'أذا أردت أن تحكم علي شعب فاسمع موسيقاه', جملة مشهورة قالها الموسيقار الألماني' باخ', وبالتبعية ستجد من يقول لك' قل لي: من تسمع فأعرف من أنت', ومن هنا يبدو أن الموسيقي لم تكن يوما علي سبيل الرفاهية فقط, بل هي وسيلة تعبير عن نبض الشعوب وراصدا ومؤرخا للكثير من الأحداث. ولقد أدرك أهميتها الزعيم الراحل جمال عبدالناصر, مع بداية ثورة25, تلك الثورة التي مثلت بداية مختلفة في تاريخ مصر الحديث, وكانت نقطة التحول في تاريخها, وأيضا في تجربة الغناء الوطني, والذي كان يقتصر قبلها علي الغناء للملك, ومع الثورة الشابة ولدت الأصوات الشابة والكتاب والملحنون الذين كانوا بمثابة روح الثورة وملاحيها عبدالحليم حافظ وصلاح جاهين وكمال الطويل, ومن بعدهم الابنودي وبليغ حمدي, وكانوا يصدقون في الحلم ويؤمنون به فكتبوا ولحنوا وغنوا كلمات لا تزال تحرك الوجدان وخالدة حتي اليوم نستدعيها في أكثر اللحظات الوطنية المأزومة. وصارت أغنيات منتصف الخمسينيات والستينيات وحتي أوائل السبعينيات أيقونات في تاريخ الغناء المصري, ويبدو أنه وبعد ثورة30 يونيو حاول الكثير من مطربي هذا الزمان استنساخ تلك الحالة الفنية الرائعة ناسين أو متناسين أن الزمن لا يعود إلي الوراء, واننا بتنا نعيش في زمن ضنين بالمواهب الحقيقة بعد أن صار الغنا' سبوبة' والفن يختزل دوره في أنه تجارة, لا يحمل أي رسالة ولا يلعب دورا تنويريا في المجتمع, اللهم إلا قلة من هؤلاء الذين خرجوا علينا من كل صوب يرددون الأغاني التي يصفونها بالوطنية, رغم أن بعضهم استغل الظرف الوطني في محاولة للظهور بعد أن خفتت عنه الأضواء أو انحسرت تماما. ويستثني من هذه الأغنيات أوبريت' تسلم الأيادي', والذي يتم تشغيله لطلبة المدارس في سابقة هي الأولي من نوعها, رغم ماقيل أن لحنه مسروق ومطلع الكلمات أيضا مأخوذ من أغنية وطنية سبق وقدمها المطرب المبدع' محمد الحلو' وغناها للجيش المصري, وأن لحن تلك الأغنية منقول بشكل واضح من أغنية قديمة للفنانة' شريفة فاضل' تعود لمنتصف الستينيات كانت قد قدمتها من ألحان الراحل عبد العظيم محمد وكلمات عبد السلام أمين, وهي الأغنية الشهيرة' تم البدر بدري', والمدهش أيضا كان الفيديو الذي سبق أن صوره الفنان محمد الحلو, الذي سرق فكرته المخرج أحمد الفيشاوي ونفذه في أوبريت' تسلم الأيادي', إلا أنها أدخلت البهجة في قلوب المصريين ومن هنا يبدو السؤال: كيف لأغنيات ركيكة لحنا وكلمات يمكن أن تكون رمزا لمرحلة تاريخية مهمة تشهد العديد من التحولات السياسية, مثل أغنية شعبان عبدالرحيم التي يهديها للجيش المصري بعنوان' الجيش والشعب', وتبعها بأغنية لرجال الشرطة عقب محاولة اغتيال وزير الداخلية محمد إبراهيم حملت اسم' تعظيم سلام للداخلية', كما ظهر مطرب يدعي'باتشو', الذي قدم أغنية شديدة الركاكة بعنوان' إيه يا مصر مالك', وإذا كانت هذه الأغنيات ركيكة أو طالت بعضها اتهامات بالسرقة', وهناك بعض الأغاني التي قدمها كبار المطربين جاءت باهتة ولا تليق بالحدث, ويبدو أنهم قدموها بمنطق ضرورة التواجد لا أكثر ولا أقل, لذلك لم تترك أثرا حقيقيا ولن يتذكرها أحد بعد مرور شهور وليس سنوات, ومنها أغنية رامي صبري بعنوان' اتحركوا', وديو للمطربة أصالة وحسام حبيب بعنوان' يابلدي', والأغنية التي أطلقتها المطربة لطيفة بعنوان' تحيا مصر'. علي عكس ذلك جاءت الأغنية التي قدمها المطرب الإماراتي حسين الجسمي, بعنوان' تسلم إيدينك' وجاءت راقية للغاية في كلماتها ولحنها المميز والمعبر والتي غناها الجسمي بإحساس صادق, لذلك ستظل واحدة من أهم الأغنيات التي تعبر عن تلك المرحلة التاريخية, وسيعرف الكثيرون أهميتها في الأيام المقبلة, إضافة إلي أوبريت' هذه مصر' الذي شارك فيه الجسمي أيضا بالغناء وهو إهداء إماراتي إلي مصر, وشارك في غنائه النجوم الإماراتيون'عيضة المنهالي', وفايز السعيد, وبلقيس فتحي, وينم عن مدي صدق مشاعر الشعب الإماراتي في حب الشعب المصري. وهناك أيضا أغنية' يامصريين' لآمال ماهر, لأنها من الأغنيات التي ستعيش وليست مثل فقاقيع الصابون الأخري, حيث أنها حققت نجاحا كبيرا ومازالت أيضا, هناك بعض الأوبريتات التي من المتوقع أن تترك بصمة في قلوب وأذهان المشاهدين منها أوبريت' ثورة شعب', والذي يضم المطربين خالد سليم وسمية الخشاب وكارمن سليمان نجمة برنامج' آراب أيدول1' وأحمد جمال نجم' أراب أيدول2' ومي فاروق ونهال نبيل وشريف إسماعيل, إضافة إلي أوبريت آخر يضم مجموعة كبيرة من نجوم الغناء في الوطن العربي وهم' هاني شاكر وحسين الجسمي ووائل جسار وأصالة وآمال ماهر,كلمات نادر عبد الله وألحان وليد سعد. ومن الواضح أن هذه الأوبريتات ستكون علامة مميزة في تاريخ الأغاني الوطنية الجديدة, لما تتمتع به من ثراء في المطربين المشاركين إضافة إلي شهرة الملحنين والمؤلفين في تقديم أعمال مميزة ومختلفة.