الرئيسية
السياسية
الاقتصادية
الدولية
الرياضية
الاجتماعية
الثقافية
الدينية
الصحية
بالفيديو
قائمة الصحف
25 يناير
الأخبار
الأسبوع أونلاين
الأهالي
الأهرام الاقتصادي
الأهرام العربي
الأهرام المسائي
الأهرام اليومي
الأيام المصرية
البداية الجديدة
الإسماعيلية برس
البديل
البوابة
التحرير
التغيير
التغيير الإلكترونية
الجريدة
الجمعة
الجمهورية
الدستور الأصلي
الزمان المصري
الشروق الجديد
الشروق الرياضي
الشعب
الصباح
الصعيد أون لاين
الطبيب
العالم اليوم
الفجر
القاهرة
الكورة والملاعب
المراقب
المساء
المستقبل
المسائية
المشهد
المصدر
المصري اليوم
المصريون
الموجز
النهار
الواقع
الوادي
الوطن
الوفد
اليوم السابع
أخبار الأدب
أخبار الحوادث
أخبار الرياضة
أخبار الزمالك
أخبار السيارات
أخبار النهاردة
أخبار اليوم
أخبار مصر
أكتوبر
أموال الغد
أهرام سبورت
أهل مصر
آخر ساعة
إيجي برس
بص وطل
بوابة الأهرام
بوابة الحرية والعدالة
بوابة الشباب
بوابة أخبار اليوم
جود نيوز
روزاليوسف الأسبوعية
روزاليوسف اليومية
رياضة نت
ستاد الأهلي
شباب مصر
شبكة رصد الإخبارية
شمس الحرية
شموس
شوطها
صباح الخير
صدى البلد
صوت الأمة
صوت البلد
عقيدتي
في الجول
فيتو
كلمتنا
كورابيا
محيط
مصراوي
مجموعة البورصة المصرية
مصر الآن
مصر الجديدة
منصورة نيوز
ميدان البحيرة
نقطة ضوء
نهضة مصر
وكالة الأخبار العربية
وكالة أنباء أونا
ياللاكورة
موضوع
كاتب
منطقة
Masress
حفل تخريج الدفعة 192 بطب قصر العيني بحضور رئيس جامعة القاهرة (صور)
أسعار العملات الأجنبية في بداية تعاملات اليوم 13 فبراير 2026
وزير التخطيط يتابع موقف الخطة السنوية و"المدى المتوسط" وفقًا للقانون الجديد
بمشاركة 14 دولة.. «الزراعة» تختتم برنامج تمكين المرأة الأفريقية
النقل تعلن مواعيد الأتوبيس الترددي خلال شهر رمضان المبارك
مجلس السلم والأمن الإفريقي تحت الرئاسة المصرية: تفعيل الأدوات المتاحة لدعم الحلول السياسية في السودان والصومال
إطلاق نار إسرائيلي يستهدف أطراف بلدتي عيترون وبليدا في جنوب لبنان
أتلتيكو مدريد ضد برشلونة.. ألفاريز يكسر صيامه التهديفى على يد البارسا
القناة 14 الإسرائيلية: الجيش أعد خططا عملياتية جديدة لمواجهة إيران
الزمالك يخوض مرانه الأساسي اليوم لمواجهة كايزر تشيفز.. ومؤتمر صحفي لمعتمد جمال
رئيس الاتحاد يكشف سبب عدم ضم كهربا
«رجال يد الأهلي» يواجه طلائع الجيش في الدوري
مدحت عبدالهادي: المنافسة على لقب الدوري بين الأهلي والزمالك
تحذير من الأرصاد: رياح قوية وأمطار خفيفة على بعض المناطق.. فيديو
تعديل مواعيد تشغيل خطوط المترو والقطار الكهربائي الخفيف خلال رمضان
واقعة تهز قرية العدوة.. شاب ينهي حياة عمته ويضرم النار في منزلها بالفيوم
مصرع طالب فى حادث تصادم بالمنوفية
بعد إخلاء سبيل المتهم.. هل أغلقت قضية واقعة «فتاة الأتوبيس»؟
اختبارات صارمة قبل الحصول على كارنيه نقابة المهن الموسيقية
استعدادات مكثفة في مساجد المنيا لصلاه الجمعه الأخيرة من شهر شعبان
نصائح لمرضى حساسية الصدر.. إزاى تحمى نفسك من العاصفة الترابية
الصحة تغلق 14 مركزا غير مرخص لعلاج الإدمان بمدينة بدر لمخالفات اشتراطات التراخيص
وفاة وإصابة 4 أشخاص إثر حادث بصحراوى أسيوط
