جامعة قنا تتصدر الجامعات المصرية في أنشطة ذوي الهمم بنسبة 35.95%    طلب إحاطة بشأن العجز في الإداريين وعمال الأمن والنظافة بالمدارس    رئيس جامعة أسيوط يُعلن تشكيل لجنة تنفيذية لمراجعة البرامج الدراسية وربطها باحتياجات سوق العمل    محافظ بورسعيد يصدق على فصل طالب لمدة عام دراسي كامل عقب واقعة اعتداء الطالب على أحد المعلمين داخل مدرسة    «فيردي فودز» للصناعات الغذائية يحقق 3 ملايين دولار صادرات سنويًا    السبت 4 أبريل 2026.. الذهب يهبط بقيمة 10 جنيهات فى منتصف التعاملات    محافظ المنوفية يفاجئ مجمع مواقف شبين الكوم    أسعار الكهرباء الجديدة للقطاع التجاري بعد زيادتها    محافظ كفرالشيخ يعلن تطبيق العمل عن بُعد يوم الأحد أسبوعيًا لمدة شهر تنفيذًا لقرارات مجلس الوزراء    لقاء موسع في مكة بين الشركات المنظمة للحج السياحي والراجحي لبحث الاستعدادات للموسم وضمان راحة الحجاج    الحرس الثوري يعلن استهداف سفينة مرتبطة بإسرائيل بمضيق هرمز    باربرا ليف المسؤولة السابقة بالخارجية الأمريكية: ترامب يفتقر للاستراتيجية في حربه ضد إيران    عماد الدين حسين: إسقاط الطائرات «نقطة انعطاف» في الحرب وتصعيد محتمل    الدكتورعبد الحليم قنديل يكتب عن : انسحاب "ترامب"إلى فقاعته    هالاند يسجل الهدف الثاني للسيتي في شباك ليفربول    جهاز الزمالك يستقر على حارس مرمى الفريق أمام المصري    الجباس: بيراميدز الأفضل في مصر.. ويورتشيتش أحسن مدرب    قائمة برشلونة لمواجهة أتلتيكو مدريد في الدوري الإسباني    وعد جديد للاعبي الأهلي بعد عودة الدوليين    السجن 7 سنوات لبائعة مناديل بالإسكندرية بتهمة قتل عامل بالطريق العام    فيديو| الداخلية تكشف حقيقة الهجوم على منزل وخطف مواطن بالبحيرة    الخال مش والد.. ضبط المتهم بإصابة شقيقته وقتل نجلها في قنا    إصابة شابين في حادث تصادم بين دراجتين بخاريتين بالفيوم    ضبط المتهم بالتعدى على سائق دراجة نارية بشركة نقل ذكى بالقاهرة    جمارك مطار الإسكندرية تضبط راكبة حاولت تهريب عملات أثرية داخل حقائبها    محافظ البحيرة تستقبل وزيرة الثقافة لتوقيع بروتوكول يعيد مكتبة البلدية إلى النور    فاعليات اليوم الثالث لمهرجان مسرح الجنوب بمحافظة قنا    8 أغاني، كواليس ألبوم بهاء سلطان الجديد    الاثنين.. نادي سينما أوبرا دمنهور ينظم عرضا جديدا لمجموعة من الأفلام القصيرة    وزير الصحة يغير مسار جولته الميدانية ويقوم بزيارة مفاجئة لمركز طبي الحي الثالث بمدينة بدر    من الدوبامين إلى سكر الدم| أسباب الرغبة الشديدة في تناول الطعام    وصفات طبيعية لعلاج التهاب الحلق، حلول فعالة من مطبخك    وزير النقل يوجه بإعادة هيكلة جداول تشغيل القطارات بما يتناسب مع حجم الركاب ترشيدا للإنفاق العام    الصحة تتلقى أكثر من 74 ألف مكالمة طوارئ في فبراير.. وتدشن غرف عمليات جديدة بدمياط والدقهلية    وزير الدولة للإنتاج الحربي يبحث مع شركتي "يونغ-هانز" و"تاليس مصر" تعزيز التعاون    تأجيل محاكمة ربة منزل بتهمة حيازة مخدرات بالسلام    تأجيل محاكمة عاطل بتهمة إحداث عاهة مستديمة لشخص في عين شمس    وزير الرياضة ل هنا جودة: قدمتي أداء مبهرًا وبطوليًا وننتظر الكثير في الأولمبياد    قبل منافسات اليوم.. تاهل 4 لاعبين