فى بولاق أبوالعلا. وبمجرد أن تطأ أقدامك عتبة باب محل ترزى عربى قديم قدم الشارع والمكان . لا تتمالك نفسك من الدهشة وتظل محملقا تتأمل المكان وروحك مثل طائر حر فرحان تطوف وكأنها ملاك المحبةان لم تكن تراها ترقص فرحا لما ترى وتسمع، فصاحب هذا المحل القديم ترزى عربى. وجدران المكان معرض كبير لصور المسيح والعذراء مريم والصنايعية الذين يعملون معه كل واحد فيهم مشغول فى حياكته وتطريزه، الركبة متنية والإبرة فى الجلابية والخيط فى الفم الساكت بين شفايف الرزق والرضا والعيون الدبلانة بتدور على خرم الابرة حتى تستريح. لكن ما يجعل القلب يبتهج والدهشة تهتف "الله". هو اختلاط صورة العذراء والسيد المسيح بصوت القرآن الصادر من راديو صغير بجوار احد العاملين الذى لا تحتاج ان تتعرف عليه. فهو يتلو الآيات مع قارئ الاذاعة وعلامة السجود تركت اثرا على جبهته والتزامه الدينى مرسوم فى هدوئه وصمته، وهناك على اليمين زميله يسمع فى تركيز الشيخ كشك وأعلى رأسه نتيجة العام تحمل صورة العذراء سألت الترزى صاحب المحل: ايه الحكاية صور للعذراء وصوت القرآن. ابتسم عماد ابوخلف صاحب المحل وقال: . ثلاثتنا يحب الآخر. ونحن الثلاثة اصدقاء. أنا مسيحى وهما مسلمان وأبناء حى واحد بولاق أبوالعلا. هنا مصر الحلوة يا أستاذ. كلما تذكرت هذه الصورة و التى أكاد اعايشها يوميا عند قدومى إلى مقر الصحيفة وانصرافى منها، اشفق كثيرا على هؤلاء المرضى والمجانين الذين يراهنون على الارهاب يوما والتناحر الطائفى والفتن المذهبية قد تسكن هذا الوطن، فالروح المصرية لمن لايعرف وكما كتب عن ذلك جمال حمدان ما هى إلا تراكم لمزيج من قيم متعددة فرعونية ومسيحية وإسلامية ، هى حالة من التسامح والوسطية والاعتدال والبعد عن كل شوائب الغلو، وأدران التطرف، وأمراض التعصب، واضطرابات الجمود والشطط، هكذا سيجد المصرى نفسه دائما، إذا وقف للحظات أمام مرآة يتأمل نفسه، والغريب انه لايكلف خاطره بأن يعرف لماذا هو ورغم كل هذه المعاناة محبا للحياة، محبا للفن، مرحا، متدينا، بلا إفراط ولا تفريط، وفى عقله وعى. ويقول احد المستشرقين جيلبير دي شابرول تتجمع في مصر على وجه التقريب كل عبادات ومذاهب الدين الإسلامي من المذهب الحنفي، إلى المذهب الشافعي إلى المالكي أما أتباع المذهب الحنبلي فهم نادرون لحد كبير ويستطرد قائلا سوف يندهش القارئ الذي يتعود على الدوام أن يقرأ في كتب التاريخ عن المعارك الدامية التي تتبع الحركات والانشقاقات الدينية حين يعرف أن كل هذه المذاهب في مصر هي متسامحة وليست ثمة اضطهاد من جانب أقواها كما لا يفكر أحدها على الإطلاق في الحصول على أنصار له من أبناء المذاهب الأخرى وهذا ما يدل على اعتدال شديد. وقد شهد التاريخ المصرى أمثلة على ذلك أيام ثورة1919 ومعها ظهرت أغانى سيد درويش الرائعة وأعمال مختار الخالدة وإبداعات بديع خيرى وبيرم التونسى وطه حسين والعقاد ومحمود سعيد وأحمد صبرى ويوسف كامل. سيظل يؤمن الإنسان المصري، حتى دون أن يقرأ ذلك، بجوهر ما قاله المتصوف الأندلسى محيى الدين بن عربى المكان الذى ليس مكانة لا يعول عليه ومصر كانت عبر التاريخ، مكانا، ومكانة وستظل كذلك. زميلنا الفنان والمصور الصحفى المبدع شريف سنبل ومن منطلق كل هذه