حزب بنجلاديش القومي يعلن فوزه في الانتخابات
تحديد مايو 2028 موعدا نهائيا لطرح الجزء الرابع من «The Mummy»
انطلاق بطولة الأسر الطلابية الثالثة للشطرنج بجامعة العاصمة
حارس كايزر تشيفز: مواجهة الزمالك حاسمة.. وجاهزون للانتصار في مصر
مجلس السلام التابع لترامب يعلن انضمام إسرائيل رسميًا
"تموين الإسكندرية" يحتفل بفوز "خدمات شرق" بالمركز الأول لجائزة التميز الحكومي
"فيها حاجة حلوة".. قس قبطي يشارك في وضع حجر الأساس لمسجد بقنا
وفاة زوجة الفنان محمد الدسوقي
أخبار فاتتك وأنت نايم| الأهلي يستعيد «عاشور».. وجيش الاحتلال يستهدف عنصر من حزب الله
عودة إمام عاشور تشعل استعدادات الأهلي لموقعة الجيش الملكي بدوري الأبطال
الدعاء المستحب يوم الجمعة وآدابه
صلاة الجمعة: حكمها وآدابها وسننها وفضلها
القناة 14 الإسرائيلية: الجيش الإسرائيلي يضع خططًا عملياتية جديدة تحسبًا لمواجهة إيران
بعد مصرع صاحب المعاش.. المعمل الجنائي يفحص آثار حريق كفر شكر
نقيب الأطباء: التبرع بالجلد لا يشوه الجثمان.. نأخذ رقعة سطحية بميليمترات والمتوفى يُدفن بجلده كاملا
التصريح بدفن مُسن ضحية حريق كفر شكر.. وتحريات لكشف الملابسات
انهيار وطلب الطلاق.. لقاء الخميسي تكشف مفاجأة: شخصية شهيرة تعمدت إبلاغي بزواج عبد المنصف
مصطفى بكري: الكرة الآن في ملعب الحكومة.. الرئيس السيسي ضرب 30 عصفورا بحجر خلال الفترة الماضية
نهاية الطريق.. المحكمة تقضي بالمشدد 15 سنة لعصابة مخدرات بالقناطر الخيرية
وزير التربية والتعليم يكشف الخطوات الإصلاحية للمنظومة التعليمية
وزير الاتصالات الأسبق: دقيقة المحمول في مصر من الأرخص عالميا.. وباقات الإنترنت تتبخر في الأفلام
هجوم روسي يضرب البنية التحتية للطاقة في أوديسا ويوقف التدفئة والمياه
مشاجرة على الهواء بين ضيوف "خط أحمر" بسبب الخيانة الزوجية.. فيديو
الحزب الوطني يكتسح انتخابات بنجلاديش و"الجماعة الإسلامية" تقر بخسارتها
نائب المدير الرياضي ل نورشيلاند: انتقال إبراهيم عادل للأهلي؟ لن ننخرط في هذه الممارسات
الصدارة تشتعل، ترتيب الدوري الإنجليزي بعد تعادل آرسنال مع برينتفورد
شقيق هاني رمزي يوثق سيرة والدته في كتيب تخليدًا لذكراها
انطلاق مهرجان برلين فى دورته ال76.. السياسة تسيطر على الأجواء.. فلسطين حاضرة فى النقاشات ورفع شعارات إيران حرة على السجادة الحمراء.. المهرجان يمنح ميشيل يوه الدب الذهبى الفخرى.. صور
تضافر "قوى الشر "..5 دقائق لتمرير حكومة المفسدين: برلمان يبصم ووجوه مشبوهة في مواقع القرار
من "كمل يا كامل" إلى حقيبة واحدة على كفّ عفريت.. مراقبون: السيسي جزء من تراجع نفوذ كامل الوزير
سفير أحمد أبو زيد: مصر واحة استقرار لأوروبا وشراكتنا انتقلت إلى شراكة استراتيجية
ألف مسجد في (23) يومًا.. فرش وافتتاح بيوت الله في ملحمة إعمار غير مسبوقة للأوقاف
باتفاق جمهور المحققين| العلماء: المسيئون لوالدى النبى سفهاء وعقابهم الحجر
إجراء 20 عملية عيون مختلفة لغير القادرين في بني سويف ضمن مشروع مكافحة العمى
وزير الصحة يستقبل سفير اليابان لبحث تعزيز التعاون في إنشاء مستشفى مصري ياباني بالعاصمة الجديدة
شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.
