جاء فى التقارير المنشورة عن دورة مؤتمر المستشرقين التى انعقدت فى أكسفورد فى سنة 1928 أن طه حسين شارك فيها بورقتين بحثيتين بالفرنسية: إحداهما عن استخدام ضمير الغائب فى القرآن كاسم إشارة، والأخرى عن المعتزلة وليبنتز. وقد نشر طه حسين الورقة الأولى فى باريس فى طبعة محدودة ونادرة. ولكن أحد أصدفائى وجد لحسن الحظ نسخة منها فى مكتبة مدرسة اللغات الأفريقية والشرقية (لندن)، وأحالها إلى فترجمتها فى كتاب "من الشاطئ الآخر"، كتابات طه حسين الفرنسية، المجلس الأعلى للثقافة، 2008. أما الورقة الثانية، فلم أجد لها أثرا. فطه حسين لم يحرص على نشرها كما فعل فى حالة الورقة الأولى. ومؤتمر المستشرقين فيما علمت لا يحتفظ بنصوص الأوراق التى تلقى فيه. وقد بحثت عن المقالة فى كل الأماكن المألوفة – دون جدوى. ولشد ما كان أسفى عندما انتهيت يائسا إلى أنها فقدت إلى الأبد مع ما فقد من كتابات طه حسين الفرنسية. وكيف لا أشعر بالأسف، والمقارنة التى عقدها طه حسين فى ورقته تلك بين المعتزلة وبين الفيلسوف الألمانى ليبنتز (1746-1716) موضوع جدير بأن يثير اهتمام أى باحث فى مجال الفكر الإسلامى وتاريخ الفلسفة بصفة عامة؟ وقد خيل إلى منذ قرأت خبر المقالة أن إقدام طه حسين على تلك المقارنة مغامرة تنطوى على كثير من الجرأة، ومن المرجح أن تبوء بالفشل. فمن الجائز أن تعقد مقارنة بين الفيلسوف المذكور وبين فرقة أخرى من فرق المتكلمين المسلمين هم الأشاعرة. وذلك أن طرفى المقارنة فى هذه الحالة قاسم مشترك واضح هو أن كليهما ذهب إلى أن العالم يتألف فى نهاية المطاف من جزيئات بسيطة لا تتجزأ: "الجوهر الفرد" فى حالة الأشعرية؛ و"المونادات" (الذرات الروحية) فى حالة ليبنتز. أما عقد المقارنة بين المعتزلة وليبنتز، فيواجه فيما بدا لى هوة لا تعبر. فكيف استطاع طه حسين أن يعبرها – إذا كان قد عبرها؟ لن يجيب عن سؤالى المحير إلا أن أطلع على المقالة. ولكن المقالة لا أثر لها. وظل السؤال لسنوات طويلة معلقا دون جواب يلح على فأنصرف عنه تارة ليعود إلى تارة أخرى – إلى أن اهتديت مؤخرا إلى المقالة كما أملاها مؤلفها على من طبعها على الآلة الكاتبة فى سنة 1928. وجدتها بين أوراق طه حسين المهملة: ورقة صغيرة تتألف من أربع صفحات لا غير على شكل مسودة مؤقتة. ففى المتن فراغات بيضاء تركها المؤلف فيما يبدو ليدرج فيها مصطلحات عربية عند قراءتها على المجتمعين؛ وهناك إحالات مرقمة إلى مراجع لم تستكمل بياناتها كما ينبغى فى الحواشى. وإنه لمن حسن الحظ أن الورقة قاومت مر الزمان ونجت من عبث العابثين. وجاءت إلينا لترينا طه حسين فى صورة غير مألوفة، ولتؤكد لنا مرة أخرى أن الرجل كان ثاقب النظر. فقراءة المقالة تثبت أن المقارنة بين المعتزلة وبين ليبنتز موضوع له وجاهته رغم شكوك الوهلة الأولى؛ وأن هناك بالفعل أوجها شبه لافتة بين الطرفين. ويسعدنى اليوم أن أضع هذه المقالة الثمينة مترجمة بين يدى القراء. ولكن لماذا وقع اختيار طه حسين على ذلك الموضوع الكلامى الفلسفى الذى يبدو بعيدا عن اهتماماته الأدبية؟ يقول الكاتب فى الفقرة الأولى من المقالة إن الأفكار التى ترد فى كتابات ليبنتز ما زالت تناقش فى الأزهر عند دراسة المعتزلة. وتذكرنا هذه الإشارة العابرة بأن طه حسين اطلع على تلك الأفكار وشهد ما يدور حولها من جدل عندما كان طالبا فى الأزهر يدرس علم التوحيد، وهو علم الكلام فى صورته الأزهرية. وتذكرنا أيضا بحقيقة مهمة أخرى نميل إلى نسيانها، وهى أن ذلك الجدل استقر فى نفس طه الطالب الأزهرى الفذ وظل يدور فى ذهنه على نحو أو آخر طيلة حياته وفى جميع مراحل تطوره ككاتب. مما يدل على ذلك أنه اختار أبا العلاء موضوعا للدراسة فى أول دكتوراه حصل عليها من الجامعة المصرية (1914). وأبو العلاء هو الشاعر "الحكيم" (الفيلسوف) الذى تصارع فى شعره مع تلك المسائل الكلامية الكونية. وطه حسين عندما اختار ذلك الشاعر موضوعا للدراسة فصل القول فى فلسفة أبى العلاء، وصدر دراسته بمقدمة كلامية فلسفية يجد القارئ فيها مفاهيم مثل "الجبر" و"الاختيار" و"الكسب" (كما يقول الأشعرية)، ويرى فيها إعلان كاتبها صراحة أنه هو نفسه يؤمن بالجبر (فى التاريخ). غير أن ذلك الاهتمام المبكر بمثل تلك القضايا لم ينقطع بعد رسالة الدكتوراه، بل تغلغل فى أعمال طه حسين الأدبية وظل يتردد فيها بصورة أو بأخرى. فهو لا يكف عن زيارة أبى العلاء؛ ويؤثر شعراء "حكماء" مثل المتنبى وأبى تمام؛ ويركز على جانب المآسى من الأدب اليونانى القديم (وعلى قصة "أوديب" بصفة خاصة)؛ ويترجم قصة "زاديج" أو القدر لفولتير. ولا أبالغ إن قلت إن طه حسين ظل طيلة حياته الأدبية ينوء بالمشكلات العلائية، ويتلمس ما يعلله ويعزيه عنها فى بعض رواياته مثل "أديب" و"دعاء الكروان" وفى سيرته الذاتية كما رواها فى "الأيام". ولئن وجه طه حسين مقالته إلى باحثين متخصصين وكتبها بأسلوب علمى مجرد، فإن المقارنة التى يعقدها بين المعتزلة وليبنتز تمثل عودة إلى اهتماماته الكلامية الفلسفية الدائمة وتؤكد حضورها المستمر. ولقد أصاب تماما عندما استند فى مقارنته تلك إلى كتاب ليبنتز "مقالات فى الثيوديسى". و"ثيوديثى" كلمة صكها ذلك الفيلسوف لكى تعنى "دفاع عن عدل الله". ويذكرنا طه حسين بأن المعتزلة كانوا يتسمون بأهل التوحيد والعدل. وهو يجمل أوجه الشبه بينهم وبين ليبنتز فى نقطتين أساسيتين، هما دفاع الطرفين كليهما عن وحدانية الله (فصفاته هى عين ذاته)، وعن عدله (الذى يستتبع بالضرورة القول بحرية الإنسان). إلا أن أقوال طه حسين فى بيان أوجه الشبه بين طرفى المقارنة تستدعى مزيدا من الشرح والتوثيق. فقد كتب مقالته بإيجاز شديد وبلغة مجردة، واكتفى بالتركيز على بعض النقاط الرئيسية تاركا لغيره فيما يبدو مهمة البحث المفصل. والواقع أن وجاهة المقارنة تحفز بالفعل على مواصلة البحث. ومما يدل على ذلك أن باحثا إيرانيا معاصرا يدعى عمروالله معين نشر مؤخرا بحثا عنوانه "مقارنة بين آراء المعتزلة وليبنتز فى العدل الإلهى" (انظر مجلة "إلهيات تطبيقى" الصادرة عن جامعة أصفهان، المجلد 9، سبتمبر 2013). ويبقى بعد ذلك سؤال طرحه طه حسين ولم يجب عنه، وهو ما إذا كان المعتزلة قد أثروا على ليبنتز من خلال الفلسفة المدرسية المسيحية. وهو سؤال شائق، ولكن تعترض الإجابة عنه صعوبات بالغة. فمن المؤكد أن أفكار المتكلمين المسلمين نفذت إلى تلك الفلسفة. ولكن المشكلة التى طرحها المعتزلة وطرحها ليبنتز – وهى التوفيق بين وجود الشر وبين وجود الله وكمال صفاته – موضوع تناوله كثير من الفلاسفة وعلماء اللاهوت المسيحيين السابقين على ليبنتز، بل والسابقين على ظهور الإسلام، ومن بين هؤلاء القديس أوغسطين (354 – 430 م). وقد يكون للمعتزلة رغم كل شيء إسهام ما فى التراث الفكرى الضخم الذى وصل إلى ليبنتز، ولكن ليس من السهل التأكد من ذلك الإسهام فى مثل تلك المتاهة المتشابكة. والأجدى فى نظرى أن تعقد مقارنة