ظاهرة التعليق السياسى على الأحكام القضائية تزايدت خلال المراحل الانتقالية فى مصر، وذلك بعد أن بدأت ملامحها الأولى فى عهد نظام مبارك، وفى بعض الكتابات والخطابات السياسية على استحياء حيناً، وغير مباشر، وصريح فى أحيان أخري، بكل ما يحمل ذلك من نذر خطر وتأثير على مسار الخصومات القضائية، وعلى استقلالية القضاء والقضاة فى مباشرة أعمالهم والفصل فى المنازعات القانونية، لاسيما فى المجال الجنائى والإدارى والدستوري، خاصة تلك التى يتداخل فى بعض أبعادها وأطرافها قضايا سياسية، وأشخاص هم جزء من الخريطة السياسية والايديولوجية والدينية فى البلاد، أحد أهم بداهات ومسلمات العدالة القانونية والجنائية المعاصرة، مبدأ أن الحكم هو عنوان الحقيقة أياً كان هذا الحكم والعوار القانونى الذى قد يكتنفه ويثلمه، ومن ثم لا يجوز التعليق عليه، أو تجريحه سياسياً ودينياً وأيديولوجياً إلا من خلال الطرق القانونية المحددة للطعن على الأحكام. فى مراحل التطور التاريخى للنظام القضائى المختلط والوطنى قبل وبعد اتفاقية مونترية ذائعة الصيت اقتصرت التعليقات النقدية والشروح على الأحكام، على الجماعة الفقهية والقضائية لاعتبارات علمية وقانونية محضة، وذلك من أجل إنماء وتجديد المعرفة والعلم القانوني، ومن ثم تطوير المبادئ القانونية العامة فى البلاد، وذلك فى ضوء النظم القانونية المقارنة على المستوى العالمي، لاسيما فى إطار الثقافة القانونية اللاتينية وسواها بوصفها المصدر التاريخى للنظام القانونى المصري. كان التعليق على الأحكام ذا طبيعة علمية وفقهية وليست سياسية او دينية، تأويلية. من هنا كان مجال التعليق هو المؤلفات والمجلات القانونية المتخصصة. مع انتشار الصحف ووسائل الإعلام المرئية ثم الرقمية اتسع نطاق الاهتمام بالأحكام القضائية لاسيما تلك التى تفصل فى منازعات إدارية أو جنائية يكون موضوعها، وأطرافها ذوى طبيعة سياسية أو دينية، ومن ثم جزءاً من اهتمامات الرأى العام وقضاياه المتفجرة. منذ عهد الرئيس الأسبق حسنى مبارك تزايدت ظاهرة توظيف النظام والنخبة الحاكمة للآليات القضائية وإجراءاتها فى حسم قضايا سياسية- قوانين مباشرة الحقوق السياسية والمساس بالحقوق والحريات العامة والشخصية الدستورية للمواطنين .. الخ-، وذلك بديلاً عن التعامل السياسى مع هذه القضايا، وليس من خلال هذه الآلية القضائية، التى حملت أكثر مما تتحمل لأهداف سياسية سلطوية ترتبط باستخدام بطء التقاضى وإجراءاته، وتمرير قوانين غير دستورية لخدمة السلطة والنخبة ومصالحها السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية من مثيل إصدار قوانين بضرائب غير دستورية. من هنا تزايدت التعليقات السياسية على الأحكام بما فيها التعليقات القانونية العلمية فى الصحف، وبعض أجهزة الإعلام سواء من متخصصين أو من إعلاميين وسياسيين. ان أخطر ما فى التعليقات هو دخول عديد من الأطراف إلى ساحة التعليق السياسى على الأحكام من النشطاء، والحزبيين ، والمنتمين للجماعات الإسلامية السياسية وغيرهم، وذلك على الواقع الافتراضى مواقع التفاعل الاجتماعي-، وهو الأمر الذى بات يشكل بيئة ضاغطة على عمل الجماعة القضائية، والقضاء فى مصر. الأحكام القضائية هى عنوان الحقيقة، فى ضوء قناعة المحكمة، إلا أن القانون حدد طرق الطعن على الأحكام أمام الجهات القضائية سعياً وراء حسن تطبيق القانون وتفسيره وتأويله، وسلامة الاستدلال، ومراعاة الحق فى الدفاع.. الخ، أحكام المحاكم عنوان الحقيقة نعم، لكن متى اعتصمت بالقانون وقواعده، ولم تتنكب صحيح قواعده، والمبادئ القضائية المستقرة فى قضاء النقض، والإدارية العليا، والدستورية العليا.. الأحكام المستعجلة التى تصدر فى