية مدفوعة للحزب، فضلا عن التدخل وحذف ما تراه يستهدف حزب العدالة والتنمية. صارى هان أكدت فى عريضتها أن حزبها وفى سياق حملته الانتخابية، أعد فيلما تسجيليا قصيرا عنونه «هيا نصفق كأمة واحدة»، حوت مشاهده لقطات تحث الشعب على التكاتف ضد الفساد والرشوة والتمييز وانعدام المساواة ، واحترام وحماية مبادئ العلمانية، ومع هذا رفضت الهيئة بثه، وهو ما يتعارض مع القانون، كما أن الحظر لا يستند إلى أى مبدأ رغم أن المؤسسة ينبغى أن تكون محايدة، خاصة أن الوثيقة الدعائية لا تحمل أى إهانة لأى طرف. القيادات من جانبهم لجأوا إلى الهيئة العليا للانتخابات، شاكين ومطالبين بتنبيه رئيس الجمهورية الذى يتصرف وكأنه مازال رئيس وزراء وزعيم حزب سياسى، بعدم التدخل والالتزام ببنود الدستور واليمين الذى أداه أمام البرلمان إبان تنصيبه رئيسا للبلاد، غير أن الهيئة رفضت الشكاوى، وقالت إنها لا تملك صلاحية تحذيره أو لفت نظره، فما كان منهم سوى اللجوء للمحكمة الدستورية.فى المقابل لم يول أردوغان أدنى اهتمام لما يثار، بل واصل تحديه ضاربا بالاعتراضات عرض الحائط، فالاستحقاق التشريعى القادم أصبح بالنسبة له حياة أو موت ، فإما الحكم أو الفناء، وبالتالى لابد من استخدام جميع الوسائل لضمان شحذ البشر للتصويت له، يسانده لوبى مصالح متغلغل فى جميع مفاصل الحياة بالأناضول، ومستخدما الخطاب الدينى لدغدغة مشاعر البسطاء، وكان هذا واضحا بجلاء فى لقائه بمواطنيه المغتربين بمقاطعة كارلسروة الألمانية السبت الفائت ، سبقه حدث وصفته صحيفة «يورت» بالفضيحة حينما ذكرت تحت عنوان «خطبة الجمعة فى ألمانيا بمثابة إعلان لأردوغان»، أن الاتحاد التركى الإسلامى طالب أئمة الجوامع فى المدن الألمانية صراحة بقراءة الخطبة المعدة من قبل مؤسسة الشئون الدينية والتى طالبت «حشد المؤمنين لحضور لقاء الرئيس»، غير أن إمام جامع ولاية بافاريا أعلن رفضه تلك التوجيهات، متهما الشئون الدينية فى وطنه الأم بإقحام الدين فى السياسة ، واستغلال الإسلام والقرآن من أجل الحصول على أصوات الناخبين، وهذا مرفوض جملة وتفصيلا . ولأنه يتجول بأموال الدولة معتبرا هذا حقه الطبيعى، هكذا قال أردوغان، لا بأس إذن من استنزاف مواردها، وهو ما كشفت عنه صحيفة «بوجون» التى أوضحت أن الخزانة تكبدت 10 مليارات ليرة تركية (نحو 4 مليارات دولار)، ومن المنتظر أن يتم تحصيل هذا المبلغ من المواطنين عقب الانتخابات فى صورة ضرائب. لكن تزييف إرادة الناخبين هل يكفى لوصول عدالة أردوغان لبر الأمان ؟ بالطبع لا، من هنا قالت مصادر إن حزب العدالة والتنمية، الذى أصبح على قناعة أن شعبيته تراجعت، وهو ما أكدته استطلاعات الرأى، يخطط للتلاعب بنتائج الانتخابات من خلال توجيه تعليمات محددة لمديرى المدارس الذين سيشرفون على صناديق الاقتراع وفرز الأصوات ، ومن أجل ذلك تم استبعاد مديرى المدارس من الأحزاب السياسية الأخرى والإبقاء على نظرائهم من أنصار الحزب الحاكم، ووسط صمت مطبق من قبل الهئية المشرفة على الانتخابات قام قياديو العدالة بعقد اجتماع موسع مع المسئولين عن الدوائر الانتخابية فى مخالفة صريحة لقانون الانتخابات، وكلها مؤشرات تدلل على أن شيئا ما سيتم، مثلما حدث فى انتخابات المحليات نهاية مارس العام الماضى. فى هذا السياق أظهرت دراسة نشرت فى السابع من الشهر الحالى أن غالبية الناخبين يتوقعون حدوث تزوير للانتخابات من جانب الحكومة. وتوصلت الدراسة التى أجراها كل من وقف المجتمع المفتوح وجامعة كوتش وجامعة أوهايو الأمريكية تحت عنوان" انتخابات 2015 وديناميات الرأى العام التركي" وأشرف عليها أكاديميون من جامعات تركية يشار إليها بالبنان أن 77% من الناخبين المعارضين للحكومة يتوقعون ألا تجرى الانتخابات بنزاهة، و73% من الناخبين لا يوافقون على النظام الرئاسى.