أصبحنا بكل ما تحمله الكلمة من معنى نعيش زمن اللامعقول واللامنطقي, ودون أن نشعر أجبرتنا نشرات الأخبار الجنونية , على هضم الكثير من المفاهيم التى لم تكن لتخطر على عقولنا ذات الفهم البشرى المحدود, فمع تزايد أعداد المراهقات الغربيات الفارات إلى داعش خلال الآونة الأخيرة, بدا ملفتا للنظر وصادما, كيف إختارت فتيات الجيل الثانى من المهاجرين إلي الدول الأوروبية ذات الديمقراطيات العتيدة, الهرب من قمة المدنية والحرية إلى جحيم الإرهاب والعنف وعبودية عصور الجاهلية. وكيف تحول شاب كل ما يملكه، يأرجحها فى يده, إلى عريس الأحلام لفتاة أوروبية لا تتعدي أحيانا الرابعة عشر, وكيف تحولت وعود القتل والدمار للحضارة البشرية إلى أحلام رومانسية, تسلب عقول فتيات, فيتركن بيوتهن الدافئة والآمنة إلى جنون الشرق الأوسط ووحشية إرهابه. علينا الإقرار بأننا نواجه الكثير من التحديات التى تؤكد أن كل ما فهمناه وما درسناه وما اعتقدناه ليس بالضرورة هو ما يسير العالم من الآن حولنا. صديقتان من فيينا عاصمة النمسا"، التى هى بالمناسبة واحدة من أكثر دول العالم استقرارا" تتراوح أعمارهن ما بين الخامسة عشر والسادسة عشر, يخدعن أسرهن ويقررن الهرب إلى سوريا للانضمام إلى تتار داعش, ثم تمر أسابيع قليلة وتتباهي الصغيرتان بصورهن عبر شبكات التواصل الإجتماعي وهن يحملن بنادق الكلاشنكوف ومن حولهن إخوانهن «المجاهدين» ولم تكتف الصبيتان باتخاذ قرارهن الخاص، بل عملن على أن يكن حلقة فى عمليات تجنيد المزيد من الفتيات النمساويات, لقد قدمت تلك الدولة السعيدة ما يقدر ب14 فتاة هاربة وفق تقديرات وزارة الخارجية, ولم تمر أسابيع إلا وألقت السلطات النمساوية القبض علي مراهقتين أخرتين من أصل عراقى وهن يحاولن الفرار للإنضمام إلى الجحيم الداعشى. العديد من الخبراء الأمنيين الغربيين والأمريكيين يقفون مشدوهين أمام إقبال المراهقات الغربيات المتزايد على القبول بالزواج من شاب كل ما يمكن أن يميزه هو عدد الرؤوس التى أطاح بها, انه ما يصفه ستيفن بومرانتز, مساعد مدير مكتب التحقيقات الفيدرالية الأمريكية السابق, بأنه "جاذبية داعش" وهو يري أن هؤلاء المراهقات يبحثن بالأساس عن اكبر قدر من الإثارة والمغامرة, ويجدن فى هؤلاء المقاتلين عناصر بطولة خيالية, ولكننا قد لا نجد أن البحث عن قصص حب غير تقليدية بطلها ببساطة "سفاح" قد يبدو مبررا كافيا لترك فتيات- يعتبرن أطفالا- لبيوتهن لمجرد ارتباط عاطفى ساذج نشأ عبر شبكات التواصل الإجتماعى على الإنترنت. وفقا لأرقام الحكومة البريطانية فان هناك ما لا يقل عن 50 مراهقة "ساذجة" هربت من أسرتها للانضمام إلى داعش, والأمريكيات أيضا لسن فى مأمن من جاذبية داعش، وإن كانت السلطات الأمريكية أقل إعترافا بكم الفتيات الهاربات, ميا بلوم، أستاذة الدراسات الأمنية بجامعة ماساتشوستس الأمريكية، والتى نشرت مؤخرا كتابها "القنبلة: المرأة والإرهاب"، تلفت النظر إلى أن كل فتاة جديدة يكتسبها التنظيم الإرهابى, تتحول إلى أداة تجنيد قوية للمزيد من الفتيات الغربيات، وهو ما يعمل التنظيم بشكل ممنهج وشديد الدقة على تنفيذه, فهو يدرك أنه مع معدلات تدفق الشباب إليه خلق فجوة فى الأعداد بين الجنسين بنسبة يقدرها الخبراء بعشرة إلى واحد, لهذا يتفنن "الدواعش"، وغالبيتهم من الشباب، فى فنون إصطياد الفتيات عبر وسائل التواصل الإجتماعي, مع الإعتبار أنه يتم إختيار