موافق
كثافةُ الحضورِ الإنسانىِّ فى تجربةِ وديع سَعادة
شريف رزق
نشر في
الأهرام اليومي
يوم 14 - 09 - 2014
فى سَبعينيَّاتِ القََرْنِ المَاضِى ؛ حَيْثُ كانَتْ تَجْربَةُ مجلَّةِ (شِعر) اللبنانيَّةِ قدْ بلغتْ أقصَى تحقُّقاتِهَا الشِّعريَّة ، عَبْرَ تجاربِ أدونيسَ ، وأنسى الحَاج ، وَزُملائِهِمْ ،
كانَِ جِيلٌ شِعريٌّ جديدٌ ، يتشكَّلُ، وَيُمثِّلُ انعطافَةً شِعريَّةً جديدَةً ، عنْ المَسَارِ الشِّعريِّ المُتجسِّدِ لِلْقََصِيدِ النَّثريِّ ، فى مَشهدِ الشِّعرِ العَرَبيِّ ، وَبَرَزَ فى هَذا الجيلِ عبَّاس بيضون ، وَبُول شاوول ، وَشِرْبل داغر ، وَآخرونَ ، وعلى الرَّغمِ منْ ظهورِ مَسَارٍ جديدٍ لِلْقصِيدِ النَّثريِّ على أيديهم ، بمرجعيَّاتٍ أخْرَى فى حقيقَةِ الأمرِ ، إلاَّ أنَّ النّزوعَ الثَّقافيَّ ظلَّ ، كالحَلْقَةِ السَّابقةِ المؤسِّسةِ ، يعلو على النّزوعِ الشِّعريِّ ، وَبَدَا أنَّ هَاجسَ التَّجريبِ لدَى هَذِهِ الحَلْقَةِ ، كَمَا كَانَ فى الحَلْقَةِ السَّابقَةِ ، كَانَ يعلو على التَّجربَةِ الإنْسَانيَّةِ ، وَظلَّ الحُضورُ اللغَويُّ أعْلَى منْ الحُضورِ الإنْسَانيِّ ، فى المُنْجَزِ الشِّعريِّ الطَّليعِيِّ ، غَيْرَ أنَّ صَوتيْنِ شِعريَّينِ كَانَا يُؤسِّسَانِ - على مَقْرُبَةٍ منْ هَذا الحَدَثِ الشِّعريِّ - لِشِعريَّةِ الشَّخصِيِّ وَالإنْسَانيِّ وَالمَعِيشِيِّ وَالحَيَاتيِّ ، على نَحْوٍ بَارزٍ، وَيُشَدِّدانِ على بَسَاطةِ الأدَاءِ الشِّعريِّ ، وَكثافَةِ الحُضورِ الإنسَانيِّ فيْهِ ، كَانَ هَذانِ الصَّوتانِ هُمَا صَوْتُ وَدِيع سَعادَة (1948 -) ، وَصَوْتُ بَسَّام حَجَّار(1955- 2009) ، وَكَانَ وَدِيع أسْبَقَ منْ بَسَّام .
وَمُنذُ البدايَةِ بَرَزَ صَوْتُ وَدِيع سَعَادَة كثيفَ الإنسَانيَّةِ ، شَخصِيًّا ، عَمِيقًا ، خَافِتَ النَّبرَةِ ، اسْتِبْطانيًّا ، يَجْنَحُ - أحْيَانًا - إلى التَّواشُجِ مَعَ عَنَاصِرِ الطَّبيعَةِ وَتفاصِيلِ الوَاقِعِ المَعِيْشِ المُحِيطِ بالذَّاتِ الإنْسَانيَّةِ الشَّاعرَةِ الوَحِيدَةِ ، وَثمَّة حُضُورٌ وَاضِحٌ للذِّكريَاتِ ، وَتتجَاوَرُ الهَوَاجسُ والشَّطحاتُ التصوريَّة مَعَ مَرَائِى الوَاقعِ المَعِيشِ ، وَثَمَّة حُضُورٌ لتجربَةِ الفَقْدِ على نَحْوٍ كثيفٍ ، وَعَلى مِحْورِ الشَّكلِ ثَمَّة حُضُورٌ وَافرٌ لجَمَاليَّاتِ الحِكايَةِ ، وَتركِيْزٌ وَاضِحٌ عَلى كثافَةِ الأدَاءِ الشِّعريِّ ، وَتكثِيف البنَاءِ النَّصيِّ .