مصريين للنهائيات في بطولة كأس العالم للجمباز الفني    استشهاد 5 أشخاص وإصابة اثنين في غارة إسرائيلية على مدينة صور جنوب لبنان    القومي للطفولة والأمومة: إحباط زواج طفلة تبلغ 13 عامًا بمحافظة المنيا    الحرس الثوري يعلن تنفيذ الموجة 94 لاستهداف مراكز صناعية وعسكرية    الأرصاد: شائعات العواصف الدموية غير صحيحة واستقرار الأجواء الربيعية هذا الأسبوع    القاهرة تحتضن اجتماع منظمة العمل العربية لتعزيز التعاون وحماية حقوق العمال    «الصحة»: تقديم 317 ألف خدمة علاج طبيعي خلال شهر فبراير    سعر اليوان الصيني مقابل الجنيه في البنك المركزي اليوم السبت    تحرك برلماني لمواجهة انتشار القنوات الرقمية غير المرخصة    مواعيد مباريات اليوم السبت في الدوري المصري والقنوات الناقلة    أجواء إيمانية مهيبة خلال صلاة الجمعة العظيمة بكنيسة مار يوسف في القدس    فرح الموجي تفاجئ أحمد جمال بعيد ميلاده الأول بعد الزواج بحضور نجوم الغناء    دار الإفتاء: ترشيد استهلاك الكهرباء واجب وطني وديني    ترامب: لن أفصح عما سنفعله في حال تعرض طيار المقاتلة المفقود للأذى في إيران    لايف كوتش: التربية الحديثة تهدف لتمكين الأبناء واتخاذ قرارات واعية    طارق العريان يعلن «السلم والثعبان 3» للمراهقين    الأوقاف: يوم اليتيم مسئولية إنسانية ودينية تؤكد قيم التكافل وبناء المجتمع    يا منتهى كل رجاء    خشوع وسكينه..... ابرز أذكار الصباح والمساء يوم الجمعه    أوقاف جنوب سيناء تطلق حملة شاملة لنظافة المساجد وإزالة مياه الأمطار من الأسطح    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الحكى فى تجربة الشاعر منذر مصرى
نشر في الأهرام اليومي يوم 21 - 09 - 2014

تتعدَّدُ آليَّاتُ الفِعْلِ الشِّعريِّ ، في خِطابِ مُنذر مِصْري (1949- )، الشِّعريِّ ، تعدُّدًا لافتًا ، بيْنَ الأدَاءِ الغِنائيِّ ، وَالأدَاءِ السَّرديِّ ،
وبنيَةِ التَّشظِّي وّالتَّشذير ، وبنيَةِ الحِكايَةِ ، وَهيَ تعدُّداتٌ تتَّفقُ في التَّشديدِ على النَّبرَةِ الشَّخصيَّةِ ، وَشَخْصَانيَّةِ التَّجربَةِ ، وَارْتباطِهَا الوثيقِ بحَرَكةِ الذَّاتِ الشَّاعرَةِ في مُحْيطِهَا المَعِيشِ، وأدائِهَا الشِّعريِّ الجَانحِ إلى الالتحَامِ بلغَةِ الحَيَاةِ اليوميَّةِ وَتفاصِيلِهَا الحَياتيَّةِ المَعِيشَةِ الخَاصَّةِ .
أنْجَزَ مُنذر ، في الحِصَارِ المَضْروبِ حولَ تجربتِهِ ؛ ككثيرٍ منْ المُبدعِيْنَ الطَّليعِيِّينَ ، تجاربَهُ الشِّعريَّةَ الخَاصَّةَ ، في طبَعَاتٍ مَحْدُودَةٍ ، كانتْ تُمْنَعُ في الغَالبِ ، وَمَا نُشِرَ منْهَا على نِطَاقٍ وَاسِعٍ قليلٌ ، وَمِنْهَا : (بَشَرٌ وَتَوَاريخُ وَأمْكِنَةٌ) : وزارة الثَّقافةِ ، دمشق ، 1979، و في دار رِياض الرَّيِّس، ببيروت، صَدَرَتْ له ثلاثُة أعمالٍ شِعريَّةٍ ، هِيَ :(مَزْهَريَّةٌ على هيئَةِ قبْضَةِ يد) :1997، و(الشَّاي ليسَ بطيئًا)، و(مِنْ الصَّعبِ أنْ أبتكِرَ صَيْفا) : 2008، ومُخْتَارَات شِعرية ، صَدَرَتْ في مِصْرَ تََحْتَ عنوانِ : (.. لأنِّي لسْتُ شَخْصًا آخَر): 2009 ، وَهِيَ الأعْمَالُ الَّتي كشَفَتْ عنْ أحَدِ أهَمِّ الأصْوَاتِ الشِّعريَّةِ ، في مَشْهَدِ القَصِيْدِ النَّثريِّ العَرَبيِّ منذُ سَبعينيَّاتِ القَرْنِ المَاضِي .
