تراجع أسعار النفط عن أعلى مستوياتها في أسبوعين بعد اتفاق أمريكا والصين    أسامة ربيع: نفكر في تخفيض رسوم العبور بقناة السويس من 12 إلى 15%    أول بيان من الدبيبة بشأن الاشتباكات المسلحة في طرابلس    وانفرطت حبات العقد، محمد صلاح مهدد بضياع رقمين قياسيين قبل نهاية الدوري الإنجليزي    رئيس شركة شمال القاهرة للكهرباء يفصل موظفين لاستغلال الوظيفة والتلاعب بالبيانات    أديب عن انقطاع الكهرباء مع ارتفاع الحرارة: "تخفيف أحمال" أم "حوادث متفرقة"؟    الدولار ب50.45 جنيه.. سعر العملات الأجنبية اليوم الثلاثاء 13-5-2025    «الاتصالات» تطلق برنامج التدريب الصيفي لطلاب الجامعات 2025    بعد استلام ألكسندر.. هل تواصل إسرائيل خططها لتصعيد هجومها في غزة؟    ترامب: نصدق كلام الحوثيين بشأن التوقف عن استهدافنا    تفاصيل.. مؤتمر الاتحاد المصري لطلاب الصيدلة في نسخته الرابعة    محمود بسيوني حكما لمباراة سيراميكا كليوباترا والأهلي.. مثل الدور الأول    الأهلي يحصل على توقيع موهبة جديدة 5 سنوات.. إعلامي يكشف التفاصيل    حبس لص الدراجات النارية بالبساتين    مواعيد أهم مباريات اليوم الثلاثاء في جميع البطولات والقنوات الناقلة    ما هي أهداف زيارة ترامب إلى الرياض ودول الخليج؟    رعب أمام المدارس في الفيوم.. شاب يهدد الطالبات بصاعق كهربائي.. والأهالي يطالبون بتدخل عاجل    دي ناس مريضة، مصطفى كامل يرد على اتهامه باقتباس لحن أغنية "هيجي لي موجوع"    جولة تفقدية لمدير التأمين الصحي بالقليوبية على المنشآت الصحية ببهتيم    إطلاق مبادرة «دمتم سند» لتوصيل الدواء والكشف المنزلي بالإسماعيلية    بعد مقتله.. من هو غنيوة الككلي؟    بعد اطمئنان السيسي.. من هو صنع الله إبراهيم؟    سعر السمك البلطي والجمبري بالأسواق اليوم الثلاثاء 13 مايو 2025    ميمي عبدالرازق: الأهلي يحتاج لمدرب أجنبي قوي.. وهناك مجاملات للأحمر!    أسعار المأكولات البحرية والجمبري اليوم الثلاثاء 13-5-2025 في محافظة قنا    الخارجية الأمريكية: جهود كبيرة لتحسين الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة    حريق هائل يلتهم 4 طوابق بعقار في المريوطية    انفجار أسطوانة غاز السبب.. تفاصيل إصابة أم وطفليها في حريق منزل بكرداسة    كيف ردت سوريا على تصريحات ترامب بشأن رفع العقوبات؟    جدول امتحانات الشهادة الإعدادية بمحافظة المنيا للفصل الدراسي الثاني 2025    تعرف على مواقيت الصلاة اليوم الثلاثاء 13-5-2025 في محافظة قنا    ثبات سعر الذهب اليوم وعيار 21 الآن الثلاثاء 13 مايو 2025 (بداية التعاملات)    محافظ سوهاج: تشكيل لجنة لفحص أعمال وتعاقدات نادي المحليات    الكشف على 490 مواطناً وتوزيع 308 نظارات طبية خلال قافلة طبية بدمنهور    بعت اللي وراي واللي قدامي، صبحي خليل يتحدث عن معاناة ابنته مع مرض السرطان (فيديو)    يلا كورة يكشف.. التفاصيل المالية في عقد ريفيرو مع الأهلي    كشف لغز العثور على جثة بالأراضي الزراعية بالغربية    تحت شعار «اكتشاف المشهد».. «أسبوع القاهرة للصورة» يواصل فعاليات دورته الرابعة بدعم غزة (صور)    5 أبراج «لو قالوا حاجة بتحصل».. عرّافون بالفطرة ويتنبؤون بالمخاطر    محامية بوسى شلبى تعلن مقاضاة كل من يخوض بعرضها أو ينكر علاقتها الزوجية    منتخب مصر للباراسيكل يكتسح بطولة إفريقيا لمضمار الدراجات ويحصد 29 ميدالية.    