إذا كان الغرب قد أحرز قصب السبق فى مجال الاكتشافات التى يبهر بها العالم بين الحين والحين، فإن الشرق يحتوى على كنوز مطمورة، تنتظر من يخرجها إلى الحياة، لكى تتعلم الإنسانية كيف تسلك طريقها. و الواقع أن الشرق والغرب طرفان لا يملكان ترف القطيعة، وإقامة الحواجز بينهما.. ولا مفر من الجهد، لكشف المطمور وصياغته من جديد ليلائم العصر. .. و حول المقارنة بين الطرفين فى مجال الآداب، يدور كتاب «الأدب المقارن : المفهوم والتطبيق «.. للناقد الأدبى الدكتور حلمى القاعود الأستاذ بجامعة طنطا، الذى يستدعى فى البداية افتتاحية أحمد أمين للعدد الأول من مجلة الثقافة المصرية عام 1939م .. والتى نسف فيها تلك الأحادية المقيتة التي انقسمت إليها النخب في بلادنا، ممن يتعصبون لتراثنا دون جهد يكشف كنوزه وجواهره، ومن ينحازون إلى الغرب دون وعي أو تمحيص.. والطرفان لا يحملان خيرا للأمة، ولا يحركان قاطرة النهضة الفكرية والثقافية والحضارية إلى الأمام، وهو ما يقتضي أن يبذل العرب جهدا فائقا في العمل على الجبهتين للإفادة من التراث والغرب جميعا. و يشير الكتاب إلى أنه، وفي سياق النهضة الأدبية التي شهدها النصف الأول من القرن العشرين، بدأ البحث الجدّي عن « الأدب المقارن «.. ذلك العلم الذي سبقت إليه فرنسا، وأسست له ، وجعلت أوروبا والولايات المتحدة تلتحق بركبه ، مع تفاوت في الرؤية والتنظير .. وكانت هناك جهود فردية مخلصة لفكرة البحث والمعرفة والإفادة العلمية من الغرب، هيأت المجال لجهود أكاديمية في الجامعة المصرية ، توجت برحلة « محمد غنيمي هلال « إلى الغرب (باريس تحديدا) ليعود وهو يؤسس علميّا ل « الأدب المقارن «، ويقدم كتابه الذي حمل هذا الاسم ، وصار عمدة للباحثين من بعده . وتتوالى البعوث العلمية والدراسات النظرية والتطبيقية ، ويصدر « الطاهر أحمد مكي «، بعد ثلاثة عقود من الزمان تقريبا، كتابه « الأدب المقارن : أصوله وتطوره ومناهجه « ليضيف ما استجد من تطورات إلى الأدب المقارن ومباحثه . ويعرض الكتاب لمفاهيم الأدب المقارن وقضاياه في القسم الأول؛ متناولا تعريفات الأدب المقارن ومسمياته ومفاهيم الأدب القومي والأدب العالمي والمثاقفة، ونشأة الأدب المقارن في الأدبين الغربي والعربي ، محاولا التركيز على أبرزالتحولات في بلورة العلم هنا وهناك ، مع بيان عُدّة الباحث، وميادين البحث، وفوائد الأدب المقارن.. ثم يتناول الأجناس الأدبية والنماذج البشرية وأثرها في الآداب العالمية. وفي القسم الثاني يعالج بعض النماذج والتطبيقات التي نتجت عن الصلات التاريخية والتأثير والتأثر، مثلما وضح في كتاب كليلة ودمنة، والكوميديا الإلهية، والفردوس المفقود، وأسطورة أوديب، والأديب الألماني جوتة. و الكتاب ببساطة شديدة يفتح الباب أمام الطلاب والباحثين الشباب في لغة سهلة ودقيقة ليستشرفوا علما ما زال جديدا بالنسبة لنا؛ وهو الأدب المقارن، الذي تفيد منه الإنسانية كلها حين يقرب بين الشعوب، ويدق مسمارا في نعش العنصرية الغربية والمركزية الأوربية، ويفسح المجال للتسامح وبناء علاقات بشرية على أساس من التكافؤ والمساواة والأمل . وفي الكتاب قائمة بالإصدارات التي تناولت الأدب المقارن في أرجاء العالم العربي، يفيد منها المهتمون بالبحث في هذا العلم المهم.
الكتاب: الأدب المقارن.. المفهوم والتطبيق المؤلف: د. حلمى القاعود الناشر: دار النشر الدولى بالرياض الصفحات: 350 2015