ثَمَّة حضُورٌ إنْسَانيٌّ وَافرٌ ، لِذَاتٍ شَاعِرَةٍ وحِيْدَةٍ تَنْثُرُ تَاريخَهَا الشَّخصِيَّ ، وَنبضَاتِهَا ، وَمُشَاهَدَاتِهَا ، وَهَوَاجِسَهَا ، فى أعْطَافِ الخِطَابِ الشِّعريِّ ، مُجَسِّدَةً شَخْصَنَةَ الخِطَابِ الشِّعريِّ وأنْسَنَتَهُ .
وَيتبدَّى الحُضُورُ الإنسَانيُّ ، حتَّى فى تواريْهِ خَلْفَ الأشيَاءِ ، عَبْرَ حُضُورِ حَالاتٍ إنسَانيَّةٍ خَالصَةٍ ، وَثَمَّة حُضُورٌ إنسَانيٌّ ، يتجَاوَزُ ، دَائِمًا ، الغِيَابَ الفيزيقِيَّ :
" يومَ غَادَرَ ظلَّتْ على قُفلِ البَابِ أصَابعُ يديْهِ
على الرَّصِيفِ قَدَمَاهُ
فَوْقَ الإسْفلتِ طَبَقةٌ منْ جِلدِهِ . "
ثَمَّة حُضُورٌ دَائمٌ للرُّوحِيِّ ، وَتركَِيْزٌ عَلى النَّبرَةِ البَاطِنيَّةِ العَمِيقَةِ ، وَثَمَّة ظِلالٌ مِيتافيزيقيَّةٌ تُظلِّلُ المَشْهَدِ فى تَجْربَةِ وَدِيع :
" كَانَ مَيِّتًا لكنَّهُ كَانَ
يُحِسُّ أناملَهُم على جَبْهَتِهِ
أسْبَلوهُ وسطَ الدَّارِ
على فِرَاشٍ استأجرُوهُ وَكانَ
يُحِبُّ أنْ يشترى مِثلَهُ ،
أسْبَلوهُ وَألبسُوهُ ثيابًا
رَأى مِثلَهَا فى وَاجِهَاتِ المَدِينَةِ
وَحِيْنَ حَمَلُوهُ
تَرَكَ وَهُوَ يُغَادِرُ البَيْتَ
شَيئًا غَريبًا على العَتبَةِ
وَكَانُوا كُلَّمَا دَخَلُوا
يَرْتَجِفُونَ وَلا يَعْرِفُونَ السَّبَبَ . "
وَتكشِفُ التَّجربَةُ ، فى مُجْمَلِهَا ، عَنْ كمٍّ بَاهظٍ منْ الوِحْدَةِ وَالغُرْبَةِ وَالفَقْدِ وَالألَمِ الإنسَانيِّ العَمِيْقِ ، وَوَعْيٍ عَمِيْقٍ بالشَّخصِيِّ وَالمَعِيْشِيِّ ، وَتُتِيحُ حَالاتُ العُزْلَةِ قَدْرًا كبيرًا منْ التَّواصُلِ بيْنَ حَالاتِ الرُّوحِ وَالأشيَاءِ المُحِيطَةِ بهَا ، وَدَائمًا ثَمَّة مُخَالَطَةٌ وَتَوَاصُلٌ وَتَوَاشُجٌ وَصَدَاقةٌ بيْنَ الإنسَانِ وَالعَالمِ المُحِيطِ بِهِ ، هَكَذَا يُصَوِّرُ رَحِيلَ الأمِّ :
" وَضَعَتْ آخِرَ نُقْطَةِ مَاءٍ فى دَلْوِهَا عَلى الحَبَقَةِ
وَنَامَتْ قُرْبَها
عَبَرَ القمرُ وَجَاءَتْ الشَّمسُ
وَظَلَّتْ نائِمَةً
الَّذينَ كَانُوا يَسْمَعُونَ صَوْتَهَا كُلَّ صَبَاحٍ
لفِنْجَانِ قَهْوَةٍ
لمْ يَسْمَعُوا صَوْتَهَا
نَادَوْهَا منْ سُطَيْحاتِهِمْ ، نَادَوْهَا منْ الحُقولِ
لمْ يَسْمَعُوا صَوْتَهَا
وَحِينَ جَاءُوا
كَانَتْ نُقطةُ مَاءٍ لا تزالُ