آس: بعد أول مباراتين ل البرازيل.. نجل أنشيلوتي سيتولى تدريب رينجرز    اعتماد 24 مدرسة من هيئة ضمان جودة التعليم والاعتماد بالوادي الجديد    جامعة القاهرة تحتفل بيوم المرأة العالمي في الرياضيات وتطلق شبكة المرأة العربية- (صور)    جدول امتحانات المواد غير المضافة للمجموع للصف الثاني الثانوي ببورسعيد(متى تبدأ؟)    إيمان العاصي في "الجيم" ونانسي عجرم بفستان أنيق.. 10 لقطات لنجوم الفن خلال 24 ساعة    قبل عرضه على "MBC".. صلاح عبدالله ينشر صورة من كواليس مسلسل "حرب الجبالي"    أميرة سليم تحيي حفلها الأول بدار الأوبرا بمدينة الفنون والثقافة في العاصمة الإدارية    بسبب الاشتباكات العنيفة.. ما حقيقة تعليق الدراسة والامتحانات ب طرابلس؟    هل يجبُ عليَّ الحجُّ بمجرد استطاعتي أم يجوزُ لي تأجيلُه؟| الإفتاء تجيب    افتتاح أول مركز للقيادات الطلابية بجامعه المنوفية    سقوط طفل من مرتفع " بيارة " بنادي المنتزه بالإسماعيلية    انتحار شقيقي الشاب ضحية بئر الآثار في بسيون بالغربية    اليوم| محاكمة تشكيل عصابي بتهمة الشروع في قتل شاب ببولاق الدكرور    طفل ينهي حياته داخل منزله بالإسماعيلية    عالم بالأزهر: هذا أجمل دعاء لمواجهة الهموم والأحزان    أهم 60 سؤالاً وإجابة شرعية عن الأضحية.. أصدرتها دار الإفتاء المصرية    موعد وقفة عرفة 2025.. فضل صيامها والأعمال والأدعية المستحبة بها    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



حلوة يا نعم
نشر في الأهرام اليومي يوم 10 - 01 - 2014

مصرية خمرية في شرخ الشباب, دمها مصري حامي كما الجمرة في النور المذاب, طالعة متأججة وشاطرة تلقطها وهي طايرة.
من بيت أصول مصري صميم, وكلها تصميم, ولما تتعرض لمصر في فنها السينمائي تلجأ لأهل مصر وريف مصر وسكك حديد الحكومة المصرية, والفلاحين في الغيطان, وأهلنا علي شط الترعة, وسائقي التوك توك وزفة الكارو, وعيال بيلعبوا الحجلة فوق الجسر, وعمال تراحيل بلا تراحيل, وعمالة خلف مكن من اللي يحب النبي يزق, ورجالة متربعين تتوسطهم ركيات النار وعدة الجوزة والشاي, وصاحب التريسكل من بعد نقلات البتلو أصبح حمولته قوالح ذرة, وفلاحة ساندة رأسها بذراعها في وضع الصبر التاريخي أمام فوهة فرن حالكة السواد, وتلاميذ مدارس رايحين يحفظوا صم وراجعين ناسيين.. وتحمل ساندرا نشأت المخرجة كاميراتها وميكروفونها تسجل صوت مصر القائل بتلقائية وفورية وثورية نعم للدستور من حول قمائن الطوب وبين عيدان الذرة, وتحت أبراج الحمام, وغادي عند السد, وفي طنطا عند مريدي السيد البدوي وابتهالاتهم عند الضريح: من زوج مربوط, ومن أوشكت ابنته علي سن اليأس دون أن يدور عليها عريس, ومن توالت مرات رسوب ابنه, ومن له زوجة ممسوسة أو بقرة مسروقة أو طفلة ضائعة.. وتسأل الكاميرا حتقول إيه للدستور؟ للشربتلي والفكهاني والفرارجي والخضري, وأهلنا علي ضفاف الصحاري, وبدو سيناء, وصيادي الملاحات, وخلق قاعدة علي رصيف القهاوي والشيشة حموي والطاولة جهار, وسكان القرافات, وناسنا في مغاغة وملوي وكسفريت ومطاي وجهينة والتل الكبير.. و..بنات بسن ضاحك لسن بحرائر الإخوان, وسكان السطوح والعشش والبدرونات, وتجار الشماعات, وعرائس العشوائيات, وشمحطجية بولاق, وأرزقية تحت الربع, وفتوات السكاكيني وسماسرة الميناء, والرجل النصف المعوق المتمركز بعجزة وعجيزته للتسول علي حافة الرصيف, ومتسلقو جبال القمامة, وسميحة تمورجية القصر, وكوثر بائعة اللانجيري في ريون صيدناوي, ونبوية القوية سجانة عنبر النساء في أبوزعبل, والست شربات صاحبة كشك الساقع, ومتولي قعيد الدار والمرض ولحاف الأرض, وسماحة ابن أم سماحة العاطل مع إن صوابعه تتلف بحرير إذا ما خرط أويمة رجل طاقم موديل لوي كانز, وسحر عاملة المانيكير والباديكير والطريقة الشرقية المعروفة, والواد سعيد صبي ورشة الدوكو وحامل أختام صاحبة الدكان, وعبدالبصير علاف الفرشة تحت تندة بكية دكان الميدان ببضاعتها من فول وعدس وفاصوليا ولوبيا وحلبة حصي وحبة البركة ولبان دكر وقرون خروب وتيليو وبردقوش, وعم منسي حانوتي الطبقة الراقية, وزخاري حلاق وكوافير الناصية, وكريمة الزوجة الثانية ساكنة بلكونة أول دور, وإسماعيل أفندي ناظر المدرسة وابن خالة سيادة الوزير...الخ.
في دقائق معدودات نستمع لرأي مصر الجمعي الشعبي الوطني علي لسان أبنائها في دستورها القادم, لتشكل الأصوات المتتالية المتدفقة بمحطاتها الموحية من أقوال نجيب محفوظ ويوسف وهبي وشكوكو وهدي سلطان وموال محمد طه التي تجمعها ساندرا نشأت من أفواه المصريين في كل مكان سيمفونية الأمل الذي يقول للدستور نعم معقبا بعبارة فحواها لعنة علي عام انقضي بالهم والغم تحت وطأة حكم الإخوان: طبعا نعم.. المتاجرين بالدين الكذابين.. الليل له آخر.. طفحونا شرعية وصندوق والرئيس المنتخب.. يخرب بيت اللي عايز يخرب مصر.. يا ألف نعم.. نعمين.. ماعدش واحد وحش جاي.. ناس مايعرفوش ربنا وواقف يصلي بنا إمام.. نعم علشان البلد تمشي.. علشان مصر تطلع فوق.. علشان مصر ترجع تاني.. علشان مايرجعوش تاني.. الله لا يعيدهم ولا يعيد أيامهم ومظاهراتهم وإرهابهم.. يحيا جيش مصر.. أنا بحب السيسي.. نعم ونص.. ماخلاص العبيط فتح.. خللي بلدنا تستقر.. كفاية حرايق وهدم.. خلعوا لنا الأرصفة وفخخوا العربيات.. نعم نعم نعم.. لو صلحنا نفسنا مع بعض البلد حينصلح حالها.. خلونا لا مؤاخذة ملطشة.. تطاولوا علي الإمام الأكبر.. ولعوا في الأزهر.. نعم وألف نعم.. حنقول إليريه, إليريه, إليريه يعني نعم بالنوبي.. نعم لأجل نطلع من الغيمة والخيمة والخيبة والوزارة المعيبة.. يا نعم دستور يا سيد العرسان.. آه يا نعم.. حلوة يا نعم..
