استيقظ المصريون أمس الأول على فاجعة مؤلمة، عندما راح حوالي40 طالبا بين محترق ومتوف ومصاب ضحية لحادث تصادم البحيرة المؤلم، وقبلها بأيام قليلة أزهقت أرواح 11 طالبة جامعية فى حادث مماثل، وذلك ضمن سلسلة الكوارث التى يتعرض لها التلاميذ أخيراً ولم تقتصر على حوادث الطرق، فالإهمال القاتل طال أرواح 6 أطفال داخل مدارسهم، وتكتمل أركان المأساة بحوادث التسمم بالوجبات المدرسية، ليصبح الطلاب ضحية دائمة للإهمال والتسيب سواء فى الشارع أو داخل أسوار المدرسة. وبرغم أن وزارة التربية والتعليم خصصت مليارا و400 ألف جنيه منها 600 ألف معونات أجنبية لتوفير وجبة غذائية يومية لنحو 16.5مليون من تلاميذ المدارس خاصة فى المناطق الفقيرة، فإن نسبة عالية منها تتعرض للتلوث الذى ينتج غالباً من سوء التخزين أو التداول غير الصحي، وهو ماظهر فى أزمة التسمم الغذائى التى تكررت فى العام الماضى وقبله ثم عاودت الظهور فى العام الدراسي الحالى بعد مضى شهر فقط ليبدأ موسم دراسى مأساوي، بعد إصابة التلاميذ بالتسمم الناتج عن البكتيريا والفيروسات القاتلة أحيانا، والمتهم فيها مصانع أغذية من نوعية (بير السلم)، إضافة للشكوك المثارة حول مصانع وزارة الزراعة والتى يبلغ عددها 15 مصنعا تورد الوجبة بسعر 1.15 جنيه. بداية ترى الدكتورة فادية أبو شهبة أستاذ البحوث الجنائية أن حادث البحيرة الأخير وغيره يدل على مدى الاستهتار الشديد بحياة الناس من جانب السائقين الذين يسيرون بسرعة قاتلة دون مراعاة لحياة الناس، خاصة مع وجود أعداد الكبيرة من الطلاب فى الشوارع هذه الأيام نتيجة حركة التلاميذ الى مدارسهم وكلياتهم وهم يتحركون بالملايين يوميا، وهو سر ارتفاع نسبة الوفيات بالحوادث فى الوقت الذى يشهد فيه الشارع كثيرا من التسيب وعدم احترام القانون، فكثيراً ما نكتشف أن السائق يسير فى حالة تخدير مع سرعة زائدة مما نتج عنه حالات كثيرة من الوفيات في العام الدراسى الحالي، بسبب فهلوة السائقين الذين ينحرفون فجأة بين السيارات دون مبالاة كنوع من الشطارة من وجهة نظرهم، وهنا يظهر أن مفاهيم السائقين مازالت متأثرة بعقلية الانفلات الأمنى السابق، فالاحصاءات الأخيرة كشفت عن أن 70 % من الحوادث بالطرق ترجع لعوامل بشرية بحتة، ويكفى أنه ينتج عن حوادث الطرق فى مصر 12 ألف حالة وفاة سنوياً، أما بالنسبة للمدارس فإن ما يحدث فيها جريمة بكل المقاييس، لأن التلاميذ فى حماية ورعاية المدرسة، وهم أمانة الآباء لديها، فالمدارس منظومة تحتاج للمتابعة الدقيقة من المسئولين. التسمم وحول حوادث التسمم من الوجبة المدرسية يرى الدكتور أمجد مطر أستاذ جراحة المخ والأعصاب وعميد طب قناة السويس، أن التسمم الناتج عن الغذاء فيه خطورة كبيرة على حياة التلاميذ وبرغم ما يقال عن المحاذير واللجان المتابعة من الوزارات المعنية، فإن الإهمال وعدم النظافة سبب أساسي في انتشار أنواع قاتلة من البكتيريا والتى تبلغ 12 نوعا، وتأتى مع سوء التخزين ونقص النظافة بالمعايير العلمية، فهناك مناطق لايصل إليها الغذاء إلا بالطرق البدائية ولا نضمن فيها استمرار صلاحيتها مع الغبار والحرارة وسوء التخزين أحيانا، فالبعض يعتقد أن البسكويت والذى يورد غالبا من القطاع الخاص، سهل الحفظ ويخزنه لأيام لتغطية مدارس محافظة كاملة، دون أن يدرك أن المحتويات أكثر استجابة للتلوث ونشاط البكتيريا، حتى اصبحت هذه الوجبات كابوسا لدى كثير من المدارس خوفا من المسئولية، بعد تكرار حوادث التسمم سنويا برغم تنوع الوجبات ما بين أربعة أنواع تشمل فطيرة بالعجوة وبسكويت ولبن أو وجبة جافة من جبن ومربى ورغيف خبز، وكل منها تحتاج تعاملاً خاصة لحمايتها من التلوث، خاصة تلك التى يوردها القطاع الخاص ولا تخضع لتحليلات دقيقة، علاوة على أن التلوث ربما لا يكتشف من وجبة واحدة إلا لدى الأطفال الصغار لأن المناعة لديهم ضعيفة أما الكبار فقد يظهر عليهم المرض بعد ذلك عندما يشتد عليهم وتكون عواقبه أخطر، فالتسمم يكون ناتجا عن