ماضى اليابان الاستعمارى كان ومازال وسيظل قضية شائكة ومحورا للنقاش والاختلاف لفترة طويلة من الوقت داخل اليابان وفى محيطها الاقليمى مع جيرانها الأقربين. هذه هى الحقيقة التى يمكن استنتاجها من حالة الجدل التى اثارتها تصريحات ولى عهد اليابان الأمير "ناروهيتو" خلال المؤتمر الصحفى الذى عقد بمناسبة احتفاله بعيد ميلاده الخامس والخمسين يوم الاثنين الماضى. ذكر ناروهيتو خلال تلك التصريحات نصا فى معرض اجابته على سؤال حول الذكرى السبعين لنهاية الحرب العالمية الثانية التى ستحل فى أغسطس هذا العام "أنه لم يعش فترة الحرب ولكن من المهم فى الوقت الذى بدأت فيه ذكرى الحرب تتوارى أن ننظر الى الماضى بتواضع وأن ننقل بشكل صحيح التجارب الماساوية والتاريخ الذى عاشته اليابان من الجيل الذى عاصر وخاض تجربة الحرب الى الجيل الذى لم يعشها وليس لديه معرفة مباشرة بها"، داعيا الجميع لأن تكون هذه السنة فرصة للاحتفاء بقيمة السلام وادراك أهميته، وفرصة أيضا لتجديد اصرار اليابان على المضى قدما فى انتهاج هذا السلوك، ذاكرا بوضوح أن دستور بلاده السلمى الذى وضع بعد الحرب العالمية الثانية هو حجر الزاوية الذى بنت عليه اليابان استقرارها وازدهارها. هذه التصريحات المقتضبة التى تعد فى دول أخرى أمرا عاديا ومجرد توضيح لوجهة نظر بشأن قضية ما، حظيت بقدر هائل من الاهتمام والمتابعة والتحليل داخل اليابان واعتبرت أمرا يستحق التوقف عنده، خاصة أنه من المعروف أن أفراد العائلة الامبراطورية لا يلعبون أى أدوار سياسية ومن النادر أن يعلق أحدهم على قضايا مثيرة للجدل أو يبدى رأيه فى سياسة رؤساء الحكومة المنتخبين. ومن ثم ترجمت هذه التصريحات على أنها تحمل انتقادات غير مباشرة للحكومة الحالية بسبب رغبتها المعلنة فى اعادة النظر فى هذه الحقبة من تاريخ اليابان وسعيها الدءوب للحديث عن التاريخ العسكرى لليابان بنغمة أقل اعتذارا. وهنا يشير المراقبون الى أن هذه التصريحات لم تأت بشكل عفوى أو تلقائى ولكنها وفى حكم المؤكد مخطط لها ومحسوبة بدقة وتمت الموافقة عليها واجازتها من قبل وكالة شئون العائلة الامبراطورية، وفى رأى هؤلاء فان الوكالة المعنية أساسا بادارة شئون العائلة والقصر الامبراطورى ترى أن رئيس الوزراء "شينزو آبى" ذهب بعيدا فى نهجه القومى وأن استمراره فى هذا النهج واصراره عليه ورغبته المعلنة فى تخفيف النظرة السلبية لسلوك بلاده الاستعمارى سينعكس سلبيا على البلاد بشكل عام وعلى العائلة بشكل خاص، أخذا فى الاعتبار أن اليابانيين كانوا قبل هزيمة بلادهم فى الحرب العالمية الثانية يقدسون الامبراطور "هيروهيتو" الذى شنت الحرب باسمه، وان الامبراطور الحالى "أكيهيتو" لعب دورا مهما فى تضميد الجروح التى خلفتها الحرب فى شتى أنحاء آسيا. وهم بذلك يبدون حرصا شديدا على تفادى طرح المزيد من الاسئلة أو الاستفسارات حول دور العائلة الامبراطورية آنذاك ومسئوليتها عن التجاوزات التى حدثت. وجهة النظر هذه لم تقتصر على المعنيين بشئون العائلة التى تحظى بمكانة رفيعة واحترام كبير لدى المواطنين اليابانيين، ولكنها تعدتها لبعض كبار السياسيين الذين عبروا صراحة عن رؤيتهم المخالفة للحكومة الحالية ذات التوجهات القومية المحافظة، وفى مقدمة هؤلاء "يوهى كونو" السياسى المخضرم الذى أصدر ما يعرف ببيان كونو عام 1993 -كان يشغل آنذاك منصب سكرتير شئون مجلس الوزراء- الذى تضمن اعتذارا رسميا للنساء اللاتى أجبرن على العمل فى معسكرات الجيش اليابانى وهى القضية المعروفة باسم نساء المتعة. كونو الذى ينتمى لحزب رئيس الوزرا قبل اعتزاله العمل السياسى دعا آبى الى الالتزام بصيغ الاعتذار التى اصدرتها الحكومات اليابانية السابقة، وطالبه بتكرار نفس العبارات المستخدمة من قبل رئيسى الوزارة السابقين "توميتشى موراياما" فى الاحتفال بالذكرى الخمسين عام 1995 " و"جونيتشيرو كويزمى" فى الاحتفال بالذكرى الستين عام 2005. محذرا من أن تبنى رؤى أيديولجية حادة سيؤدى فى نهاية الامر الى عزلة اليابان فى محيطها الاقليمى الذى لم ينس حتى الان ذكريات هذه الفترة العصيبة. هذه الصراحة غير المألوفة داخل المجتمع اليابانى تعكس قدرا من القلق لدى قطاعات واسعة من الساسة والمواطنين من تصاعد الاصوات الداعية لضرورة التخلى عن النظرة السلبية المطلقة لتاريخ اليابان، باعتبارها فرضت عليهم فرضا من قبل قوات التحالف المنتصرة، معتبرين أن بعض الوقائع فى حاجة الى اعادة النظر والتدقيق. هذه الآراء غالبا ما تثير غضب الجيران الذين يضمونها لجملة من التصرفات المثيرة للجدل مثل زيارة آبى عام 2013 لمعبد ياسكونى المخصص للصلاة على أرواح الجنود اليابانيين الذين قتلوا فى حروب اليابان الاستعمارية ومن بينهم 14 من القادة المصنفين كمجرمى حرب، والانتقادات الدائمة لكتب التاريخ المدرسية المتهمة من وجهة نظر الصين وكوريا الجنوبية أنها تغسل ماضى اليابان الاستعمارى أو اقتراح الحكومة فى العام الماضى تشكيل لجنة لمراجعة الاعتذار الخاص بنساء المتعة والأهم من ذلك التصريحات الخاصة بضرورة تغيير دستور اليابان السلمى بشكل يسمح بارسال قواتها للخارج فى مهمات قتالية. ويبدو ان هذا الجدل المتصاعد كان عاملا مهما فى اعلان رئيس الوزراء مؤخرا تشكيل لجنة من 16 عضو لتقديم المشورة له بخصوص الخطاب المزمع إلقاؤه فى الذكرى السبعين لانتهاء الحرب وهو الخطاب الذى سيتابعه الجميع فى الداخل والخارج عن كثب، والى ذلك الحين ستظل هذه الحقبة محورا لجدل لن ينتهى فى المستقبل القريب.