لويس عوض الخبير المثمن
عشرات القطط تتمسح في الأرجل وتموء فوق المقاعد والكتب وأطباق الطعام وأكتاف الجالسين.. وليتها كانت قططا بيتية ناعمة متربية ومستحمية.. أبدا.. فمنذ الوهلة الأولي لمظهرها المستوحش تستدل علي مخبرها ومقدمها من ضلال أرض الطريق.. مشهد كانت له غرابته في ذلك الصالون الذي دخلنا إليه لنقضي سهرتنا في الثمانينيات بمنزل الدكتور لويس عوض بين جمع من الفنانين التشكيليين الأصدقاء بالدور الأول44 شارع قصر العيني.. و..وسط هذا الخضم في صالون السهرة الثقافية كان المضيف يلبي زعقة إثر أخري تأتيه من باب جانبي ينشق شريطا علي قطع طولي لخوجاية عصبية ترطن بالفرنسية كان لوقع حدتها ما أشعرنا بأننا ثقلاء غير مرغوب فيهم من صاحبة البيت. ويسارع الدكتور في كل مرة بعيون أكثر حولا بإغلاق الباب ومصادرة مصدر الاحتجاج ليعود إلينا بابتسامته المتوترة ومجاملاته المحرجة معتذرا عن الزوجة التي همس لنا بأنه انتهي إزاءها بتخصيص يومين من كل أسبوع يسمح لها فيهما بالتمادي في الشراب.. وعذرت الرجل بعدها عندما عرفت أنه لجأ إلي عزلة اختيارية في بيت ريفي بدهشور في الفيوم جعله صومعة لإبداعه بعيدا عن صخب زوجة لا يسمح له دينه بطلاقها هوايتها استضافة القطط الضالة وسب الضيوف بالفرنساوي.
وقع الدكتور لويس عوض في حب ثلاث معشوقات كل لها لونها.. زوجته الشقراء, والحرية التي وصفها بأنها معشوقته الحمراء, ومعشوقته السمراء التي كان يعني بها مصر مؤكدا علي الدوام خصوصية قوميتها واستمرارية عطاء جوهرها رغم كل ما مر بها من محن: لم ينجح غاز في أن يغير اسم( ايجبت) أي( قصر روح الإله بتاح), ولم ينجح غاز في أن يغير اسمها الآخر( مصر) أي( بيت الإله أوزيريس).. لم ينجح أحد في تغيير الاسم سوي ابن من أبنائها( يقصد جمال عبدالناصر وقت إعلان الوحدة مع سوريا عام1958 لتغدو الجمهورية العربية المتحدة).. لكن الاسم عاد.. مصر.. مصر.. مصر.. مصر المعشوقة السمراء التي كتب ابن عوض في حبها عام1954 يقول وكأنها إلياذة هوميروس اليونانية.. سيدة أنت في العالمين: فوق رأسك السماء زرقاء من زرقة بحر الروم, وجنة عدن تحت قدميك, من فيض الكوثر نبعك, ومن رحمك يخرج حورس ماحق الشر.. مهرك هذه الغلالة الخضراء فخذيها واستري بها جمالك الوهاج.. داري جمالك الآسر حتي لا تحسدك العيون..
لويس حنا خليل ميخائيل عبدالمسيح حنا عوض أنا كنت دايما بتضايق من الجزء الوسطاني من اسمي لأني كنت دايما حاسس إنه طويل وبايخ الشهير بلويس عوض من مواليد قرية شارونة مركز مغاغة بالمنيا في5 يناير1915 رسميا, بينما ميلاده الحقيقي في20 ديسمبر1914 كما ذكرت له أمه هيلانة عوض التي كانت هي ووالده أبناء عم وأبناء خالة, ومن هنا جاء زواج الأقارب بنتاجه المحتوم فهناك من العشرة أبناء ثلاثة ماتوا أطفالا, واثنان ناقصا القوي العقلية, مع ظاهرة حالات العقم فيمن تبقي من نسل.. والطريف أنه تبعا للأوراق الرسمية قد سجل اسم الدكتور خطأ علي أنه أنثي لويز وليس ذكرا لويس وكاد اسم لويز الأنثوي يتسبب في إلغاء بعثته للخارج عام1937, فاضطر إلي تأنيث نفسه في إقرار البعثة تبعا لشهادة الميلاد لينهي أوراقه مصحوبا بهمس موظف قلم المراجعة في إدارة الجامعة: عملت طيب يا أستاذ لويس.. تعرف لو كنت صممت علي الاسم الثاني الذكر كانت راحت عليك البعثة.. لويس