قضايا يخشى فيها ضياع أصل الحق إذا ما تم الانتظار لصدور حكم من القضاء الموضوعى وإجراءاته، ومن ثم تنظر على وجه السرعة، ويصدر فيها حكما وقتيا لا يمس أصل النزاع، ويجوز الطعن عليها أمام محكمة الجنح المستأنفة. الحكم الصادر بوقف أنشطة جماعة شباب 6 أبريل الصادر أول من أمس، يجوز الطعن عليه أمام المحكمة الاستئنافية المستعجلة، فى القضاء العادي، وكذلك طلبات وقف التنفيذ أمام القضاء الإدارى للقرارات الإدارية التى يؤدى تنفيذها إلى آثار يصعب تداركها فى هذا الشأن، ويمكن الطعن على الشق المستعجل فيها أمام الإدارية العليا. فى القضايا الجنائية عموماً، وتلك التى يتداخل فيها بعض الأبعاد السياسية والسياسيين، كالأحكام الصادرة من محكمة جنايات المنيا بالإعدام على بعض المتهمين، بعضها غيابى والآخر حضوري، هنا ثمة آلية هامة، هى طعن النيابة العامة الوجوبى عليها بالإضافة إلى المتهمين أمام محكمة النقض، إن الضجة التى أثيرت حول هذه الأحكام التى لا تعليق عليها تعود إلى عدد من الأسباب: 1- العدد الكبير الصادر فى شأنه أحكام بالإعدام من جماعة الإخوان المسلمين ولأعداد كبيرة لم تحدث من قبل مصرياً وعالمياً، واستخدام أجهزة الإعلام الفضائية الداعمة لإخوان الجزيرة وسواها للتنديد السياسى بالأحكام والقضاة والدولة المصرية.. 2- استخدام بعض القنوات الفضائية بعض القضاة من الذين أحيلوا للصلاحية أو السابقين للتعليق على هذه الأحكام ونقدها بعنف، وإعطاء الانطباع المؤثر للرأى العام بأنها مسيسة. 3- ردود الفعل الدولية المنددة بالعدد الكبير من المحكوم عليهم بالإعدام من المنظمات الحقوقية، وكذلك من بعض الإدارات السياسية الغربية وعلى رأسها الأمريكية، فى ممارسة الضغوط على السلطة الانتقالية، ومسار خارطة الطريق الحالية. 4- الانتقادات السياسية التركية من نائب رئيس الوزراء التركى أمس، بالإضافة إلى ردود أفعال الأممالمتحدة والاتحاد الأفريقي.. الخ السابقة والتالية. 5- دخول بعض «القوى الثورية» الرافضة لبعض ممارسات السلطة الانتقالية فى التوظيف السياسى للأحكام فى تعبئة بعض شباب الجامعة وحشدهم للتظاهر. 6- صدمة المنظمات والدول التى ترفض عقوبة الإعدام التى تم إلغائها فى قوانينها الجنائية، ومن ثم كان رد فعلها ولا يزال عنيفاً إزاء الإعدام فى الجرائم ذات الطبيعة السياسية وغيرها. 7- إن إحالة أوراق 683 متهماً بينهم المرشد العام للإخوان د.محمد بديع ستثير ضجة سياسية وقانونية دولية وداخلية كبري، ولكن سيطعن عليها، والمرجح إلغاؤها أمام محكمة النقض، ولكنها ستؤدى إلى المزيد من الانقسام السياسى الحاد، والاحتقانات المتزايدة. 8- حكم وقف أنشطة جماعة 6 أبريل من الأحكام الوقتية الممكن استئنافها فى الشق المستعجل، من ناحية أخري، نحن أمام جماعة سياسية تكتسب مشروعيتها من الواقع السياسي، وهناك عدد من الآليات السياسية والقانونية الأخرى لكى تظل حاضرة فى المشهد السياسى لأن الأحكام القضائية مع كل الاحترام لها لا تؤدى إلى إلغاء قوى سياسية، ولا على الأفكار السياسية التى تطرحها. أحكام الإعدام التى طالت قيادات الإخوان فى ظل ثورة يوليو 1952 لم تؤد إلى إنهاء الجماعة أو تصفية وجودها، ومحو أفكارها السياسية والدينية. إن البيئة السياسية وصخب الخطابات السياسية وعنفها اللفظى وتوتراتها ستؤدى إلى ازدياد ظاهرة التعليق السياسى الصاخب على الأحكام، وستسهم فى اضطراب بعض مظاهر المشاهد السياسية، وتزايد موجات العنف المتلاحقة فى واقع انتقالى يتسم بالسيولة، وبعض الاضطراب، وسيجعل من ظاهرة التعليق السياسى على الأحكام مستمرة، وهو ما يحتاج إلى معالجة سياسية أكثر شمولاً وعمقاً فى المستقبل. لمزيد من مقالات نبيل عبدالفتاح