واسعة النطاق بين المعتزلة وخصومهم الأشاعرة من ناحية وبين علماء اللاهوت المسيحى وما دار بينهم من جدل فى مواجهة مشكلة الشر والعدل الإلهى من ناحية أخرى، مع تحديد وتفسير أوجه الاتفاق وأوجه الاختلاف بين الجانبين. وقد خطا طه حسين خطوة فى هذا الاتجاه عندما أشار إلى الجدل الذى دار فى نطاق الجانب الإسلامى وما يناظره من جدل بين ليبنتز وأحد معارضيه. ومن شأن هذه المقارنة أن تنبهنا – بصرف النظر عن قضية التأثير والتأثر – إلى حيوية الفكر الإسلامى وأهميته الدائمة بالنسبة لدراسة الأدب، بما فى ذلك أدب طه حسين. المعتزلة وليبنتز سيدهش علماء الكلام المسلمون إن هم قرأوا ليبنتز عندما يجدون فى [كتاب] "ثيوديسى" أفكارا مألوفة لديهم لأنها تشبه على نحو مثير للاستغراب الأفكار التى ما زالت موضوعا للنقاش فى الأزهر عند دراسة مذاهب المعتزلة. فهؤلاء فى واقع الأمر يتفقون مع ليبنتز على نقاط غير قليلة. وسأكتفى بالإشارة إلى نقطتين: الأولى: هى مفهوم الله ذاته. فالمعتزلة كما نعلم أدانهم المسلمون من أهل السنة لأنهم كانوا يرون أن صفات الله لا تنفصل عن ذاته. وكانوا يقولون إن الله سبب جميع الأشياء، وفيه سبب وجودها، وإنه بناء على ذلك واجب الوجود () وقديم ()، وإن العالم بما أنه ممكن () لا يمكن أن يوجد دون سبب كاف () يسبب وجوده ويجعله مفضلا على عوالم أخرى ممكنة مثله، وإن هذا السبب الكافى يوجد فى عقل () وإرادة () الله؛ وذلك أن الله بما أنه واجب الوجود وله فى ذاته سبب وجوده يجب أن يكون عاقلا () ومريدا () وقادرا (). وهو بعقله يعرف الممكنات. وبإرادته يختار. وبقدرته يخلق. ولكن العقل والإرادة والقدرة ليست صفات منفصلة عن الذات الإلهية ()؛ فهى ذات الله نفسها (). فلو انها كانت مغايرة لذات الله، لكانت إما واجبة الوجود وقديمة مثله؛ أو لكانت ممكنة ولا يمكن إذن أن تكون صفة لله، فالممكن لا يمكن أن يكون صفة لما هو واجب الوجود. وكان المعتزلة يعتقدون أنهم يثبتون بذلك وحدانية الله الكاملة ويتباهون عن طيب خاطر بلقب (أهل التوحيد)، أى أنصار الوحدة الإلهية. فقد كانو مثل ليبنتز يثبتون وجود الله عن طريق إمكان العالم وضرورة وجود سبب كاف لوجوده. وكانوا كليبنتز أيضا يجدون ذلك السبب الكافى فى عقل الله وإرادته. وكانوا مثله أخيرا يسلمون لله بصفات العقل والإرادة والقدرة. ولكنهم إن كانوا يعترفون بوجود صفاته فيه، فقد كانوا يرون مثلهم مثل ليبنتز أن هذه الصفات هى عين ذاته. الثانية: هى مفهوم العدل الإلهى. فالمعتزلة لم يتسموا باسم [أهل التوحيد] فقط، بل تسموا أيضا باسم [أهل العدل] أيضا، أى القائلين بعدل الله . فهم منذ البداية - بل وقبل أن يتعرضوا للتأثير العميق للفلسفة اليونانية، وفي فترة اقتصر تفكيرهم فيها على الخلافات السياسية بين المسلمين فى القرن الأول للهجرة - كانوا يرون فى البصرة أن الله بما أنه عادل مطلق العدل لا يمكن أن يعاقب البشر إلا حسب أعمالهم: فالرجل الصالح لا بد أن يفوز بالنعيم الأبدى؛ والكافر يلعن، ومرتكب المعصية يرغم إلى الأبد على أن ينزل به عقاب يتناسب مع معصيته؛ وتلك هى المنزلة بين المنزلتين المخصصة للمسلمين الذين ارتكبوا المعاصى ولا يمكنهم بما أنهم لم يتوبوا دخول الجنة ولا أن يحشروا فى زمرة الكفار الحقيقيين. ولا يستطيع الله أن يغير شيئا فى نظام الأشياء هذا دون إخلال بعدله. ويستتبع هذا المذهب بالضرورة مذهب حرية الإنسان، فبدونها يكون عدل الله باطلا. ولكن