عوض من أطلق عليه نقاده أكثر من لقب: نهر العناد, قاطع الطريق, الشريك المخالف, آخر التنويريين العظام, مثير الجدل, المتكامل التضاد, ووريث طه حسين الذي ملأ النصف الأخير من القرن بمثل ما ملأ العميد النصف الأول, لكن طه ملأت الريح الطيبة أشرعته لتدفع بها إلي الجزر السعيدة والشواطئ الآمنة, بينما أخطأ تلميذه الذي أبحر في خضم العاصفة فمزقت أشرعته وقلبت زورقه, وأحاطت به من كل جانب, وهددته في حريته وكرامته, وفي رزقه وحياته حتي مات مكروبا بعد رحلة عمر بلا اتكاء علي ابن أو ابنة قال عنها يوما: إنني لم أنجب لكن حياة الفكر قد عوضتني الإحساس بأني عاقر وجعلتني أشعر بأني قادر علي ولادة الأفكار والمعاني.. وقد كان.. شيد لويس عوض مجده الأدبي بأظافره ليظل شعاعه النقدي نافذا في عظام الكلمات.. وحده كان تيارا امتزجت في كتاباته الخصومة بالخصوبة.. خصومة الرأي وخصوبة الفكرة.. المتهم بالشيوعية رغم منعه من دخول الاتحاد السوفيتي, المعتقل بسببها في سجن الواحات, الذي هاجمته البرافدا متهمة له بمحاولة التخريب في الحركة الماركسية المصرية, بعدما نشر روايته العنقاء أو تاريخ حسن مفتاح منددا بديكتاتورية البروليتاريا وبالجماعات الشيوعية في مصر.. المعتنق فلسفة اللاعنف: أكره العنف وأعتقد أنه يخلق من المشاكل أكثر مما يحل, وربما مبعث فلسفتي أني كنت أحمل بعض رواسب المسيحية التي ربيت عليها, فقد لقنتني منذ طفولتي أن من لطمك علي خدك الأيمن أدر له خدك الأيسر.
ويذكر لويس عوض الكثير حول نشأته الدينية منه: لم يكن أبي متدينا بالمعني المألوف. لم يكن يصلي أو يصوم حتي في يوم الجمعة الحزينة.. ولا أذكر أني رأيت أبي أو أمي يذهب أي منهما إلي الكنيسة في المنيا أيام الأحد, أو حتي في أيام الأعياد لحضور القداس, ولكن ربما دخلاها في المناسبات الحزينة ومناسبات زواج أبناء معارفنا النادرة, وكان أبي رغم عدم اشتغاله بالسياسة صاحب وعي سياسي كأكثر المصريين, يقول لأبنائه حول العلاقة بين الأقباط والمسلمين: كل تطرف من عمل المحتل الإنجليزي, وفقا لسياسة فرق تسد التي اتبعوها في الهند.. كل هذا لم يمنع أن أبي عمدنا كسائر الأطفال المسيحيين, وعلمنا قبل أن نبلغ الخامسة أن نصلي قبل النوم: أبانا الذي في السماوات.. ومن أجل ذلك أتصور أني لم أنشأ في أسرة قبطية أرثوذكسية نموذجية.. وأزعم بأنك لو استوقفت عشرة أقباط أرثوذكس متعلمين وسألتهم عن الفرق بين العقيدة الأرثوذكسية والعقيدة الكاثوليكية لما عرف ذلك منهم أكثر من واحد.. ويسألون لويس عوض عن ظاهرة الحجاب في عام1985 فيقول: أتابع تزايد عدد المحجبات, ولست منزعجا بل إنني متفائل مادام هؤلاء المحجبات يذهبن إلي المدرسة والجامعة والعمل, فالمطلوب تعليم المرأة لتحقق استقلالها الاقتصادي, ومادام الأمر كذلك فلا خوف علي مستقبلها.. ويكتب لويس عوض عن حصيلته المعرفية: كنت أجد متعة كبري في استظهار بعض سور القرآن وبلاغته ومعانيه, أتخذ منه مثالا يحتذي في التعبير الأدبي, وقد قوي ذلك إحساسي باللغة العربية, وانعكس فيما بعد علي أسلوبي العربي.. ولقد وجدت ضالتي في شعر شوقي عندما قال عن المصحف:
فما عرف البلاغة ذو بيان إذا لم يتخذك له كتابا
