ما زلنا نعيش أحلامنا ونطاردها أيضا أينما كانت وأينما كنا .. ومازلنا نحيا أيامنا لأننا قررنا أن نحلم دائما وأن نحلم من جديد، وألا نتوقف عن هذا التجدد الحيوي طالما لم تعلن قلوبنا بعد توقفها عن الخفقان ولم تتعب نفوسنا من التخيل والتحليق .. ولم نيأس نحن من حديثنا المتكرر عن معان للحياة.. نعتز ونتمسك بها. ومطاردة الحلم كانت دائما برهانا للإرادة والعزيمة ورغبة الانسان في احتضان الحياة بما فيها ومن فيها. وهنا أتذكر وأذكر ما قاله جابرييل جارسيا ماركيز صاحب «مائة عام من العزلة»:« ليس صحيحا أن المرء يتوقف عن مطاردة أحلامه لأن العمر قد تقدم به.. بل تصيبه الشيخوخة عندما يتوقف عن أن يحلم وأن يطارد أحلامه». وبالتأكيد ليس سرا .. كم كانت لنا أحلام، عشناها وعايشناها في «وسط البلد» تحديدا..أحلام حكينا عنها وتحمسنا لها وأحلام لم نمل من تكرار الحديث عنها وتذكيرها لكل من شاطرنا في ميلاد تلك الأحلام وأيضا لمن شاركنا في مطاردتنا لها. ولا شك أن شوارع «وسط البلد» وممراتها ومقاهيها وباراتها وكل ما فيها «شاهدة» على ما أقول وما أكتب عن الأحلام وحواديتها. وبما أننا أخذنا نتحدث بترحاب في الأيام الأخيرة عن «تحرر ما» أو نسمع ونقرأ عن «تنظيف ما» حدث ل«وسط البلد» للتخلص من فوضى وعشوائية الباعة الجائلين فان حديثنا أيضا لم يخل من التذكير بمكانة تلك المنطقة الشهيرة والقريبة من قلوبنا والعزيزة علينا وما تحمله من «نكهة مميزة» و»مذاق خاص» و»ذكرى لن تنمحي». وبالطبع تأتي مع حديث الذكريات التمنيات بأن «وسط البلد» سوف تستعيد وجهها الحضاري و«ما هو محفور في ذاكرتنا» و« ما ظل منقوشا في وجداننا». وكتاب «مقتنيات وسط البلد» لسعيد مكاوي بما يحتويه من بشر ووجوه وشوارع ومقاه ومطاعم ومكتبات وذكريات .. و«صعلكة» قدم رصدا بانوراميا لأهل «وسط البلد» ودنياهم. وبين صفحاته نستعيد عديدا من ذكريات وأحلام ولحظات مبهجة عشناها في «وسط البلد» .. ومع الأسف لم نعد نعيشها في السنوات الأخيرة. وأثناء انشغالي باسترجاع حواديت الأحلام وأيضا «الكوابيس» في شوارع «وسط البلد» ونواصيها وما شاهدته من «تغول للعشوائي» أو ترييف للمدينة» (كما يصفه البعض) قرأت أن المخرج السينمائي البرتغالي ميجل جوميز يصور حاليا فيلما باسم «ألف ليلة وليلة» في تجربة فيلمية مميزة يسعى من خلالها وخلال عام من التصوير ومعه فريق من محققين صحفيين أن يمزج بين الحقائق والخيال حول حالة البرتغال المعاصرة وما حدث فيها من تغييرات بسبب الأزمة المالية التي حلت بالبلاد، وهي حسب رأيه تصارع الآن البطالة والهجرة والكآبة بشكل عام. والأمر المثير في هذه التجربة البرتغالية أن الراوية أي «من تحكي وتسرد الحكاية أو الحكايات» هي «شهرزاد» من جديد. وكما قال جوميز (42 سنة) «ان الفكرة في هذا الفيلم ليست إعطاء المشاهد الواقع الذي نعيشه حاليا في بلدي بل اعادة خلقه كحكاية خيالية .. وهذه هي مهمة شهرزاد». ولبناء الفيلم وسرد حواديت الواقع البرتغالي على امتداد البلاد لجأ جوميز الى «الف ليلة وليلة» و«شهرزاد» جديدة