كثيرون لا يعلمون أن أغنية " أنت عمري" التى لحنها الموسيقار محمد عبدالوهاب لكوكب الشرق عام 1964، لم تكن هى أول أغنية تجمع بين الاثنين، فقد سبقها بعشرين عاما وبالتحديد عام 1944 لحن لم ير النور لحنه عبدالوهاب لأم كلثوم من كلمات الشاعر الرائع كامل الشناوي. ولهذا اللحن قصة، ففى عام 1944 حدث أن اجتمعا الثنائى الغنائى العملاق فى بيت الجراح المصرى الشهير الدكتور عبدالوهاب مورو، والذى كان هاويا أصيلا للطرب والغناء، وكان يحلو له أن يقيم فى بعض الليالى سهرات فنية فى بيته تضم مجموعة من كبار المطربين والمطربات ونجمات الشاشة المعروفات، كما تضم أيضا كبار الكتاب والصحفيين والشعراء، وفى إحدى الليالى اجتمع عبدالوهاب وأم كلثوم وفكرى أباظة والشاعر الكبير كامل الشناوى وتوفيق الحكيم، ومصطفى أمين ونجمة السينما ذائعة الصيت كاميليا التى كانت رمزا للاثارة والفتنة والجمال، وكانت تجمعها علاقة حب بالشاعر كامل الشناوي. وفى السهرة سألت أم كلثوم بخبث كامل الشناوى : ألم تحرك "كامليا" فيك موهبة الشعر؟! كامل: لسه! مصطفى أمين : "لأ لأ يا كامل يا خويا دى حتى تبقى عيبة فى حقك، متحيز لها ولم تكتب فيها شعر حتى الآن؟، أقل من كامليا جمالا وكتبت فيهن شعرا. أم كلثوم : لأ وايه شعر " يهوس" كامل : "يا ست ثومة أنا فى عرضك أنا مش قدك، أنا مستعد أديكى البكوية بتاعتى بس تحلى عني". أم كلثوم : "لأ أنا مش عاوزة البكوية خليها لك أنا عاوزة شعر" كامل : شعر! أم كلثوم : "أيوه شعر فى كامليا ولا أقول لكامليا عن اللى سبقوها فى قلبك"! كامل : "لأ فى عرضك! خلاص هكتب، هاتولى ورقة وقلم". وكتب يقول : لست أقوى على هواك ومالي/ أمل فيك فارفقى بخيالي/ إن بعض الجمال يذهل قلبى فكيف كل الجمال؟ وبمجرد ما ألقى كامل الشناوى قصيدته حتى صاح الجميع إعجابا، وترنموا على إيقاع قصيدة كامل الشناوى المرتجلة، وكان أكثرهم طربا وترنحا فكرى أباظة الذى قام إلى العود الذى علقه رب البيت الدكتور مورو على الحائط، وجاء به مقترحا على عبدالوهاب أن يلحن أبيات كامل الشناوي، وأن تغنيها أم كلثوم، وتهلل الجميع فرحا بهذا الإقتراح، ووافق عبدالوهاب على التلحين، ووافقت الست على الغناء. وقال عبدالوهاب فى حماس: "ناولنى العود يا خويا ناولنى، عنده حق كامل ما هو شاف " كل الجمال"! أم كلثوم ضاحكة: ما ظنش أنه شاف " كل الجمال"، لحن يا محمد لحن! وأمسك عبدالوهاب بالعود ومضى يلحن الكلمات، واستهوى اللحن أم كلثوم فراحت تترنم به فى صوت خفيض، ثم انطلقت تغنى بمل صوتها وإمتاعها، وتجلت الست وتسلطنت وتركت أداءها المعجز يقودها وسط صيحات الحضور الذين استمتعوا بلحن لم يخرج للنور بعد إنتهاء هذه السهرة، حيث خشيت أم كلثوم أن تغنى لحنا لعبدالوهاب فتغضب عشاق صوتها، الذين كانوا يعتبرون عبدالوهاب عدوها اللدود. ولم يكن هذا هو اللقاء الأول فقبل عشر سنوات أى فى منتصف الثلاثينات غنيا معا لحنا للموسيقار سيد درويش، حيث جمعت بينهما سهرة فنية فى بيت المحامى الشهير عاشق الموسيقى والطرب "على خيرت " والد الموسيقار أبوبكر خيرت أول عميد للمعهد العالى للموسيقى العربية " الكونسرفتوار"، وأول من أعاد توزيع ألحان الشيخ سيد توزيعا بأوركسترا عالمية فى مقطوعاته.