لويس عوض من كنت تلتقط علي وجهه دائما تعبير الاندهاش وفي بعض الأحيان الذهول.. الذي يضع في جيبه خمس ولاعات فإذا أراد إشعال سيجارته يقول لك ولع لي.. من لا تشعر به بجوارك يمشي علي الأرض وإنما طاير في الهواء.. دائما ما كان شعر الأنثي الطريق إلي قلبه.. زار فؤاده الحب لأول مرة ببطلة مسلمة بنت الجيران واسمها وجنات التي لفت نظره فيها شعرها النحاسي الأحمر.. الثانية في الحب عايدة أبوسيف بشعرها الكثيف الفاحم التي كانت تقف في بلكونة الدور الثاني من بيتها تصلح خصلاتها وكنت أسمع من زملائي في المنيا الثانوية أن اللعب في الشعر شفرة في رسائل الغرام عن بعد, ولكني استبعدت أن عايدة ترسل علي حبال شعرها رسالة لأحد لأن بلكونتها بالفعل كانت ملقف هواء.. وتأتي ثالث الحبيبات المسلمة زميلة الجامعة المتخرجة عام1939 قسم اللغة الفرنسية بشعرها الأسود المرسل اعتماد طه منصور النوري: الحب كان عذريا ويائسا منذ البداية بسبب اختلاف الدين, وأعتقد أنها كانت من جانبها تحس بمشاعري دون أن تكون هناك مصارحات أو إيحاءات واضحة, فقد كانت تتعمد في رفق عدم تشجيع هذه العواطف وإن كانت من وقت لآخر تمد الشباك عملا بأصول لعبة الحب.. كان جمالها من جمال نفرتيتي, عليه مسحة رقيقة من الحزن.. وكنت أنظم فيها شعرا عموديا, وانقطعت أخبارها عني تماما حتي قرأت نعيها في الأهرام في عام1980, أي بعد أربعين عاما, وتحركت الأشجان القديمة لحظات, وأرسلت إلي أهلها برقية عزاء, ولا أدري إن كنت قد أخطأت بهذا التصرف, ولم أعرف من النعي أكثر من أن اعتماد كانت من كبيرات موظفات وزارة التربية والتعليم.. وكان لويس عوض أيضا معجبا بزميلته الجامعية ماري سلامة أشهر ناظرات التعليم الإنجليزي وأرسل يسألها الزواج فلم ترد عليه من أصله, ولا تمضي ذكريات وجع القلب دون أن يذكر صاحب القلب الرهيف أن أمينة السعيد زميلته والطالبة الوحيدة في قسم اللغة الإنجليزية كانت محور اهتمام الجميع بسبب جمالها الطاغي.. وطبعا كان واحدا في الطابور!
الناقد المفكر المؤرخ الدكتور لويس كان يدعوه الأستاذ هيكل رئيس مجلس إدارة الأهرام وقتها للسفر صيفا في جولة ثقافية عالمية يعود منها لنا بذخيرة الاستغراق في المشهد الثقافي العالمي.... وما أن عاد الدكتور يوما من جولته السنوية حتي دعاني إلي مكتبه المقابل بالدور الخامس ليسألني يومها سؤالا وجدته وقتها علي درجة رفيعة من الهيافة.. تعرفي تقولي لي نص أغنية النايلون؟!.. فأدركت مقصده لأذكر له أن العتبة جزار والسلم نايلو في نايلو لمطربة اسمها عايدة الشاعر.. فبدت علي وجهه المندهش دوما ملامح السرور الطاغي والامتنان العظيم راجيا أن أملي عليه الكلمات ببطء ليعيد من ورائي دندنة الأغنية الشعبية, لأتحفه بالأغنية الثانية الطشت قال لي قومي استحمي فيزداد زأططة.. وقتها لم أكن أعرف أن من اهتماماته جمع تراث الفولكلور الشعبي, وأنه الرائد الحقيقي للحركة الشعرية الحديثة التي تجسدت فيها روح العصر, وكان يستطيع أن يبلغ في الشعر مكانة مرموقة لو أنه تفرغ له, لكنه فضل أن يكون مبشرا بالشعر الحديث لا قارضا له, والذي كانت دعوته إليه في بيان يحمل العنوان المثير حطموا عمود الشعر في مقدمة ديوانه بلوتو لاند.. وكان التطور الذي دعا له لويس عوض لا يقف عند حد الدعوة إلي تجديد الأوزان والمفردات, بل يدعو أيضا إلي كتابة الشعر بالعامية التي قدم منها محاولات ضمها ديوانه كان لها ظلال في شعر صلاح جاهين فيما بعد.
