حول التجديد فى الرواية العربية دارت ندوة قدمها إيهاب الملاح، وتحدث فيها الكاتب العراقى أحمد سعداوى عن وجهة نظره حول مفهوم التجديد وعلاقته باستهلاك المبدع العربى للأنماط الروائية الغربية. فى البداية تحدث سعداوى عن روايته «فرانكشتاين فى بغداد» الفائزة بجائزة بوكر للرواية العربية عام 2014، فقال: إن هذه الرواية هى الثالثة بعد «البلد الجميل» عام 2004، وحصلت على جائزة دبي، ثم رواية «إنه يحلم أو يلعب أو يموت» وفزت عنها بجائزة أفضل أديب عربي كما أصدرت ثلاث مجموعات شعرية منها «جروح فى شجر النخيل» التى تضمنت شهادات عراقيين عن الحرب، وكتاب «المكان العراقي» حول الأحياء الشعبية فى بغداد، وكتاب «رسوم كاريكاتير»، إلى جانب ذلك أكتب فى مجال السيناريو ولدى عملان على الشاشة العراقية، وهناك عمل جديد فى طور الإنتاج، وعملت فى الصحافة وأنتجت العشرات من الأفلام الوثائقية، وهو ما أتاح لى فرصة التعرف على بلدي. هذا التنوع أفادنى فى الرواية، لأن تقنيات وأساليب الراوية فيها بحث وشعر وصحافة وسينما، وهو ما منحنى الخبرة الجمالية وأتاح لى فرصة التعرف على الواقع. وأضاف: هناك كلمة شهيرة «لكونديرا» تقول: الرواية الجيدة هى التى تعرف أكثر بكثير مما يعرف كاتبها، فهناك منطقة الوعى ومنطقة اللاوعى فى الكتابة الذى يتشكل بدون أن يتوقعه الكاتب، ورغم أن الرواية مصدرها الواقع وتعود إلى الواقع، فلابد أن تحدث مفاجآت عبر القراءة فى النص، ورواية «فرانكشتاين فى بغداد» كتبتها من 2008 إلى 2013 والمقطع الرئيسى الذى تتحدث عنه يحدث فى 2005 و 2006 من خلال ظروف الحرب الأهلية فى العراق، وكنت أناقش الظروف التى شكلت الحرب الأهلية فى بغداد، ولم تكن الرواية تتحدث عن وضع عربى شامل، بل وضع عراقى خاص، ووعى الرواية الذى يتجاوز كما قال ماركيز وعى الروائي- امتد للأحداث الأخيرة، حتى إن هناك صحفيين كتبوا: «نخشى أن يكون فرانكشتاين فى القاهرة». حتى تقرير النيويورك تايمز الأمريكية قال: «فرانكشتاين فى بغداد، رواية ما بعد الربيع العربي»، وهذا كان من حسن حظ الرواية، فقد جعلها ذلك قريبة من القراء، وقدم تصورا أفاد القراء فى فهم ما يجرى لهم. وتذكر الكاتب مجموعة حوادث جرت فى الواقع، لافتا إلى أنها هى المفردات التى اشتغل عليها فى الرواية، ومنها ما قامت به إرهابية فى عام 2005 بخطف شاب وتقطيع جسده وإلقاء كل قطعة فى حى مختلف، واستيقظ الناس وكل من فى المدينة يشاهد قطعة من الجثة. وكأن هذا الجسد الملموم تحول إلى جسد خيالى منثور على كل المدينة وأعطى رد فعل واحد، وكل من فى المدينة فى ساعة واحدة أصيبوا بصدمة. وفى فترة ما، كانت هناك 100 جثة مجهولة الهوية، كما أن موظفى الطب الشرعى أصيبوا بالقرف وما عاد لديهم إمكانية التعاطف الإنساني، وصار الوضع مثيرا للاشمئزاز، وفى بعض الأحيان لا يأتى أحد لتسلم الجثة وتأتى جثث جديدة . هناك من ذهب عقب حدوث تفجير يسأل عن قريبة له فى المستشفى فلم يجدها، وذهب إلى المشرحة فوجد جثثا سليمة وأعضاء متفرقة، فقيل له: «جمع لك حد وخذه». يقول السعداوي: حوادث بالغة البشاعة لكنها ليست خيالية، وإذا أخذنا هذا المسار إلى نهايته سنصل إلى «داعش» كامتداد للمشهد، ورأيى الشخصى أنه ليس مهما تكديس الحوادث البشعة ولكن قيمتها الرمزية بما تحتويه من إطلالة على الواقع. وحول التجديد فى الرواية قال «سعداوي»: ما هو الجديد الذى أطرحه؟ هو سؤال موجود فى ذهن كل كاتب، ويشعر الكاتب بالإنجاز حين يقال إنه قدم شيئا جديدا. وأضاف: الروائى العربى دائما مشغول بفكرة التجديد وما الذى سيضيفه سواء على مستوى الشكل أو الأسلوب أو التقنيات، وهو السؤال الذى استهلك جهدا وكان حافزا لظهور أساليب جديدة، المشكلة أن الرواية العربية وكل الأشياء التى أدعى أنها جديدة تعد مرحلة من الفضاء الثقافى الغربي، وتم الاشتغال عليها فى الروايات الأمريكية والفرنسية والإنجليزية. الكاتب العربى مستهلك لأنماط تكرست فى المشهد العالمي، ولم يظهر لدينا أن كاتبا عربيا طرح أسلوبا جديدا. وقال: إن جرأة الكاتب تتجلى فى استحداث شيء جديد، والرواية الفرنسية الجديدة كانت مشغولة بالتجريب، وهناك كُتَّاب عرب قلدوا هذه التجارب. والرواية بهذا المضمار ابتعدت أكثر وأكثر عن القارئ. والإجابة عن سؤال مغزى الرواية: ما الذى تقدمه الرواية للمجتمع والقارئ حتى صارت مجالا للمبارزات؟. وخلص سعداوى إلى أن مسار التجديد انتهى بظهور تيار الواقعية السحرية، والعودة إلى مصادر الحكاية الأولي، وهو موجة أدب ما بعد الحداثة، والخروج من مخنق التجديد من أجل التجديد، وصارت الرؤى الفلسفية أشمل. فليس ملزما أن تختار أسلوبا محددا أكثر من إلزامك الذاتى وما تريد أن تقول. لم يعد التفكير فى أن تضيف شيئا جديدا على مستوى الشكل مطروحا، بل استخدام أى تقنية صالحة، فليست كل القصص صالحة للحكى بأسلوب واحد، الحكاية ذات الإطار التاريخى مثلا تختلف عن الذاتية والتأملية.