وَعلى تعدُّدِ آليَّاتِ الخِطابِ الشِّعريِّ لدَى مُنذر مِصْري ، تبرُزُ بنيَةُ الحِكايَةِ ، عَبْرَ أداءٍ سَرْديٍّ سَيَّالٍ ، يستثمِرُ شتَّى آليَّاتِ المبنَى الحِكائيِّ ، في إقامَةِ خِطَابِه الشِّعريِّ ، بأدَاءٍ شِفاهِيٍّ تداوليٍّ ، يلتحِمُ فيه مَا هُوَ حِكائيٌّ وَمَا هُوَ شِعْرِيٌّ ، في نُصوصٍ ، هِيَ قَصٌّ منْ حَيْثُ هِيَ شِعرٌ، ويتبدَّى فيها على نَحْوٍ وَاضِحٍ التَّبئيرُ الخَارِجيُّ ، وَشعريَّةٌ الصُّورَةِ السَّرديَّةِ البَصَريَّةِ الكُلِّيَّةِ ، عَبْرَ كَمٍّ وَفيْرٍ مُنْتَخَبٍ بدقَّةٍ منْ سرديَّاتِ الواقعِ المَعِيشِ وَالسِّيَّريِّ ، في نَسِيْجِ الخِطابِ الشِّعريِّ ، ويتبدى الخَارجُ دَائِمًا بوعي الدَّاخِلِ ، وَنَبْضِهِ ، وَنَبْرَتِهِ.
البنيَةُ السَّرديَّةُ لدى مُنذر مُكتمِلةٌ حِكائيًّا ، مُكثَّفةٌ شِعريًّا؛ تتشكَّلُ منْ واقعٍ معيشيٍّ وتفاصِيلَ سِيَريَّةٍ ، كأنَّها - على حدِّ تعبيرِ رياضِ الصَّالحِ الحُسين ، في الدِّراسَةِ الوَحيدَةِ التي كتبَهَا - تُؤرشِفُ حياتَنَا اليوميَّةَ .
يتدفَّقُ الأداءُ الحِكائيُّ لِلخِطابِ الشِّعريِّ ، ببسَاطةٍ ، تُخْفِي وَعْيًا تنظيميًّا دقيقًا يُقيمُ شِعريَّةَ السَّطحِ بعُمْقٍ وَإحِكْامٍ ، وَ" دِقَّةِ صَائغٍ يتظَاهَرُ بأنَّهُ لاعِبُ أكروباتٍ " ، على حدِّ تعبيرِ عبَّاس بيضون . بذكاءٍ شديدٍ يختارُ مُنذرٌ التَّفاصِيلَ الحَياتيَّةَ الدَّالةَ في بناءِ الخِطابِ الشِّعريِّ الحِكائيِّ ، كمَا في هذا النَّصِّ :
" في بيروتَ سَبَحَ كالإنكليزِ
وَلمْ يَخْجَلْ
يقرُصُ الفتاةَ منْ ظَهْرِهَا
وَيغْطَسُ
فترَاهُ وَتَصِيْحُ :
(سَرْطَعُون سَرْطَعُون!)
عَمِلَ سَاقيًا فترَةً غيْرَ مُحَدَّدةٍ
لأمريكيَّةٍ
وَضَعَتْ يَدَهَا على ...
وَلمْ تطلُبْ سِوَى كُوكاكولا
وَالفَرَنْسِيَّةُ القَصِيرَةُ
فَتَحَتْ له البَابَ
وَهِيَ عَاريَةٌ ! .

أدْهَشَ الجَميْعَ
وَسَألَ الإيطاليَّ ذَا اللحيَةِ
بلغَةٍ إيطاليَّةٍ سَليمَةٍ مِئْةً بالمِئَةِ
تعلَّمَهَا عِنْدَمَا عَمِلَ مُسَاعِدَ طبَّاخٍ إيطاليٍّ
في إحْدَى السُّفنِ اليونانيَّةِ :
(مَاذَا تُفضِّلُ على العَشَاءِ يَا سِنيور؟)
وَرَفَضَ البقشِيشَ بالطَّبعِ
لأنَّهُ أيُّهَا الصَّديقُ
يعتبرُ نفسَهُ
سَائحًا أيضًا .
