إذا كان شكسبير هو أعظم كاتب مسرحي أنجبته البشرية, فإن النرويجي هنريك إبسن(1928-1906) هو الابن المدلل لأوروبا الحديثة, بل إنه أبو المسرح الحديث علي وجه الدقة; فبعد بداية تقليدية بأعمال تاريخية وأسطورية مكتوبة شعرا. قام أبسن بثورة علي نفسه وعلي تاريخ المسرح, فكتب الأعمال الاجتماعية الواقعية المستلهمة من واقع الحياة اليومية لمواطنيه, والتي أثارت جدلا وحنقا شديدا تجاه أعماله خلال حياته, ومن أشهرها أعمدة المجتمع, بيت الدمية, الأشباح, ومسرحية عدو الشعب-1882 التي نحن بصددها, فقد قدمتها هذا الاسبوع المخرجة نورا أمين بفرقة لاموزيكا المستقلة علي مسرح روابط في القاهرة, قبل أن تنطلق لعرضها في بلدة المؤلف الأصلية شييان النرويجية, ثم عرضها في ثلاث مدن دانماركية, ثم العودة مرة أخري للعرض بالجامعة الأمريكيةبالقاهرة, وذلك بدعم من سفارة النرويج. العرض برمته جاء مفاجئا لي من حيث الصراع والتحدي المحتدم طوال زمن الأحداث بين عدة عناصر جعلت أنفاس المشاهدين تتلاحق صعودا وهبوطا للتركيز علي فكرة واحدة ومباشرة بلا اي غموض, ألا وهي اقتناص الفرصة في مقاومة الفساد والإصرار علي حياة عادلة للجميع وأن الأمل في أجيال جديدة تتنفس حرية الرأي والتعبير.. تلك هي رسالة نورا أمين مخرجة العرض من خلال رائعة إبسن الواقعية إلي درجة الصدمة. الصراع الذي أتحدث عنه نتج من تركيز عقل ومشاعر المتفرج في حكاية مباشرة, تصارع فيها الأخوان ستوكمان علي مستوي الحدث, أنتج بدوره صراعا آخر بين الموسيقي الصاخبة جدا والمتصاعدة بشكل هارموني ومتلاحق يعكس الصراع الداخلي بين الشخصيات المختلفة, وكذلك صراع خاص جدا بين الأخوين ستوكمان فأحدهما الطبيب توماس ستوكمان المشرف علي تنقية أحد عيون المياه العلاجية, والذي يكتشف خللا في نظام التنقية نتج عنه تلوث في المياه يستدعي اصلاحه كثيرا من المال والوقت, وهو ما يعارضه تماما رئيس البلدية, الذي نكتشف انه بيتر ستوكمان شقيق الطبيب الشريف, الذي يتصور أنه محصن بقوة الإعلام ورجاحة عقل المستثمرين الشرفاء, فيقرر عقد مؤتمر يكشف فيه حقيقة الأمر في الحمام العلاجي, نظرا لأهميته الناتجة عن كونه مصدرا سياحيا مهما للبلدة, وفي هذا المؤتمر تسقط كل الأقنعة وتتضح مؤامرة أصحاب المال والسلطة وأيضا الإعلام للتلاعب بمقدرات البسطاء, من خلال استغلال معسول الكلمات في تحويل هذا الطبيب إلي عدو للشعبوبناء عليه يتخلي عنه الجميع ولا يبقي له سوي زوجته وابنائه الذين يتم فصلهم من المدرسة, ولكن هذه المحنة لا تزيد الطبيب ستوكمان إلا إصرارا علي مواصلة المشوار فيقرر التفرغ لتعليم أبنائه وكل أبناء الناس كل ما هو مخالف للشعارات التي من شأنها توجيههم نحو مصالح اصحاب المال والسلطة, رافعا في ذلك شعار إن أقوي رجل في العالم هو من يقاتل وحيدا.. والحقيقة أن تلك الحدوتة قد تبدو بسيطة إلا أن المخرجة نورا أمين اعتبرتها تجسيدا للثورات العربية فأرادت توصيل رسالة لكل منا بأنه حان الوقت لكي نعمل الآن وليس غدا ويكفينا ما ضاع من عمر الوطن في العام الماضي الذي حكم فيه الإخوان مصر, لذلك سعت لعدم إبهار المشاهدين بأي ديكورات جذابة واعتمدت اللون الأسود في كامل الفضاء المسرحي, مع تقسيمه إلي جزءين, أمامي يؤدي فيه الممثلون أدوارهم, وخلفي تمارس منه الفرقة الموسيقية المبهرة عملها, وما بين الأمامي والخلفي يجلس الجمهور في صفين بينهما ممر صغير تقع فيه المشاجرة التي أراد أهل البلدة طرد الطبيب من قريتهم, وكأن المشاهدين قد وقعوا بين شقي الرحي, ولم يعد أمامهم إلا الاختيار بين مصير البسطاء المضحوك عليهم, أو قرار الطبيب بالإصرار علي العمل ومواجه الفساد, وكذلك خلقت المخرجة نوعا من التباين والتضاد بين الطبيب وأخيه رئيس البلدة فالأول يكسو الشعر رأسه بالكامل, والثاني بلا أي شعر, وهو أحد أنواع السخرية التي قصدتها نورا استكمالا للسخرية في الحوار بين الشخصيتين, ولا شك أن الصراع القائم علي مستوي الحدث رافقه صراع تمثيلي قوي جدا بين أداء كل من ابراهيم غريب( الطبيب) وعماد حسن( شقيقه رئيس البلدة) من جهة, وأداء أحمد السلكاوي( الصحفي) وعمرو قابيل( رئيس جمعية المستثمرين) من جهة أخري, فقد رسم كل منهما نموذجا يحتذي به في أداء الشخصية الشريرة فعمرو قابيل اسلاكسن نجح في تقديم صورة للشخصية الأشبه بنعومة اليهود وخبثهم في الحصول علي مآربهم, للدرجة التي تجعلك تقشعر من بذاءته النفسية مستخدما طبقة صوتية ناعمة وهادئة لكنها خبيثة, أما أحمد السلكاوي فقد رسم شخصية الصحفي المتواطئ مع الفاسدين بحرفية عالية من خلال أداء صوتي ذي طبقات مختلفة للغاية حققت النموذج الكاريكاتيري الساخر لأمثال تلك الشخصيات البهلوانية, أما الموسيقي الحية فقد صاحبت انفعالات الممثلين بشكل دقيق للغاية خاصة في أحلك لحظات غضب الطبيب( إبراهيم غريب) وصراعه من أجل البقاء في البلدة للدرجة التي حصرت المشاهد في وضع الترقب المستمر للأحداث بما لا يدع مجالا لالتقاط الأنفاس إلا مع نهاية العرض, لهذا فإن أبطال هذا الفريق الموسيقي لهم كل التحية والتقدير بدءا من نادر سامي مؤلف الموسيقي وحتي تامر عصام( درامز), وأحمد منتصر( جيتار), وباسم أبوعرب( بيز جيتار).