تناول وجبة طالتها البكتيريا أوالسموم الناتجة من الفيروسات والجراثيم والطفيليات، وتكون مؤشرات الإصابة المؤكدة إذا ظهرت أعراض التسمم على شخصين على الأقل ممن تناولوا نفس الوجبة . الاعراض النفسية وأضاف عميد طب القناة أن الادعاء من جانب المسئولين بأن حالات التسمم وهمية نتيجة أعراض نفسية رغم إصابة المئات فى وقت واحد بعد تناولهم نفس الوجبة أمر مشكوك فيه، حتى ولو تناول نفس الوجبة شخص كبير دون أن يصاب بالتسمم، فالشخص الكبير لديه مناعة وقدرة على التحمل أعلى من الأطفال. والوجبة قد تترك لأيام بالمدارس التى تحصل عليها مقدما وهذا ما يحدث فى بعض المناطق وتتعرض الوجبة للرطوبة أو سوء التهوية أوتخلط مع قديمة للتوفير وتكون عادة متغيرة اللون والطعم والرائحة، ثم تحدث الأزمة الصحية بعد نحو ربع الساعة من تناول الوجبة وتسبب هبوطا فى الدورة الدموية وغثيان ورغبة فى القىء والإسهال مع آلام بالبطن وتقلصات مؤلمة بالمعدة وفقدان للشهية والشعور بالإعياء والتعب وانخفاض فى ضغط الدم ، مع ارتفاع بالحرارة وتستمر هذه الأعراض لساعات أو أيام حسب درجة التسمم وقوة المناعة، ومن الصعوبة هنا أن نحدد مصدر التلوث لأن الغذاء يمر بمراحل كثيرة ورغم توفير لجان لمراقبته فإن حلقة واحدة بين حلقات متعددة مابين التصنيع والتناول قد تكون مصدراً للتلوث. الوجبة الملوثة ويشير الدكتور فرج إبراهيم أستاذ الحساسية والمناعة إلى أن الوجبة الملوثة التى تحمل بكتيريا لا يشترط أن تسمم الجسم فى نفس اليوم بل ربما بعد يوم أو ثلاثة أيام، ومنها (السالومنيا )، وإذا طالت يد الطاهى شيئا من غذاء ملوث ومع عدم الغسيل، ومن خلال العطس والإصابة بالسعال، أوحتى عدم الطهى الجيد الذى يقضى على الميكروبات، أو التعامل دون اهتمام بالملوثات المحيطة. ويشير إلى أن هناك من تظهر عليه أعراض التسمم وآخر لاتظهر عليه مع تناول نفس الوجبة، وهذا لايمنع من تأثيرها المرضي، ولا يمكن فى هذه الحالات التأكد من درجة السمية أو التسمم إلا بتحليل الدم لمعرفة درجة ارتفاع كرات الدم البيضاء والصفائح الدموية ونسبة (الهيموجلوبين) فى الدم وتحديد مؤشرات وظائف الكلى والكبد والتعرف على نوع الميكروب المسبب للتسمم لتحديد العلاج بدقة، وتعويض فقد السوائل بالجسم بطريقة مباشرة أومده بسوائل وأملاح عن طريق الوريد وتوفير مضادات حيوية مناسبة للإصابة . منع التسمم وينصح أستاذ المناعة باتخاذ وسائل منع التسمم حتى على مستوى الفرد العادى أو المكلف بالتصنيع لتلك الأغذية بالحرص على غسل اليدين جيدا بالماء والصابون قبل وبعد إعداد الطعام المحفوظ أو المتداول باليد، وإبعاد أى وجبة لاينطبق عليها الشروط الصحية حتى ولوكان مظهرها يدل على سلامتها، إذ إن البعض ينظر للوجبة المدرسية من ظاهرها ولا يدرك مدى سلامتها، وأنه يمكن أن تظهر حالات الإصابة بالتسمم حتى بعد الخروج من المدرسة أو فى اليوم التالى بعد انتشار البكتيريا ونشاطها بالجسم تلوث الغذاء أما الدكتور مجدى بدران أستاذ طب الأطفال بجامعة عين شمس فيؤكد على ضرورة اتخاذ اجراءات لمنع تلوث الغذاء حتى فى حالة التخزين المؤقت بمنع وصول القوارض والحشرات إليه بوضع سلك شبك قوى فى المخازن وعنابر التصنيع، وضمان نظافة وصحة المتعاملين مع الوجبة، وسلامة المطابخ والمراوح المستخدمة للتهوية مع توفير صرف صحى جيد جدا، وأسطح تقطيع وتصنيع نظيفة مع تجنب مسببات انتقال الميكروبات من المصابين خاصة العمال إلى الأغذية المكشوفة فى فترة التصنيع، وتجنب وجود مياه ملوثة والحشرات التى تعد أكثر الوسائل انتشاراً فى نقل البكتيريا المسببة للمرض، كما يجب توفير خامات تصنيع الوجبة المدرسية من شركة أو بائع مضمون واختيار الأجود قيمة وصحة حتى لو كان الأغلى ونتجنب الشركات الساعية للربح على حساب الجودة، ويفضل أن تتجه الوزارة لتقديم وجبات ساخنة مطهية جيداً، لأنها أكثر ضمانا من حيث منع التلوث مع إلزام العمال باستخدام القفازات فى التعامل أثناء التصنيع والتغليف.