عَادَ أخيرًا
بلهجَةٍ ممطوطَةٍ
وَبنْطَالٍ ضَيِّقٍ بلا جيوبٍ
لكنَّهُ تعلَّمَ كثيرًا
يقولُ وَدَاعًا بسهولَةٍ
هَكَذا الحَيَاةُ في بيروتَ ."
على هذا النَّحوِ منْ الأدَاءِ الشِّعريِّ ، يجنَحُ الخِطَابُ الشِّعريُّ إلى إنجَازِ الأداءِ الحِكائيِّ المَعِيشِ ، بلُغةِ الحَيَاةِ المَعِيشَةِ ، مُلتَحِمًا بشفاهيَّةِ الأداءِ اللغويِّ وتداوليَّتِهِ وَنَبَرَاتِهِ ، كَمَا في قوْلِهِ :
" لسْتُ مِمَّنْ يجلِسُونَ وينتظرونَ
بفارغِ الصَّبرِ
يَوْمًا كَهَذا
وَلسْتُ مِمَّنْ يَرْمُونَ مَا بأيديهِمْ
على عَجَلٍ
وَيَخْرُجونَ لملاقاتِهِ
غَيْرَ أنِّي أعْلَمُ
لو قَضَيْتُ حَيَاتي
وَأنَا أرْكُضُ بسُرْعَتِي القُصْوَى
في الاتِّجَاهِ (ب)
وَانْطَلقَ هُوَ مُنْذُ لحْظَةِ ولادَتِي
في الاتِّجَاهِ المُعاكِسِ
أنَّهُ ... في الدَّقيقَةِ (س)
عِنْدَ النُّقطَةِ (ع)
سَنَلْتقِي ."
وقد جَنحَتْ تجربَةُ مُنذر مِصْري ، بشكلٍ وَاضحٍ ، منذُ البدايَةِ ، إلى شِعريَّةِ الحَيَاةِ اليوميَّةِ المَعِيشَةِ ، بسرديَّاتِهَا المَشْهديَّةِ الدَّالةِ ، وَمَجازِهَا البَصَريِّ ، وشِعريَّةِ المَوقفِ السَّرديِّ المُحْكَمِ ، وَجَمَاليَّاتِ الصُّورَةِ السَّرديَّةِ وَالصُّورَةِ البَصَريَّةِ ؛ المُتشكِّلةِ منْ تفاصِيلِ الوَاقِعِ الشَّخصيِّ المَعِيشِ ، والسرد الشعري الشفاهي ، في أداء مقتصد ورهيف ؛ فَالمَنْطِقَةُ الأثيرَةُ لاكتشافِ الشِّعرِ لديْهِ هِيَ تَفَاصِيلُ الوَاقعِ المَعيشِ ، بَلْ إنَّ بعضَ نُصُوصِهِ هِيَ قَصٌّ خَالصٌ ، أتَى في أدَاءٍ شِعريٍّ ، كَمَا في هَذا النَّصِّ المُعَنونِ بِ"ضَجَّةِ الضَّوءِ " :
" لا خَبْطَة البَابِ مَرَّتينِ ، كي يُغْلَقَ
وَلا قَرْقَعَة الضَّحِكاتِ
الَّتي لا يُمْكنُ الإمسَاكُ بِهَا
وَلا صَرير السَّريرِ
وَلا حَتَّى الحَشْرَجَات
بَلْ الضَّوءُ
ضَجَّةُ الضَّوءِ
هِيَ مَا أيقظَ آندِي .
