أطرف تعليق يمكن أن نبدأ به هذا الموضوع هو «الأم المصرية تتفرج على برامج الطبخ 24 ساعة فى اليوم وفى الآخر وتلاقيها عاملة لك فاصوليا». هذا التعليق انتشر على مواقع التواصل الاجتماعى وتناقله الشباب مؤكدين صحته.. فهناك نسبة كبيرة من السيدات نستطيع أن نقول أنها مدمنة برامج الطبخ حيث تقضى وقتا طويلا تشاهد هذه البرامج، وهو ما تشير إليه بعض الأبحاث من ارتفاع نسب مشاهدة برامج الطبخ فى مصر، فمنهن من تحرص على المشاهدة وتجرب باستمرار الوصفات الجديدة، ومنهن من تكتفى بالمشاهدة.. وقد تعددت هذه البرامج بشكل كبيرسواء فى الإذاعة أو التليفزيون، ثم أدى إنشاء قنوات مخصصة لها إلى زيادة الإقبال عليها، ولاشك أن شهر رمضان يكون الأعلى فى نسب المشاهدة. شخصية المقدم عليها عامل كبير فى نسب المشاهدة، فكل مقدم له وجهة نظر فى طريقة تقديم برنامجه ومحتواه، فمنهم من يعتمد على الشكل بصورة أكبر، ومنهم من يركز على فكرة الأكل البيتى باستخدام المكونات الدسمة مثل السمن، وهناك اتجاه آخر يعمل على مفهوم الأطعمة الصحية، وقد تطورت شخصية المقدم وأصبح هناك تواصل بينه وبين الجمهور من خلال التليفونات والرسائل ووسائل التواصل الإجتماعى التى دعمت هذا التواصل بشكل كبير، بل وأصبح بعضهم نجوما، ويقدمون إعلانات، ولهم لزمات يرددها الناس مثل «يا جماله ياجماله»..
لماذا تتابعين برامج الطبخ؟
عن الأسباب التى تدفع السيدات إلى متابعة هذه البرامج تقول ياسمين (موظفة): «كنت مواظبة على قناة لبنانية للطبخ منذ بدايتها، وبالأخص الإنجليزى جيمى أوليفر الذى كان يهتم بعمل أكل صحى فى المدارس الأمريكية لمواجهة انتشار السمنة بين الأطفال، وجربت بعض الوصفات والتى ما زلت أطبخها حتى الآن ويعشقها أولادى مثل أصابع الدجاج المحمرة فى الفرن، أهم ما شدنى لهذه القناة هو التعرف على ثقافات مختلفة من خلال عرضهم لأكلات من مختلف البلدان، وقد توقفت عن مشاهدتها لانشغالى بالمسئوليات ولكنى أستطيع الآن الحصول على أى وصفة من خلال موقعهم الالكترونى أو أى موقع آخر متخصص».
أما ريهام (صحفية) فهى»غاوية» برامج الطبخ وتتابعها بشغف على قناة محددة مخصصة لهذا الغرض، لأنها تقدم باستمرارأكلات جديدة أو حتى عادية لكن بطريقة جديدة من خلال إضافة مكونات مختلفة تكسبها طعما جديدا، بالإضافة إلى النصائح الكثيرة للمنزل والمطبخ، والتعريف بالمكونات والأدوات الجديدة للطبخ والتى كانت تراها فى المحلات ولا تعرف كيف تستخدمها، وهى تجرب حوالى 50% من الوصفات التى تشاهدها وتناسب ذوق أولادها وزوجها فى الأكل».
تؤكد رضوى (ربة منزل) أن هذه البرامج مبهجة ومريحة للأعصاب، فكلها أفكار وألوان سواء فى الجو العام أو الوصفات، وقد اتجهت إلى مشاهدتها بعدما تشبعت من البرامج الحوارية والأخبار التى تثير الأعصاب وتعكر المزاج.وتضيف:» وأنا مواظبة على تجربة الوصفات الجديدة وأدونها ثم أبدأ فى تحضير المكونات وشراء الناقص منها لإعداد الوصفة وأشعر بعدها بالإنجاز لأنها من صنع يدى وليست جاهزة. وبناتى أيضا حريصات على مشاهدتها وأحيانا تعددن بعض الوصفات. وأرى أن هذه القنوات خلقت صلة وطيدة بينها وبين المشاهدين من خلال ربطهم بالمقدم أو البرامج مما يزيد من عدد المشاهدين، ويجعل كثيرا من السيدات يتنافسن ويتسابقن فى تجربة الوصفة ونشرها على الجروب الخاص بمقدمة البرنامج.»