لويس عوض الذي هرب تلميذا من الصعيد للإسكندرية كي يتسلل في بطن باخرة في الخفاء لهوليوود ليناطح علي الشاشة الفضية كلارك جيبل أعادوه في اليوم التالي مفلسا مهلهلا للبيت علي يد محضر.. ذلك المغامر كان أهم المستكشفين العظام الذين ينذرون حياتهم للكشف عن مناجم الإبداع بينما هم في حد ذاتهم نهر فيض الإبداع.. دكتور عوض الخبير المثمن لقيمة الجواهر وسط زيف الحجارة قدم علي مسرح الفكر والفن والشعر المصري أبطال الحداثة أمثال صلاح عبدالصبور وأمل دنقل ومحمد أبوسنة, وفي القصة القصيرة الواقعية ملكها يوسف إدريس, وفي عالم الرسم الفنانة التشكيلية تحية حليم.. قام المعلم بتدشينهم في مدرسته ليجنبهم بعدها الأعاصير, ولولا صلابته لكانوا قد أصبحوا عرضة لعنف نقد شخصية عارمة مثل العقاد من كان من الصعب إقناعه بموهبتهم, ولو كان شعر عبدالصبور كمثال قد ضل طريقه إليه لقام بتحويله إلي لجان النثر مصدرا حكمه بإعدامه شاعرا, ورغم عطائه.. ورغم خمسين كتابا من تأليفه.. فقد وصلت القسوة في قلب الوسط الثقافي الذي قدم له لويس عوض حياته بتوجيه الاتهام له بأنه باع نفسه للسلطة عندما ساعد يوما زوجة الرئيس الراحل السادات بعلمه وخبرته لنيلها الدرجة العلمية... وكان من الممكن تفسير جنوحه للمساعدة بأنها كانت تستحقها كغيرها, أو أنها لحظة ضعف الانبهار التي من الممكن أن يمر بها أي مثقف.
و.. يا عالم الترهيب والتعذيب والإقصاء والإعدام البطئ بالتجاهل والصمت.. العبقري يا سادة شخصية لها تركيبة أخري غير النمطية التي ندور فيها وتدور حولنا.. العبقري مبدع, والإبداع يأتي عبر نماذج مختلفة.. العبقري لم يكن أبدا وسطيا لكنه صاحب الجنوح والجموح إلي أي من الجانبين.. اللمحات التي قد تبدو شاذة في حياته ربما كانت في ذاتها من أسرار عبقريته.. الإبداع سلوه ألا يأتي إلا من بعض الشطط, والأمثلة واضحة في قوائم عباقرة التاريخ القديم والحديث: بيكاسو.. بيتهوفن.. أينشتين.. لويس باستير.. أبي العلاء.. العقاد.. مجدي يعقوب.. ولويس عوض.. من كان عبقريا وكان مرجعا, وفي مصرنا الحبيبة لم تعد هناك لا مؤاخذة مرجعية لا في الثقافة ولا النقد ولا ولا ولا حتي في عالم النغم.. جيل الأساتذة انقرض والنوادر الباقية يحكمها تصلب الشرايين تنسي دورها السابق في العطاء لتسبح في مونولوج الأنا والمذكرات الشخصية, وأنا كنت, وأنا قلت, وأنا لما سافرت.. وأنا اللي مالي زي!!! ومرجعية النقد التي سكنت مصر يوما منسيا تحولت إلي مجامل كبير وليس الناقد الكبير.. وهناك بلاشك الكثير من السادة المحترمين, لكن سيظل الفارق شاسعا بين واحد محترم وواحد يعد مرجعا!!