( مَنْ هَذَا الرَّجُلُ الغَريْبُ يَا أمِّي ؟)
( إنَّه ليسَ غَريبًا يَاآندِي
إنَّه عمُّكَ الَّذي حَدَّثتُكَ عَنْهُ
قُلْ لَهُ : هَالو يَا آندِي )
(هَالو يَاعَمُ
وَلكنْ مُنْذُ مَتَى يَا مَامَا
تَنَامِيْنَ مَعَ الأعْمَامِ ؟) "
ثمَّةَ تركيزٌ وَاضِحٌ على الفِعْلِ السَّرديِّ ، عَبْرَ سَاردٍ عَليمٍ بتفاصِيلِ المَشْهَدِ السَّرديِّ الخَارجِيِّ وَبدَاخِلِ الشَّخصيَّةِ ، وَلا يَكْتَفِي السَّردُ الشِّعريُّ ، هُنَا ، بِإقامَةِ المَوقِفِ السَّرديِّ ، وَإحْكامِ بِنائِهِ ، وَإنَّمَا يُضَمِّنُهُ الحِوَارَ ؛ إمْعَانًا في مُعَايشَةِ الحِكايَةِ ، وَالتحامًا بشِفَاهيِّتِهَا ، في أدَاءٍ لغَويٍّ دَقيْقٍ ، وَمُتَخَفِّفٍ مِنْ آليَّاتِ المَجَازِ الجُزْئيِّ البَلاغِيِّ ، وَمَبْنَى حِكائيٍّ مُحْكَمٍ ، تَأتِي خَاتمَةُ النَّصِّ فيْهِ ، عَبْرَ بنيَةِ المُفَارَقةِ ؛ لِتُفَجِّرَ المَوْقف شِعريًّا ، بِشَكلٍ كَامِلٍ .
وَثمَّةَ حِرْصٌ وَاضِحٌ على التَّبئيرِ الخَارجِيِّ ، عَبْرَ رَصْدِ تفاصِيلِ الحِكايَةِ ، وَعَناصِرِ المَشْهَدِ السَّرديِّ المَعِيشِ .
وَتَتَّضحُ هَذهِ الخَاصِيَّةُ السَّرديَّةُ شِعْريًّا، كَذَلكَ ، في نََصٍّ آخَرٍ ، بِعُنوانِ :" نَظَرَات مُوْجِعَة "، يَتَعَالَقُ مَعَ هَذَا النَّصِّ ، َويَأتِي مِنْ مَنْظُورِ الأمِّ ، وَعَلى لِسَانِهَا ؛ مُحْتَشِدًا بِالتَّفاصِيْلِ الحَيَاتيَّةِ المَعيشَةِ ، في شَكْلِ منُولُوجٍ دَاخِليٍّ ، وَسَرْدٍ اسْتذْكَارِيٍّ ، جَاءَ عَلى هَذَا النَّحوِ :
" بَعْدَ أنْ اسْتَيْقَظَ آندِي
وَرَآنِي
لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ شَيءٌ في العَالَمِ
تَقُولُهُ أوْ تَفْعَلُهُ
يَسْتَطيْعُ أنْ يُعِيدَهُ إلى النَّومِ
أوْ يُوقِفَهُ عَنْ الصُّرَاخِ
حِيْنَ تُطْفِىءُ تِريزكا
الضَّوءَ .
لا سَاعَةُ اليَدِ الفُسفُوريَّةُ
وَلا النُّقودُ
وَلا القُبُلاتُ
وَلا الأكَاذِيبُ
اسْتَطَاعَتْ أنْ تُسْبِلَ
النَّظرَاتِ المُوجِعَةَ
الَّتي رَاحَ آندِي يَرْمِينِي بِهَا
وَهُوَ يَشْهَقُ
بِكَامِلِ جَسَدِهِ
وَحِيْنَ غَادَرَتْ تِريزكا الفِرَاشَ
لِتُحْضِرَ لَهُ مِنَ المَطْْبَخِ
كُوْبًا سَاخنًا مِنْ الحَليْبِ
هَبَّ فَجْأةً عَنْ سَريرِهِ
وَرَاحَ يُجَمِّعُ بِيَديْهِ الصَّغيرتَيْنِ
قِطَعَ النُّقودِ المَعْدنيَّةِ
الَّتي رَمَيتُهَا لَهُ
وَهُوَ يَنْظُرُ إليَّ
مُبْتَسِمًا . "
هَكَذَا يُؤسِّسُ مُنْذر مِصْري مَنْظورًا سَرديًّا آخَر ، لِذَاتِ الحِكَايَةِ الشِعريَّة ، بِذَاتِ الأدَاءٍ الشِّعريِّ ؛ الَّذي يَكْشِفُ عَنْ اسْتِيعابِ آليَّاتِ البِنيَةِ السَّرديَّةِ ، وَاسْتِخدَامِهَا شِعريًّا ، كَاشِفًا عَنْ شِعريَّةِ التَّفاصِيْلِ الحَيَاتيَّةِ المَعِيْشَةِ البَاذِخَةِ .