الثوابت سعى وبعدساته الباحثة عن اسرار تلك العبقرية الكامنة فى الشخصية والمكان وقد نجح فى أن يجسد لنا وعبر معرض كامل سيتم افتتاحه يوم الاثنين اى خلال 48 ساعة، ان يحكى لنا هذه الاوصاف ويرسم ملامحها عبر لقطات، كل لقطة منها كتاب تاريخ يرصد وباقتدار ان مصر هى ثلاثية من الاطمئنان والتسامح والايمان لكل الاديان اليهودية والمسيحية والاسلامية، واما الحكايات التى حصلنا عليها من هذه الصورة فقد تدهشك فعلا. فهل تعرف أن من بنى مسجد "المرسى ابو العباس" هو ايطالى مسيحى الديانة قدم من ايطاليا إلى مصر فى عام 1921م بهرته العمارة الاسلامية فى القاهرة عندما قدم إليها ليشيد فيما بعد اعرق واضخم والذى تجلت عبقرتيه فى إعادة إنتاج فن العمارة الاسلامية بروح معاصرة، مستفيدا من مواد البناء وطرق التشييد الحديثة، فكانت أول أعماله توسعة مسجد "الرفاعى" بروح العمارة المملوكية ليكون مدفنا لأسرة "محمد على" ومسجدا فى ذات الوقت، فنجح فى محاكاة ضخامة مدرسة "السلطان حسن" المواجهة له، متوحدا مع نسيج العمارة المملوكية والفاطمية المحيطة بالمكان فى بانوراما سيميترية واحدة، واستطاع "روسى" ان يطور العمارة الاسلامية للمساجد، فلم يلتزم بالقبة الكبيرة للمسجد ليحل اشكالية المكعب الذى يرسو على قمته نصف كرة، والتى كانت تواجه العمارة الاسلامية منذ خروجها من الجزيرة العربية، فقام بتصميم مسجد "المرسى أبى العباس" فى الإسكندرية على نحو يعد مفاجأة فى تاريخ العمارة الاسلامية، حيث اختار أن يكون السقف مسطحا يرسو على ثمانية اضلاع، فجمع بين تعدد اضلاع مدرسة "السلطان حسن" فى القاهرة، وسقف مسجد "قبة الصخرة" فى القدس، ثم قام بوضع أربع قباب فى أركان الاضلاع الثمانية، وزاد على ذلك بأن جعل المئذنة وسط الواجهة فبدت بخداع بصرى للرائى من بعد وكأنها تتوسط القباب، واستغنى عن صحن المسجد الاوسط مستعيضا عنه بمزاغل للإضاءة المرتفعة يتسلل منها الضوء عبر النوافذ العلوية فى القباب، وكان مسجد "المرسى أبو العباس" أول مسجد يقوم "روسى" باستيراد اعمدته من ايطاليا، حيث بلغت قيمة العمود الواحد 600 جنيه مصر، فأتم بناءه فى ست عشرة سنة وافتتح للصلاة فى العام 1945م . وما أن انتهى "روسى" من بناء مسجد "المرسى ابو العباس" حتى شرع فى العام 1948م فى تشييد مسجد "القائد ابراهيم"، وكان قد أشهر إسلامه فى مسجد "المرسى أبى العباس" فى العام 1946م، فتوحد عقلا، ووجدانا بالعمارة الإسلامية، فجاء تصميمه لمسجد "القائد ابراهيم" كاشفا عن حالة الوجد العرفانية التى يمر بها، فعبر عنها بدقة منمنماته التى جلبها من العمارة الاندلسية فى العقود المفصصة التى رشقها على واجهة المسجد، وجعل القبة أعلى المحراب حادة لتحتوى الوجود الكونى فى شكل قبة السماء الجاثية فوق وجهة المصلين، فمنح صحن المسجد سكينة البحث عن الحقيقة الإلهية فى غاية البصر اللانهائية، ومن أجل مقاومة ارتفاع المبانى المجاورة للمسجد، قصر من ارتفاعه، مع مئذنة عالية بدرجة مبالغ فيها، على غير المألوف فى المآذن، بل جعل قبة المئذنة مضلعة مثل مآذن العمارة الأيوبية، فبدت بموتيفاتها الأندلسية وكأنها مبخرة تفوح منها روائح الصفاء، والسكينة الروحية مع اصوات الآذان المنبعثة منها خمس مرات فى اليوم، وبدى