ومعاصرة «شهرزاد» البرتغالية.. لعل بحكيها وسردها الحواديت تنجح في إنقاذ ما يمكن إنقاذه .. وحياتها أو في ارجاء قرار اعدامها !! وعشاق حكى «شهرزاد» وجاذبية « ألف ليلة وليلة» نراهم في كل مكان وفي كل زمان. الكاتب البيروفي ماريو فارجاس يوسا الحائز على جائزة نوبل للآداب عام 2010 فاجأ محبي أدبه وهو في السبعينات من عمره بظهوره على خشبة المسرح كممثل بجانب كونه مؤلف النص – ليجسد «شهريار» عام 2009. ولم يخفي البيروفي الشهير طوال حياته وولهه وولعه بألف ليلة وليلة. كما أنه منذ سنوات ليست ببعيدة عندما كان في ندوة بدمشق وسأله أحد الحاضرين هل قرأت «ألف ليلة وليلة»؟ قال: «من لم يقرأ هذا الكتاب؟ إنه كتاب يجب أن يقرأه كل الكتاب، وأنا قرأته في عدة نسخ منذ طفولتي، وكتبت عنه الكثير وكذلك بورخيس أيضاً» ثم أضاف:» ان قصص شهرزاد، نعرفها في أمريكا اللاتينية غيباً، وكان لها تأثير كبير على أعمالي من حيث طريقة وأسلوب سرد الحكايات» وقال فارجاس يوسا عن دوره هو ممثل دور «شهريار» في هذه المسرحية أمام «شهرزاد»: «لقد كان شهريار يظن بأنه سيقطع رأس شهرزاد في فجر اليوم التالي، لكن هذه الفتاة استطاعت خلال ثلاث سنوات إنقاذ حياتها، ومن ثم أن تغرس في قلب هذا الملك القاسي الشوق للاستماع إلى سردها الشفاهي، حتى تحول من شخص متوحش إلى إنسان حساس،وأن يندم على ما فعله، وأن يكون عاشقا بفضل حكاياتها» وكان فارجاس يوسا قد ذكر في بداية احدى رواياته أن « الانسان إله حين يحلم ولا يكاد يكون شحاذا حين يفكر». وهو القائل أيضا إن رسالة الأدب والأديب هي «المقاومة الدائمة للحزن والتعاسة والاحباط». وهو الذي أشار أكثر من مرة الى أن الخيال يكمل ما ينقصنا في واقعنا بل يجمل ويزين حياتنا ويعمقها. وفارجاس يوسا – كما أشارت اللجنة التي منحته جائزة نوبل- بجانب رسمه لخريطة السلطة احتفي ب«صمود الانسان وتمرده وأيضا هزيمته». وللكاتب الكبير ابنة تسمى مورجانا – وهي كمصورة فوتوجرافية كانت بصحبته عندما ذهب الى بغداد عام 2003. ليكتب انطباعاته وتأملاته عن العراقيين وأحوالهم بعد الغزو الأمريكي للعراق. وكان من ضمن ما ذكره فارجاس يوسا عن الجامعة والطلاب والطالبات هناك – أن «عيونهن أعادتني الي بغداد «الف ليلة وليلة».. وأمام سحر «شهرزاد» وجبروتها كتب الشاعر اللبناني أنسي الحاج :«أحبّكَ حتّى الموت» أبدلَتْها شهرزادُ ب«أحبّكَ كي لا أموت». بهذا الاستنتاج خرج مالك شبل في كتابه الأخير بالفرنسيّة «القاموس العشقي لألف ليلة وليلة». ثم قال الحاج:« معادلة أكثر واقعيّة، لولا الكلمة الأخيرة في العبارة الأولى والكلمة الأولى في العبارة الأخيرة... الحبّ حتّى الموت، سواء موت العاشق أو المعشوق، اضطهاد. والحبّ تفادياً لقطع الرأس بيد سيّافِ السلطان، تَعَهُّرٌ بالمعيار الأخلاقي، وكان من الأنسب القول «أستسلمُ لك أو أعطيكَ جسدي كي لا أموت». ثم استكمل أنسي الحاج تأمله قائلا:»الالتباس الذي سيظلّ يحيط بشخصيّة شهرزاد هو كونها من ابتكار رجل. كان سيكون في الأمر دلالات أخرى لو أنّ المجون المالئ مغامرات الكتاب من نسج خيال امرأةٍ ومنطوق بلسان امرأة. النجاحُ في إيهامنا أحياناً بأنّ الراوية امرأة هو بدوره لغز. وما دام البحّاثة يسلّمون بأنّ مؤلّفي الليالي كُثُر عبر تعاقب الأزمان والبلدان، فلمَ لا ندع احتمالاً لأن يكون بين هؤلاء المؤلّفين امرأة؟ أليس أقرب إلى المقبول أن تخفي المرأة اسمها عن كتاب كهذا وقد أخفى جميع المؤلّفين الرجال أسماءهم؟» وانتهت كلمات أنسي الحاج وان كانت ام تنته الأسرار والألغاز عن «شهرزاد» و«ألف ليلة وليلة» .. و«السكوت عن الكلام المباح» ................. نعم تم إخلاء شوارع «وسط البلد» من ما شوهها أو ساهم في قبحها. الا أن يبقى الأمر الأكثر إلحاحا ما يجب الإضفاء عليها والاضافة اليها كي «تبعث من جديد بنا ولنا».. وأن يتم ابراز جمالها وتأكيد خصوصيتها والاهتمام بما يميزها عن المناطق الأخرى.. وأيضا بما لها من مكانة في قلوب ونفوس وذاكرة أهل القاهرة ومن أتوا اليها عبر السنين. «وسط البلد» ليست فقط مكانا وزمانا بل انسان قبل كل شئ. ونحن انتظرناها طويلا ونحن طاردناها كثيرا ونريد الإمساك بها واسترجاعها لنسترجع معها ليس فقط ذكرياتنا بل أحلامنا المتجددة أيضا. تلك الأحلام التي ولدت ونشأت وترعرعت وتحدثنا عنها مرارا (وبمرارة وحسرة!!) ونحن نسير في شوارعها و«نتجاذب أطراف الحديث» على مقاهيها ونتأمل البشر من حولنا. ما نريده ونطالب به ونسعى اليه هو أن نجد «وسط البلد» حية ومتدفقة و«منورة» من جديد.. وبينما كنت أقترب بخطواتي من ميدان طلعت حرب منذ أيام فان ما ألح في ذهني أيضا ذلك السؤال المعتاد أهذه هي «وسط البلد» التي أفتقدناها منذ سنوات؟ وما اشتقنا لرؤياها والعيش فيها من جديد؟! أم أن ما تم حتى الآن ليس الا الخطوة أو الخطوات الأولى نحو ما نتمناه ونأمله ونرجوه وننتظره ونطالب به. لذلك ما دار في خلدي بعد توقف قصير في أخذ خطواتي على الطريق هو أننا بلا شك في حالة انتظار وترقب.. في انتظار «وسط البلد».. أو في انتظار ما قد يأتي أو لايأتي .. بل ما قد يأتي يوما ما اذا أردنا وقررنا وحسمنا أمرنا. وأن ما يجب أن يأتي يجب ألا يأتي بقرارات حكومية فقط بل بارادة من عرفوا قيمة ومعنى و»غلاوة» هذا المكان الآخاذ المسمى ب «وسط البلد» وما لها من أجواء .. وأن يتم احياؤها من جديد. ومن الطبيعي أن أتساءل ونحن نحتفي بالمكان هل ما نقوله يعد رثاء لأنه كان وولى ولن يعود أبدا .. وكان أيضا كما يقال زمنا جميلا ومضى فصار مجرد ذكرى .. أم أن حديثنا عن الحلم وتذكيرنا به مقاومة للنسيان والقبح والعشوائيات في حياتنا.. تلك العشوائيات التي تسللت وزحفت وهيمنت على مدننا ومجتمعنا وثقافتنا واعلامنا وكلامنا وتعاملنا اليومي. ونحن نبحث عن الحلم والحكاية و«شهرزاد» في أي مكان ونريد أن نجدهم في «وسط البلد» ونجدد أيضا «وسط البلد» بهم.. وفي بحثنا عن «وسط البلد» (اللي في البال) ما نريد تحقيقه أن نجد حياتنا ونجددها ونحيا من جديد أحلامنا.. تلك التي كانت ومازالت أحلاما لم تكتمل ولم تتحقق.. ونحن بالتأكيد لن نتوقف عن مطاردتها.