تَرْشَحُ من يدِهَا وَتزْحَفُ
إلى الحَبَقةِ . "
ثَمَّة اتِّصَالٌ رُوحِيٌّ عَميْقٌ بَيْنَ الإنسَانيِّ ، وَمَا يُحِيطُهُ منْ أشيَاءَ ؛ مَنْظُورَة أوْ غيْر مَرْئيَّةٍ :
" نِسْمَتُهُ الأخِيْرَةُ
جَرَتْ وَرَاءَهُ على الدَّرَجِ
وَنَامَتْ مَعَهُ قُرْبَ عُشْبَةٍ
بَيْنَ حَجَريْنِ
وَغَيْمَةٌ عَابرَةٌ
تَرَكَتْ ظِلاً خَفِيفًا
على وَجْهِهِ . "
وَتَتَّخذُ عِلاقةَ الذَّاتِ الإنسَانيَّةِ الشَّاعرَةِ بأشيَائِهَا وَعَنَاصِرِ مَشْهَدِهَا ، مَسَاريْنِ أسَاسِيَّينِ ؛ يُجَسِّدَانِ اسْتِبدَالَ الأشيَاءِ بالبَشَرِ ، ويَعْكِسَانِ حَالةَ الوَحْشَةِ وَطُغْيَانِ العُزْلةِ ، هُمَا :
أنسَنَة الأشيَاءِ :
وَفيْهَا تمتلِكُ الأشيَاءُ حَالاتٍ إنسَانيَّةً عَمِيقَةً ، على الرَّغمِ منْ تَوَارِى الحُضُورٍ الإنسَانيِّ الفيزيقِيِّ ، كَمَا فى قولِهِ :
" ذَاكَ النَّهارُ
تَحْتَ سِنديانَةِ السَّاحَةِ
ظَلَّ فقط مِقْعَدَانِ حَجَريَّانِ فارِغَيْنِ ،
كَانَا صَامِتَيْنِ
يَنْظُرَانِ إلى بَعْضِهِمَا
وَيَدْمَعَانِ . "
تَشَيُّؤ الإنسَانِ :
وَفيْهَا يتحَوَّلُ الإنسَانُ إلى شَيءٍ ، وَيَتَوَارَى حُضُورُهُ ، فى ظِلِّ حُضُورِ الأشيَاءِ :
" الَّذينَ ألِفنَاهُمْ شَجَرًا بَاسِقاً
صَارُوا قشًّا حِيْنَ حَزِنُوا
وَنَزَلَتْ العَصَافيرُ وَرَفَعَتْهُمْ
بمَنَاقيْرِهَا ."
وَأحْيَانًا تتَّخِذُ الذَّاتُ الشَّاعرَةُ مَوقِعَ الرَّصدِ ، فتُتابعُ تَحَوُّلَ الأشيَاءِ وَاتِّصَالَهَا العَمِيقَ بالحُضُورِ الإنسَانيِّ المُجَاورِ لهَا فى المَشْهَدِ المَعِيشِ :
لَمَسَ بَابَ البيْتِ وَخَرَجَ
تَاركًا على القفْلِ بَعْضَ أنفَاسِهِ
رَآهُمَا ينظرَانِ إليْهِ :
القفْلُ الَّذى كَانَ يَحْبِسُ خَلفَهُ عُوَاءَ الليْلِ
وَالبَابُ الَّذى كَانَ الصَّبَاحُ
يَطْلَعُ مِنْ شقوقِهِ ،
رَآهُمَا يتحلَّلانِ وَيَعُودَانِ
يَبَاسًا على الطَّريْقِ وَكتلةً صَدِئَةً
وَرَأى الحِيطَانَ تَرْجعُ إلى الجِبَالِ
أحْجَارًا وَحِيْدةً وَحَزينَةً
وَالمَحْدَلَةَ على السَّطحِ تعودُ
صَخْرَةً فى غَابَةٍ بعيدَةٍ
وَالسَّقفَ الَّذى يَدْمَعُ دَمْعَتيْنِ فى الشِّتَاءِ
يَهْطلُ مِثلَ جُرْفٍ يائسٍ .
لَمَسَ بَابَ البيْتِ وَرَحَلَ
تاركًا زَهْرَةً فى فَتْحَةِ القفْلِ
وَفَوْقَ السَّطحِ غَيْمَةً منْ نَظَرَاتِهِ ."