الله ليس عادلا فحسب، بل هو خير وحكيم. وهو بالتالى لا يمكن أن يريد إلا الخير. وليس بين هذا المذهب وبين مذهب أصلح الممكن إلا خطوة واحدة. وقد خطا المعتزلة هذه الخطوة فى فترة مبكرة. فإذا كان الله لا يستطيع فعل الشر لأن ذلك ما تأباه طيبته وحكمته، فإن الخير الذي يفعله لا بد أن يكون أصلح الممكن، وإلا لما كان الله خيرا كامل الخير، ولا حكيما كامل الحكمة. والقول بأن هناك خيرا ممكنا لم يرد الله فعله، هو انتقاص من كمال الله. وبداية من القرن الثانى للهجرة اكتمل مذهب أصلح الممكن ووجد فى البصرة وبغداد أنصارا من الاقتناع به والحذق فى الدفاع عنه مثل النظام وأبى هذيل وبشر بن المعتمر. وصحيح أنه سرعان ما أثار رد فعل قويا من جانب أهل السنة؛ فلو أننا قرأنا مناقشات المسلمين أنصار وخصوم أصلح الممكن، لشعرنا على وجه اليقين أننا نقرأ الجدل الذى دار بين بيل وليبنتز. فهنالك نفس الطريقة التى تطرح بها المسألة لأن المعتزلة يثبتون مثلهم مثل ليبنتز وجوب أصلح الممكن عن طريق طيبة الله وحكمته وكماله. ونفس الطريقة فى مناهضتها لأن خصوم المعتزلة مثلهم مثل خصوم ليبنتز يحتجون من ناحية بوجود الشر، ومن ناحية أخرى بأن نظام أصلح الممكن من شأنه أن يحد من قدرة الله. ونفس المناقشات المنصبة على التفاصيل لأن خصوم المعتزلة مثلهم مثل خصوم ليبنتز يحتجون عليهم بمعاناة الحيوان والأبرياء، وبموت الأطفال فى سن مبكرة. والقصة التالية تعطى فكرة عن هذه المنازعات: سأل الأشعرى أستاذه أبا على الجبائي المعتزلى: "ما تقول فى ثلاثة إخوة، أحدهم كان مؤمنا برا تقيا، والثانى كان كافرا فاسقا شقيا، والثالث كان صغيرا، فماتوا فكيف حالهم؟ فأجاب الأستاذ قائلا: أما الزاهد ففى الدرجات، أما الكافر ففى الدركات، وأما الصغير فمن أهل السلامة" [فقال الأشعرى: إن أراد الصغير أن يذهب إلى درجات الزاهد هل يؤذن له؟، فقال الجبائى: لا. لأنه يقال له: أخوك إنما وصل إلى هذه الدرجات بعطائه الكثير وليس لك تلك الطاعات. فقال الأشعرى: فإن قال ذلك التقصير ليس منى، فإنك ما أبقيتنى [ولا أقدرتنى على الطاعة]. فقال الجبائى: "يقول البارى جل وعلا: كنت أعلم لو بقيت لعصيت وصرت مستحقا للعذاب الأليم فراعيت مصلحتك. ودافع المعتزلة عن أنفسهم على نحو مماثل لليبنتز فأجابوا بقولهم إن الشر لم يرده الله، ولكن لم يكن منه مناص ونحن فى حقيقة الأمر لا نعرف جميع الأسباب التى تفسر أفعال سيد الكون؛ ونحن لا نعرف إلا أنه منزه عن أن يخلق إلا أفضل الممكن. وهذا المذهب الإسلامي الذى يشبه أساسا مذهب ليبنتز يحمل اسمه ذاته، لأن كلمة .... هى الترجمة الدقيقة للأمثل. ومن المؤكد أنه يجب الاعتراف بأن هذا المذهب تخلص لدى ليبنتز من نزعة التشبيه التي تثقله وتجعله ساذجا بدرجة أو بأخرى لدى المعتزلة، ولكن ينبغي ألا ننسى أن ليبنتز يأخذ ذلك على بيل، وأننا لسوء الحظ لا نعرف مذهب علماء الكلام البغداديين إلا عن طريق خصومهم الممعنين فى التشبيه هم أنفسهم. ومن المحتمل أننا لو كان لدينا عرض لآراء المعتزلة صادر عن أحدهم، لوجدناه مجردا من كثير من الشعوذات ومصوغا بطريقة أكثر جدا، لأن أنصار هذا المذهب كانوا أكثر علماء الكلام المسلمين تفلسفا. وهل من قبيل المصادفة البحتة وجود هذا التشابه، وأكاد أقول هذا التماثل الكامل بين المذهبين؟ أو أن المعتزلة أثروا على ليبنتز من خلال الفلسفة المدرسية؟ ذلك سؤال لا أسمح لنفسى بأن أجيب عنه. ويكفينى أننى طرحته.