الفتيات فى سن ذروة الإنجاب, بالإضافة إلى الحديث عن الكثير من المغريات والمكافآت التى ستحصل عليها الفتيات مقابل الهجرة, وأبرزها أن أحدا لن يسخر من مظاهر إيمانهن, على عكس ما يحدث فى المدارس مع هؤلاء الفتيات اللاتى يرتدين الحجاب, هذا طبعا مع الإغراء الروحي الأكبر بأنها ستكون قد تحررت من أرض الكفار ووهبت نفسها إلى الجهاد من أجل نصرة الحق. كاثرين براون، المحاضرة في الدراسات الدفاعية بجامعة كينجز كوليدج فى لندن, ترى أن أكثر الفتيات الفارات إلى داعش عبر تركيا هن من بريطانيا والولايات المتحدةوالنمساوفرنساوهولندا وكندا والنرويج والسويد, وقد تعرضن جميعهن لتأثير قوى من شبكات التواصل الإجتماعي التي توفر لهن المشورة والدعم وطرق السفر, إضافة إلى تقديم أفكار مثالية عن الحياة فى الدولة المزعومة, التى وفق الدعاية الداعشية, هى الوحيدة التى تطبق شرع الله. وبطبيعة الحال فان الوعود بالمدينة الإسلامية الفاضلة ليس هو تحديدا ما يحدث على أرض الواقع في العراقوسوريا, حيث يتم إستغلال الفتيات الجدد فى ثلاث مهمات رئيسية , الطبخ والتنظيف ورعاية الأطفال, لكن بالطبع هناك إستثناءات، فهناك نحو 30 امرأة تم اختيارهن بعناية للإنضمام إلى لواء الخنساء, الذي يقوم بدور الشرطة الأخلاقية فى شوارع مدينة الرقة السورية, والذى تنال فيه المرأة راتبا شهريا لا يقل عن 200 دولار, إضافة إلى كميات أكبر من الحصص الغذائية والغنائم. وتؤكد كاثرين أنه في بداية الموجة, كانت النساء الأوروبيات فسافرن للحاق بأزواج مقاتلين في داعش كن قد تعرفن عليهم عبر الإنترنت, وهن من قام بتأسيس المواقع التى تخصصت فى إغراء المراهقات, وربما يتجلى مدى نجاح عمليات التجنيد تلك, فى الحالة التى نشرت مؤخرا عبر الصحافة الفرنسية عن هرب ما لا يقل عن 100 فتاة فرنسية, أبرزهن فتاة يهودية فى السابعة عشر، حاولت الفرار من منزل والديها للسفر إلى سوريا, وكانت قد خططت لحرقهم فى منزلهم لرفضهم إرتدائها النقاب, ويعترف الخبراء الأمنيون أن فرنسا بها أعلى نسب هرب للفتيات إلى داعش، حيث تشكل الفرنسيات 25% من مجموع الفتيات هناك. وفى فرنسا تلقت العديد من الأسر المسلمة ذات الجذور العربية مكالمات هاتفية لشباب من سوريا يطلبن الزواج من بناتهن, وإن كان الرفض هو إجابة بعض تلك الأسر, فانه بطريقة ما كانت بناتهن تجد من ييسر لهن المهمتين, السفر والزواج, وترى ميا بلوم أن التنظيم الإرهابى يعمل بشكل ذكى على جلب "مصانع لإنتاج الأطفال" لتنفيذ خططه بإنشاء دولة إسلامية جديدة خالصة, ويبدو هذا الحلم شديد الإغراء لفتيات مدارس يتعرضن للسخرية من حجابهن فى دول مثل فرنسا أو هولندا على سبيل المثال, ويتزامن مع مخطط إنشاء الدولة الخالصة أيضا عمليات تجنيد لأطباء ومهندسين وتقنيين فى مختلف المجالات. لقد فشلت الدول الغربية بشكل ملحوظ فى أن تمنح الشباب المسلم الشعور بالإنتماء وأنه له قيمة كمواطن من الدرجة الأولى, ويبدو هذا جليا فى حجم الغضب الموجه ضد هذه الدول من الشباب الذى قرر أن يقضى عليها من العراق والشام. تناول مقال نشرته مؤخرا مجلة فورن بوليسى, كيف أن بعض الفتيات الهاربات بعد أن يواجهن الحقيقة المروعة يعجزن عن العودة مرة أخرى إلى بلداتهن وأسرهن, إما لصعوبات فى الهرب من الجحيم الذى هربن إليه, أو لتشديد العقوبات ضدهن فى بلادهن، حيث قد تصل العقوبة إلى سحب الجنسية والحبس لمدة لا تقل عن خمس سنوات.