وَأحْيَانًا يَأخُذُ السَّردُ الشِّعريُّ طَابَعِ السَّرْدِ المُذَكَّراتِيِّ ؛ سَرْدِ السِّيْرذَاتِيِّ ؛ الَّذي يَتمُّ فيْهِ تَدويْن تَفَاصِيلِ المَوَاقِفِ الحَيَاتيَّةِ الشَّخصيَّةِ العَاديَّةِ ، غَيْرَ أنَّ الشَّاعرَ السَّاردَ يَقومُ بِتَفْجيْرِ النَّصِّ دلاليًّا ، في خَاتمَةِ النَّصِّ ، بِمَا يُحَقِّقُ شِعريَّةَ الأدَاءِ السَّرديِّ ، كُلِّيَّةً ، كَمَا في نَصِّ :" سُجُق مَعَ البَيْضِ على الفُطُور" ؛ الَّذي جَاءَ على هَذَا النَّحوِ :
" لَمْ أنَمْ جَيِّدًا وَاسْتَيْقظْتُ في الليْلِ
مَرَّاتٍ كَثيْرَةً
آخِرُهَا في الخَامِسَةِ فَجْرًا
كَمَا لَوْ أنَّنِي
مُزْمِعٌ على سَفَرٍ .
قَلَيْتُ سُجُقًّا مَعَ البَيْضِ
وَازْدَرَدْتُ فُطُورِي
وَأنَا أهُزُّ رَأسِي
أسْتَطيْعُ أنْ أجِدَ حُلولاً لِكُلِّ مَشَاكِلِي
وَلَوْ سَيِّئةً .
مُنْذُ أسْبُوعَيْنِ لَمْ تَصِلْنِي
رسَالةٌ مِنْ أحَدٍ
اليَوْمَ
وَصَلَتْنِي رِسَالةٌ مِنْ مَاهر وَرِسَالَةٌ مِنْ ثَنَاء
وَأخْرَى مِنْ مَرَام
وَرِسَالتَانِ مِنْ مُصْطَفى
خَمْسُ رَسَائلَ تَخْتَلفُ عَنْ بَعْضِهَا
في كُلِّ شَيءٍ
كَاخْتِلافِ أصْحَابِهَا
في كُلِّ شَيءٍ
لَكنَّهَا تَشْتَركُ مَعًا بِشَيءٍ وَاحِدٍ
جَمِيْعُهُمْ مُحْبَطُونَ .."
يَسْتَثْمرُ مُنْذر مِصْري – عَلى هَذَا النَّحوِ – طَاقَاتٍ السِّيرَةِ الذَّاتيَّةِ ، وَتَفَاصِيْلَ التَّاريخِ الشَّخصِيِّ الخَالصِ ، في تَشْكيْلِ بنيَةٍ شِعريَّةٍ دَالَّةٍ ؛ تَسْتَندُ عَلى بَلاغَةِ الوَقَائِعِيِّ الشَّخصِيِّ .
هَكَذَا يُرَاهنُ مُنْذر مِصْري عَلى شِعريَّةِ الحَدَثِ المَعِيشِ ؛ بسَرْديَّاتِهِ الحياتيَّةِ الحَميْمِةِ ، وَعَلى شِعْريَّةِ المَوقِفِ السَّرديِّ ، وَبَلاغيَّةِ الصُّورَةِ السَّرديَّةِ ، وَالأدَاءِ البَصَريِّ ، وَهَذِهِ السِّمَاتُ الأسَاسِيَّةُ جَعَلَتْ مِنْهُ أحَدَ المُشَاركِيْنَ الأسَاسِيِّينَ في تَشْكيْلِ مَعَالمَ المَشْهَدِ الشِّعريِّ الجَديْدِ ، بِخِطَابٍ مُرْهَفِ الإنْسَانيَّةِ ، في فَضَاءِ القَصيْدِ النَّثريِّ العَرَبيِّ .
الهَوامِش :
مُنْذر مِصْري – لأنَّني لسْتُ شَخْصًا غَيْري " مُخْتَارَاتٌ شِعْريَّةٌ " – آفَاقٌ عَرَبيَّةٌ ، العَدد -122- الهيئَة العَامة لِقُصُورِ الثَّقَافَة – 2009 – ص ص : 59 - 60 .
السَّابق - ص ص : 164- 165.
السَّابق - ص ص : 175 - 176 .
السَّابق – ص ص : 177- 178 .
السَّابق – ص ص : 179 – 180 .


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.