هل ما تم في مصر يوم الأربعاء3 يوليو هو انقلاب قد يعود بمصر إلي الحقبة العسكرية التي بدأت منذ ما يقرب من61 عاما؟ هذا هو سؤال الساعة الملح الذي يلاحقك أينما ذهبت, وفي بعض الأحيان لا ينتظر السائل إجابتك, بل يقاطعك برأيه وبكل إصرار وحماس, لمحاولة الوصول إلي رأي الأغلبية, قمت باستطلاع بسيط للرأي بين عينة لمن أعرفهم, في الداخل أو الخارج, بعضهم أطباء أو مهندسون, ولكن معظمهم زملاء وطلاب سابقون أو حاليون ممن درسوا العلوم السياسية أو الاقتصاد أو القانون, ليس هناك إجماع, بل الانقسام يسود داخل الشخص نفسه, ولكن أغلبية بسيطة تقر بوجود الصفة الانقلابية لما حدث. معظم المصريين والعرب ينفون صفة الانقلاب ليؤكدوا عامل الإرادة الشعبية, ولكن ليس هناك إجماع حتي داخل صفوف من يعترضون علي التيار الإسلامي وبعضهم أقباط المهجر, معظم الأجانب الذين يعيشون في الداخل المصري, أو علي اتصال بالوضع المصري يشتركون مع الغالبية المصرية والعربية في تأكيد الإرادة الشعبية, وأخطاء الرئيس المعزول, المهتمون بالشأن المصري من أجانب الخارج يرون أكثر البدلة العسكرية والكاب, وأن الفريق السيسي نفسه هو من أعلن عزل مرسي, هناك انقسام أيضا في هذه المجموعة, كما هو الحال في المجموعات الأخري, وبعيدا عن الCNN أو الBBC. يرجع الانقسام هذا في داخل كل مجموعة في الداخل كما في الخارج وحتي في داخل كل منا إلي أن المؤشرات الكلاسيكية المعترف بها تبين أن ما حدث يوم الأربعاء3 يوليو هو عزل الرئيس المنتخب شرعيا بواسطة القوات المسلحة. نعم هناك أخطاء وحتي خطايا من جانب هذا الرئيس وجماعته الحاكمة, وهناك سلسلة من القرارات المتوالية والمرتجلة التي أبعدته شيئا فشيئا عن الجماهير التي انتخبته, والتي تزايد اعتراضها عليه يوما بعد يوم, حتي امتلأت بها الميادين في القاهرة كما في المحافظات, وبينما الرئيس ومؤيدوه يقاومون جاء الحسم من جانب القوات المسلحة التي وجهت الإنذار للرئيس, ثم قامت في النهاية بعزله والتحفظ عليه. صحيح أن هذا الحسم العسكري استند إلي قاعدة شعبية, وهو بهذا يختلف عن الانقلاب العسكري الكلاسيكي, الذي يستند فقط إلي خلايا الجيش, ولنتذكر أن حتي حركة الجيش المباركة في سنة1952 قامت دون أي مشاركة شعبية قبل أن تبدأ, بل إن عبدالناصر نفسه يعرب في كتيب فلسفة الثورة, الذي صاغه هيكل عن خيبة أمله في غياب الجماهير المؤيدة في الشارع عند بداية نجاح حركة الضباط الأحرار. باختصار إذن, أن ما حدث يوم3 يوليو2013 يختلف حتي عما حدث مما يقرب من61 عاما.. نعم يشترك معه في وجود الوجه العسكري الواضح, ولكنه يختلف عنه في وجود مشاركة شعبية قبل قيامه, بل يمكن القول إن هذه الإرادة الشعبية هي التي وجهت السؤال الأساسي.. إذن هل ستستمر هذه الإرادة الشعبية في صدارة العمل السياسي. تحولت حركة الجيش المباركة في سنة1952 إلي ثورة سياسية واجتماعية بفضل الطابع التقدمي الذي انتهجته في سياستها الداخلية والخارجية, وأساسا بسبب قيادة عبدالناصر الكاريزماتية.. هل من الممكن أن يحدث تحول مشابه في حركة3 يوليو سنة2013 ؟ الهدف حاليا هو إنقاذ مصر من التعثر الذي استمر أكثر من اللازم وتمكينها من مواصلة المسيرة الديمقراطية, هذه المسيرة تركز علي ثلاث دعائم, هي: 1 ضمان قوة وهيبة الدولة, التي هي في المقام الأول دولة القانون وليست دول القمع. 2 عدم إقصاء أي تيار أو فريق إلا بقوة القانون. 3 المحاسبة والمساءلة مهما يكن منصب المسئول من الناحية التطبيقية وفي الوضع المصري الحالي, تعني هذه المبادئ الآتي: أولا: تقنين وضع الرئيس المعزول, فمثلا إذا كان ارتكب جرائم, يتم تقديمه للمحاكمة مع كفالة كل الضمانات القانونية من هيئة محكمة يشهد لها بالنزاهة ومحامين أكفاء.. أما إذا لم يكن هناك جرائم قانونية, فمن الممكن الاستفتاء الشعبي علي تأكيد عزله أم الاستمرار في مهامه, والالتزام بهذا التقنين ينطبق أيضا علي أعوان الرئيس وزعماء تياره, بمن فيهم كبار الإخوان.. المهم ألا يحول العمل العسكري الفترة الانتقالية إلي فترة إنتقامية. ثانيا: يرتبط بهذا التقنين عدم إقصاء أي تيار سياسي من حيث المبدأ, بل علي العكس تكون فترة ما بعد3 يوليو للعمل الجاد من أجل الائتلاف الوطني الذي تبين كل تجارب الشعوب الأخري أنه الركيزة الأولي للتحول الديمقراطي, والتي تسميها تجارب أمريكا اللاتينية مثلا التحالفات الشعبية, وقد تكون هذه فرصة التيارات الليبرالية للتواصل مع شباب التيار الإسلامي بعد ما أدي به عمل عواجيزهم إلي التخبط, ثم النكسة السياسية وفقدان معظم جماهير الشارع الذي أتي بهم إلي الحكم منذ عام واحد فقط. ثالثا: ألا تقتصر المحاسبة أو المساءلة علي قيادات فترة الحكم الإخوانية, بمعني أوضح, أن تستمر مساءلة ومحاكمة رموز نظام حكم مبارك,وأن يعامل الجميع علي قدم المساواة, سواء فيما يتعلق بالعدالة الانتقالية أو المصالحة الوطنية بوضوح, حتي لا تصبح حركة3 يوليو الباب الخلفي لولوج الثورة المضادة التي تقوم بهدم ما قامت ثورة25 يناير2011 من أجله. رابعا: أخيرا وليس آخرا, أن تكون الفترة الانتقالية واضحة, ليس فقط في تواريخها ولكن أيضا في إجراءاتها, ثم الالتزام بكل من التواريخ والإجراءات, وقد يكون هذا من أهم الخطوات لإعادة الثقة المتدهورة حتي تتمكن التيارات المختلفة من العمل معا بعيدا عن التخوين وجو المؤامرة, من أجل إنقاذ وطن هو في غرفة الإنعاش. لمزيد من مقالات د.بهجت قرني