معن بشور رئيس المركز العربي والدولي للتواصل والتضامن بلبنان والأمين العام السابق للمؤتمر القومي العربي واحد من رموز الفكر القومي العربي وله إسهاماته النوعية في تأصيل هذا الفكر سواء علي المستوي النظري أو علي المستوي التطبيقي وهو لايفتر عن الدعوة الي إعادة صياغة المشروع القومي العربي الذي تعرض لانتكاسات عديدة في العقود الأخيرة علي أسس من الديمقراطية والتعددية ورفض الاستبداد بكل أشكاله واليكم نص الحوار: هل ما زالت مصر تمتلك مقومات قيادة المشروع القومي العربي في ظل ما مرت به من تداعيات خلال السنوات الثلاث الأخيرة ؟وهل ثمة مشروع قومي ما زال قابلا للتطبيق في المنطقة؟ الجميع يتحدث عن غياب المشروع العربي كما يتحدثون عن وجود مشاريع عدة في المنطقة ما عدا المشروع العربي وذلك ينطوي علي كثير من الصحة علي المستوي الرسمي علي الأقل, ولكنني اعتقد أن السبب الأساسي لغياب المشروع العربي يكمن في الظروف التي فرضت علي مصر أن تنكفئ عن دورها العربي وفي تقديري فإنه بمقدار ما تتقدم مصر باتجاه استعادة هذا الدور بمقدار ما تشكل النواة والقيادة لهذا المشروع, لذلك فإنني علي قناعة قوية بأن مصر مهيأة خصوصا بعد قيام ثورتها المتجددة في الثلاثين من يونيو لاستعادة هذا الدور كما اعتقد أن جزءا من الاستقرار في مصر يتم تحقيقه بمقدار ما تنتزعه من دورها القومي وأيضا بمقدار ما تحققه من استقرار داخلي قائم علي الحوار بين مكوناتها وعلي بناء ميثاق عمل مرتكز علي دستور جديد وكل الإجراءات الأخري التي ستتبع ذلك بمقدار أن تلعب دورها علي الصعيد العربي. لكن من الواضح أن المشروع القومي العربي تعرض لانتكاسة يمكن وصفها بالكبري بعد الثورات التي وقعت في عدد من الأقطار العربية والتي أسفرت عن صعود الاسلام السياسي بكل تجلياته الي السلطة في هذه الأقطارلاسيما أن بعض القوي رأت أن هذه الثورات قامت لإسقاط الاستبداد الذي مر عليه أكثر من ستين عاما ملمحين الي النموذج المصري بشكل خاص هل توافق علي هذا الطرح؟ أولا المشاريع التاريخية لاتقاس بأشهر أو سنوات قليلة ومن ثم فإن تراجع المشروع العربي في العقود الماضية ربما يعود بالدرجة الأولي الي انكفاء دور مصرالعربي الأمر الذي أسهم في بروز مشاريع أخري متعددة فضلا عن المساهمة في تقوية القوي المعادية للأمة العربية علي أن تجعل هذه المشاريع في وجه المشروع العربي بيد أن هذاالمشروع العربي يتميز عن غيره من المشاريع المطروحة في المنطقة بأنه المشروع الجامع لذلك إذا كان البعض من هذا الفكر أو ذاك يريد أن ينفصل بمشروعه عن بقية أطراف الأمة أو يفرض نفسه علي مكونات الأمة من خلال مشروعه فإن المشروع العربي ليس مسئولا عن المؤمنين به وإنما هو مسئول عن كل مكونات الأمة لذلك فهو إما أن يكون وحدويا ليس بمعني أن يحقق الوحدة العربية فحسب ولكن تحقيق الوحدة الوطنية ورفض فكرة الاقصاء والإلغاء, والإبعاد والاستئثار والتي وقع في فخها الكثيرون لاسيما بعد ثورات الربيع العربي والتي وقع فيها أيضا بعض القوميين العرب باختصار فإن المشروع العربي بوسعه أن يستوعب الجميع بما في ذلك أصحاب المشروعات الفكرية الأخري وفي مقدمتها المشروع الاسلامي فنحن من دعاة أن يقدم المشروع العربي صورة جامعة يخرج العلاقات داخل مكونات الأمة من منطق التناحر والأقصاء والإلغاء, وإذا كان أصحاب المشاريع الأخري قد لجأوا الي هذا المنطق فإنه يتعين عليهم أن يتبنوا منطق الصدور المفتوحة والأيدي الممدودة والاستيعاب رغم قناعتي بصعوبة ذلك من ناحيتهم. كيف قرأت صعود الاسلام السياسي في مصر ثم سقوطه سريعا بعد فترة وجيزة هل انتابك شعور بأنه باستطاعته أن يهدد المشروع القومي ؟ لدي قناعة قوية بأن المشروع العربي لم يهدد من خارجه وإنما من قبل المنتمين اليه وبالذات حين يتقاعسون عن حمل لوائه وحين يقعون في تناقضات بين أفكارهم وشعاراتهم من ناحية وأفعالهم وسلوكهم في الواقع من ناحية أخري, لذلك أعتقد أن هذا المشروع حين يحصن نفسه بآليات ديمقراطية وعلمية وعصرية وحضارية ورؤية فإنه لن يكون بمقدور أي طرف أن يؤثر عليه والمعضلة فيما جري في مصر أن الفريق الذي وصل الي السلطة- بغض النظر عن الأسباب والملابسات والتحليلات حتي لا أسهم في سكب المزيد من الزيت علي نار الخلافات المشتعلة فيها في الوقت الراهن ارتكب جملة من الأخطاء وقد نبهت اليها بحكم علاقاتي مع بعض رموز هذا الفريق سواء عبر المؤتمر القومي العربي أو المؤتمر القومي الاسلامي. ألم ترصد أخطاء داخلية في أداء وحكم جماعة الإخوان المسلمين؟ أنني أترك هذه الأخطاء ليتحدث عنها المصريون بأنفسهم, فما أتحدث عنه يتعلق بالأخطاء علي الصعيد القومي والتي جعلتهم يخترقون كل ماتعهدوا به علي هذا الصعيد بينما نحن لم نخرج عما تعهدنا به علي الرغم من كل الذي جري سعيا لتحقيق توافق بين جميع القوي باتجاه أهداف محددة, وقد قلت ذلك خلال المؤتمر القومي العربي والذي عقد بالقاهرة في شهر يونيو الماضي, كما قلته مؤخرا في بيروت في ندوة مستقبل الاسلام السياسي التي نظمها مركز دراسات الوحدة العربية ومؤداه أن الأمة في حاجة الي كتلة تاريخية تضم كل قواها بما في ذلك الاسلاميون والقوميون, والليبراليون, والاشتراكيين وغيرهم من مكوناتها وما زلت مقتنعا بهذه الرؤية غير أن ذلك لايعني إن رأي طرف ما خطأ أو خطيئة ارتكبها الطرف الآخر ألايسعي الي تقويمها ومواجهتها وانتقادها ولا أظن أن أحدا منا أفضل من الخليفة الراشدسيدنا عمر بن الخطاب والذي قال من رأي منكم في إعوجاجا فليقومه ولو بحد السيف ونحن لانريد أن نقوم الإعوجاجات بحد السيف وإنما لايمكن أن نسكت عن اعوجاجات سواء ارتكبها من ينتمي الي فكرنا وخطنا القومي أو ينتمي الي فكر ومشاريع الآخرين. ماالمنظور الذي تعاملت به مع ثورة الثلاثين من يونيو في مصر هل قرأتها باعتبارها تصحيحا لثورة الخامس والعشرين من يناير بعد أن سرقت من قبل الاسلام السياسي خاصة جماعة الإخوان المسلمين أم أنها ثورة مستقلة لها رؤية مغايرة تماما وهو ما جعلها تحظي بالتأييد والمساندة من التيارات القومية في الوطن العربي؟ لقد ذكرت في البداية أن ماجري في الثلاثين من يونيو كان تصحيحا لمسار ثورة الخامس والعشرين من يناير وقد عبرت عن هذه القناعة في اليوم التالي لما جري في هذا اليوم عبر مقال لي بإحدي الصحف اللبنانية وأنا من الذين يعتقدون أنه ليس بوسع أحد أن يحكم علي حركة شعب خصوصا إذا كانت بالحجم والضخامة التي تميزت بها حركة الشعب المصري في الثلاثين من يونيو وماتلاها وما أراه هو أن ثورة الخامس والعشرين من يناير كانت امتدادا لثورة الثالث والعشرين من يوليو1952 وإن كان بشعارات أخذت بعين الاعتبار التغيرات التي طرأت علي الواقع المصري وما جري بعد ها من تحولات مهمة في المجتمع المصري. فهل لامسك شعور من موقعك كمفكر قومي بأن هذه الثورات هي حصيلة تدخل خارجي وليست تلبية لاحتجاجات شعبية حقيقية خرجت تندد بالنظم المستبدة القائمة في المنطقة؟ بادئ ذي بدء ليس بمقدوري أن أقبل تقييم حركة الشعوب التي شاهدنا نزولها بالملايين الي الشوارع والميادين ورفضهم للأوضاع التي كانت سائدة من استبداد النظم الحاكمة أو تبعيتها للغرب خاصة الولاياتالمتحدة بأنها مؤامرة خارجية ولكنني في المقابل لاأستطيع إلا أن أري كيف أن الأيدي الخارجية حاولت أن تقفز علي هذه الموجات الشعبية التي في أساسها ثورة من أجل تحقيق أهداف وطنية مشروعة سعيا لتنفيذ أجندة مشبوهة. لنتوقف في الختام عند لبنان الذي يمربعملية خلط أوراق تسعي الي إعادة إنتاج الاستقطاب الطائفي والمذهبي علي نحو خطير وهو مالمسناه في التفجيرات الأخيرة التي وقعت في بيروت بوضوح الي أين يتجه ومتي يستقر؟ من يقرأ تاريخ لبنان الحديث والقديم يلاحظ أنه لم يخل أبدا من الصراع وكان دوما معرضا لتأثير الأحداث التي تقع في محيطه سواء سلبيا أوإيجابيا والآن لايمكن أن يعزل لبنان عما يجري في المنطقة خصوصا في سوريا في ظل ما يربط البلدين من علاقات خاصة.