كونى واعية لما تشاهدين
ماجى حبيب مقدمة أحد البرامج تؤكد على صحة كلمة «إدمان» لأن مشاهدتها لا تحتاج إلى تركيز عميق حيث تكون المشاهدة فى حالة استرخاء واستسلام وبالتالى تطول ساعات المشاهدة على عكس البرامج الحوارية التى تتطلب مجهودا ذهنيا لمتابعتها ومن ثم لا تطول أوقات مشاهدتها، كما لاحظت أن نسبة كبيرة من المشاهدات الدائمات يقل دخولهن المطبخ حيث يحدث لديهن تشبع من المطبخ وتصبح علاقتهن بالأكل علاقة تليفزيونية فقط، كما تشير إلى مشكلة أخرى لإدمان هذه البرامج وهى أنها مثيرة للشهية والجوع، سواء تحفيزه للطبخ أو حتى «الرمرمة» أو طلب أكل خارجى، لذلك ترى أن المشاهدة عليها أن تكون واعية لما تتابعه ولا تترك نفسها بالساعات أسيرة المشاهدة، كما عليها أن تختار البرامج المفيدة التى تقدم معلومة أو طعاما صحيا ومفيدا، أو تكنيك الطبخ، وتبتعد عن مثيلاتها التى تعتمد على الإبهار أكثر من تقديم طعام مغذ.
البحث عن عالم افتراضى
وعن تحليل الأسباب وراء هذه الظاهرة تقول د. هبة محمد وجيه قطب أستاذة علم النفس بالجامعة الأمريكية: «ربما يبحث هؤلاء عن عالم افتراضى يحققون فيه ما لا يستطعيون تحقيقه فى العالم الواقعى، فكل شئ جميل فى هذه البرامج من حسن التنسيق، والألوان المبهرة، وجمال المطبخ وحتى أناقة المقدم، وقد يقبل عليها أيضا رغبة فى الهروب من الأحداث السياسية التى سيطرت علينا طوال السنوات الماضية كما أن الأكل فى حد ذاته متعة لدى الكثيرين قد تصل للإدمان، وبالتالى فهم يشعرون بالسعادة عند مشاهدة برنامج طبخ حيث يمثل لهم نوعا من الإشباع والتعويض العاطفى، وهى نفس الفكرة فى أى نوع من الإدمان سواء المخدرات، أو الإنترنت، أو رياضة معينة مثل إدمان البعض الذهاب للجيم حيث يسيطر عليهم فكرة معينة لا يستطيعون التخلص منها، وعلى العكس قد يدمن البعض برنامجا حواريا معينا بحثا عن الصخب والتشويق فى الأخبار السياسية والحزينة.»
تضيف:» أى نوع من الإدمان مرفوض، فإذا وجدت نفسك لا تستطيعين الاستغناء عن هذه البرامج، فلابد من التوقف فورا وتقنين المشاهدة ببرنامج واحد على سبيل المثال ثم البحث عن بدائل أخرى لقضاء الوقت مثل ممارسة رياضة معينة أو إنجاز بعض المهام المعلقة فى المنزل لأن هؤلاء غالبا ما يؤجلن أشياء كثيرة فى منزلهن وحياتهن بشكل عام للتفرغ للمشاهدة، وقد أدى التنوع الكبير فى المحتوى من طبخ شامى وشرقى وإيطالى وغيره إلى الانفتاح على عالم أكبر من مجرد البرنامج التقليدى المعروف لمنى عامر على سبيل المثال.» وتحذر من النمط الاستهلاكى لهذه البرامج وهو أحد مساوئها حيث تدفع المشاهد إلى شراء أنواع بعينها للوصفة، ثم يسيطرعلى المشاهد شراء نفس المنتج المذكور للوصول إلى النتيجة المرجوة.