شهادة جهاد الخازن
رباعية الكتاب العرب الكبار لا أحسبني أستطيع أن أمضي يومي باكتمال دونما يطالعني صباح بمقال لأحدهم, أو اصطباحة غنية بفيتامينات الفكر والسياسة والأدب والفن لأربعتهم لأغدو من بعدها مشعة مشبعة وقد تناولت زادي وزوادي وشحنت جميع بطارياتي للتجوال المتفهم للأحداث من حولي, القارئ لدهاليز السياسة, الواعي لخفايا البشر, السائح في بلاد الكون, المطلع علي تراث الشعوب وحاضرها ومستقبلها.. الأساتذة الجهابذة غسان شربل وجهاد الخازن بجريدة الحياة اللندنية, وسمير عطاالله ود. مأمون فندي في الشرق الأوسط.. وليس أجدي ولا أوقع ولا أثري للفكر والوجدان من أن يكون أحدهم ضيفا علي مصر, جالسا أمامي في الشاشة, يضيف إلي مداد قلمه الموحي الذي اعتدته صورته وصوته وتعبير وجهه وحركة يده, وصمته عن الإجابة كإجابة, أو استرساله في السرد إذا ما تراءي له الإفصاح والشرح, وقد كان جهاد الخازن ضيفا بيننا في مصر بالأمس ليسألوه عن موقف قطر مع مصر فيقول وهو من ليس له خلاف مع أي مسئول قطري, وقد هنأ الشيخ تميم بالإمارة, لكنه في حديثه التليفزيوني المصري تمني له أن يدرك أن نثر المال رشوة لا سياسة, وقال: إن قطر لن تستطيع أن تلعب دورا أكبر من حجمها, وأن كل من يؤيد الإخوان اليوم يؤيد قتل المصريين, وقطر أصغر دولة عربية, حوالي190 ألف مواطن أو ما يعادل نصف حي شعبي بالقاهرة, ولا يجوز أن تحاول التدخل في سياسة أكبر دولة عربية وأن تؤذي شعبها, وإن كل إرهاب في مصر وحول العالم العربي والإسلامي يمكن العودة بجذوره إلي الإخوان المسلمين في مصر, من الجماعة الإسلامية والتكفير والهجرة إلي الجهاد الإسلامي في التسعينيات إلي القاعدة في العقد التالي.. أيمن الظواهري تعلم الإرهاب وهو من الإخوان وتسبب مع أسامة بن لادن بمقتل مليون عربي ومسلم ردا علي إرهاب2001 في نيويورك وواشنطن وقتل3 آلاف أمريكي, والكلام هنا صحيح ألف بالمائة وأي كلام يعارضه أو ينفيه يدين صاحبه ويجعله في صف الإرهابيين.. وتجدر الإشارة إلي أن أكبر قاعدة عسكرية أمريكية في الشرق الأوسط هي قاعدة العديد في قطر.. ويضيف الخازن علي شاشة مصر: أقول إن الإخوان المسلمين في مصر يحرضون علي الإرهاب ويمارسونه, وكل من ينكر ذلك ينكر ضوء الشمس, وهم فشلوا في سنة يتيمة لهم في الحكم وسقطوا فعادوا إلي العمل الوحيد الذي أتقنوه وهو الإرهاب, إلي درجة أن يغامروا بأرواح طلاب جامعيين يؤيدونهم أحرقوا كلياتهم في جامعة الأزهر.. المرجع في الإسلام الصحيح هو الأزهر الشريف والدكتور أحمد الطيب لا محمد مرسي أو محمد بديع!
نحو الأحوط!!
قالها الرسول صلي الله عليه وسلم: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر, فليقل خيرا أو ليصمت, ويعبر بنا المثل حقول الألغام في نصيحته الماسية: إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب.. ومن بعد فوبيا التسريبات الهاتفية الصادمة التي كشف عن بلاويها عبدالرحيم علي في صندوقه الأسود أصبح من باب الأحوط وسد باب الريح لتستريح ألا تخرج المكالمة في فحواها عن:
صباح الخير
- طيب
إيه الأخبار؟
- طيب
الجو بارد موت
- طيب
تحبي نخرج؟
- طيب
تحبي تقعدي مطرحك؟
- طيب
وحشاني
- طيب
سلام..
- طيب.
لمزيد من مقالات سناء البيسى


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.