مسجد "القائد ابراهيم" من بعيد كعابد يؤدى طقوس السجود والركوع، والقيام ، فمنح تصميمه الخارجى حركة المصلين. وهل تتخيل أن مسجد الرفاعى يحمل فى طياته أسمى معانى التسامح ورفض الطائفية، إذ ضمت جنباته رفات ملوك مصر ومشايخها السنيين، وكذلك رفات ملوك ايران الشيعيين، وكذلك مسجد أحمد بن طولون الشيعى الذى تعلو مآذنه فى القاهرة السنية، فى مشهد يلفظ النزاعات الدينية الطائفية، فمسجد الرفاعى ذلك الذى اختارته "خوشيار هانم" والدة الخديوى إسماعيل عندما كان عبارة عن زاوية صغيرة عام 1869 يطلق عليها زاوية الرفاعى بالقرب من ميدان صلاح الدين بالقلعة جنوبالقاهرة، ليصبح فيما بعد مثوى لرفات العديد من أبناء أسرة محمد علي. فقد شُيّد مسجد الرفاعى على أرض مسجد آخر كان يُسمى مسجد الذخيرة بنى فى العصر الأيوبي، فقد قام كبير مهندسى مصر آنذاك، حسين باشا فهمى وكيل ديوان الأوقاف، بوضع تصميم لبناء المسجد ومدافن الأسرة المالكة وقبتين للشيخين على أبو شباك ويحيى الأنصارى، غير أن البناء توقف عام 1880 لإدخال تعديلات على التصميم، ثم جاءت وفاة "خوشيار هانم" عام 1885 لتحول دون إتمام البناء رغم دفنها فيه بحسب رغبته، .ولمدة ربع قرن ظل البناء متوقفًا حتى تولى الخديوى عباس حلمى الثانى عرش مصر، وكلف هرتس باشا مدير الآثار المصرية آنذاك، إكمال بناء المسجد عام 1911، وافتتح للصلاة عام 1912 يوم الجمعة الموافق غرة محرم عام 1330 ه، ، وضم المسجد قبور عدد من المشايخ من بينهم أبو شباك ويحيى الأنصارى وحسن الشيخوني، ورغم أن هذا المسجد يعرف بالرفاعى نسبة للشيخ أحمد الرفاعى شيخ الطريقة الصوفية المعروفة بالرفاعية، إلا أنه لم يُدفن به، بل إنه لم يدفن فى مصر كلها، غير أن هذه التسمية لازمت الزاوية نسبة للشيخ المدفون به على أبى شباك وهو من ذرية الشيخ الرفاعى، وضم ايضا رفات أبناء الخديوى إسماعيل وحيدة هانم وزينب هانم وعلى جمال الدين وإبراهيم حلمى وأيضًا "خوشيار هانم" والخديوى إسماعيل وزوجاته شهرت فزا هانم وجانانيار هانم، وجشم آفت هانم والسلطان حسين كامل ابن إسماعيل، وأخوه الملك فؤاد وآخر ملوك الاسرة العلوية فاروق . وشاء الله تعالى أن يُدفن فى تلك المقابر شاه إيران الأخير محمد رضا بهلوى، الذى كان فى يوم من الأيام زوجًا للأميرة فوزية شقيقة الملك فاروق، والتى طُلقت منه فى منتصف الأربعينيات، وجاءت نهايته وطريقة دفنه فى مقابر الرفاعى درامية للغاية، حين انهار ملكه عقب قيام الثورة الإسلامية فى إيران عام 1979، وتم نفيه، حيث لم يجد من يستقبله سوى الرئيس الراحل محمد أنور السادات وعند وفاته أمر بدفنه فى مسجد الرفاعي، حيث يقع قبره على يمين المدخل الملكى من ناحية الغرب فى غرفة رخامية منفصلة. الطريف أن هذه الغرفة تربطها علاقة صلة قوية بعائلة الشاة، حيث كانت قبرًا لوالده الشاه رضا بهلوى، الذى خلعته إنجلترا أثناء الحرب العالمية الثانية ونفيه إلى جنوب إفريقيا، ووضعت ابنه محمد على العرش عام 1941، وبعد ثلاثة أعوام مات رضا بهلوى فى منفاه ودفن فى مسجد الرفاعى فى فترة زواج الأميرة فوزية بشاه إيران، وعقب حدوث الطلاق قرر الشاه إعادة جثمان والده إلى طهران ليعود هو ذاته بعد أكثر من ثلاثة عقود ليدفن فى الغرفة ذاتها .