وَيُوَازى الشَّاعرُ بَيْنَ الحُضُورِ الخَارجِيِّ وَالحُضُورِ الدَّاخليِّ ، مُتنقِّلاُ بَيْنَ التَّبئيْرِ الخَارجِيِّ وَالتَّبئير الدَّاخِلِيِّ ، مُحَطِّمًا شَتَّى المَسَافاتِ بَيْنَ مَا سُمِّيَ ب (الشِّعرِ) وَمَا سُمِّيَ ب (النَّثرِ) ، عَبْرَ شَخْصَنَةِ الخِطَابِ الشِّعريِّ وَسَيْرَنَتِهِ ، على نَحْوٍ رَهِيْفٍ وَكثيفٍ ، كَمَا فى قولِهِ :
" مَاذَا سَأفعَلُ اليَوْمَ ؟ ليْسَ فى نيَّتى فِعْلُ شَيءٍ وَلَسْتُ مُضطرًّا لِفِعْلِ شَيءٍ . يُمكِنُنِى على الأرْجَحِ أنْ أعْقِدَ صَدَاقةً، مِنْ هُنَا مِنْ وَرَاءِ الزُّجَاجِ ، مَعَ هَؤلاءِ النَّاسِ فى الشَّارعِ . لا يزالُ النَّهَارُ فى أوَّلِهِ وَبِضْعُ دَقائقَ منْ الصَّداقَةِ تكفِى اليَوْمَ . بَعْدَ ذَلكَ يَجبُ أنْ أخْرُجَ إلى الشُّرفةِ وَأسْقِى الزُّهورَ، وَيَجِبُ ، رُبَّمَا ، أنْ أتَمَشَّى قليلاً فى المَدِينَةِ وَأجْلِبَ قنِّينةَ عرقٍ .
النَّافذةُ مُقْفَلَةٌ وَأنَا رَجُلٌ قَصِيرٌ وَرَاءَهَا، طُولُهُ 165 سنتيمترًا وَيَعْقِدُ صَدَاقةً مَعَ شَارعٍ طَويْلٍ . يُمَرِّرُ يَدَهُ بَيْنَ وَقْتٍ وَآخَرَ على شَعْرِهِ ، وَمَا يَسْقُطُ منْهُ يَحْمِلُهُ ببُطءٍ وَيَرْمِيْهِ فى القِمَامَةِ . رَجُلٌ هَادِئٌ، حَتَّى إنَّهُ بَيْنَ غُرْفةِ النَّومِ وَالمَطْبَخِ يَتَوَقَّفُ مِرَارًا لِيسْهُوَ أوْ لِيسْتَريحَ . يلِفُّ سيكارَتَهُ على مَهَلٍ ، يَشِيلُ التَّبغَ الزَّائدَ منْ طَرَفيْهَا ، يَنْظُرُ إلى الوَلاَّعةِ لَحْظَةً ، ثُمَّ يُخْفِضُ رَأسَهُ وَيُشْعِلُهَا . "
إنَّ تَجْربَةَ وَدِيع سَعَادَة الشِّعريَّةِ ، تكشِفُ عنْ حُضُورٍ غَامرٍ للإنسَانيِّ ، وَالرُّوحِيِّ ، وَالشَّخصِيِّ ، وَالمَعِيشِيِّ ، وَتكشِفُ عنْ دِرَاميَّةِ الوجُودِ الإنسَانيِّ ، وَهِيَ فى طَليعَةِ التَّجاربِ الشِّعريَّةِ الَّتى خَلَّصَتْ الشِّعريَّةَ العَربيَّةَ منْ الشَّكلانيَّةِ اللغويَّةِ ، وَكشَفتْ عنْ فَضَاءٍ جَديدٍ ، لِشِعرٍ جديدٍ ، أكثر إنسَانيَّة وَحَمِيمِيَّة .
انقر
هنا
لقراءة الخبر من مصدره.
مواضيع ذات صلة
بيت الشعر المغربى يمنح الشاعر الأسبانى غامونيدا "جائزة الأركانة"
الحداثة النقيض وأهم ملامح تجربة (محمود مغربي) الفنيه
البابا شنودة شاعر الاغتراب الوجودى المتعالى على سطوة المادة
كريم عبد السلام:قصيدة النثر تجاوزت الماغوط وأدونيس
ناقد عراقى: غالبية قصائد "سعادة" مكتوبة بالمقلوب
أبلغ عن إشهار غير لائق