جلست أتناول وجبة الإفطار بعد صيام النصف من شعبان.وبعد الإنتهاء من تناول الطعام هلت روح شهر رمضان فى المكان ولم يكن هناك أفضل من تناول كوب من مشروب قمر الدين المثلج. جلست أتابع ما يجرى من أحداث حولنا.وباختصار لاحظت كما لاحظ غيرى أن هناك من وضع إستراتيجية لسحب أحد أهم مصادر الحياة من الشعوب العربية.إنه الماء. فخلال الفترة من نهايات القرن ال 19 وحتى اليوم ساعدت الخرائط التى وضعتها قوى الإستعمار والإتفاقيات التى ابرمت تحت إشرافه على نزع مصادر ومنابع المياه الرئيسية من دول عالمنا العربى!! وخلال الأعوام والعقود أكدت الإحتكاكات المتكررة بين الدول العربية من جانب ودول الجوار الجغرافى ،التى تقع بها منابع الأنهار الرئيسية،من جانب آخر أن هناك من خطط لنزع المياه من يد العرب. وقد برز عامل المياه "كقنبلة هيدرولوجية" موقوتة يمكنها أن تفجر الشرق الأوسط بأسره عندما تزايدت الإشتباكات المسلحة من أجل المياه ومصادرها. فعندما أعلنت الأردن عن خططها المتعلقة برى وادى الأردن بمياه نهر اليرموك عام 1951، ردت إسرائيل بسحب المياه من المناطق المارة بالمنطقة المنزوعة السلاح التى تفصلها عن سوريا مما أدى لإشتباكات حدودية سورية إسرائيلية. وفى عام 1953، شرعت إسرائيل فى إقامة مشروعات مائية لسحب المياه خارج حوض نهر الأردن ونقلها لصحراء النقب مما أدى لإشتباكات جديدة ورفض دولى للمشروع الإسرائيلى. وفى عام 1962 قصفت إسرائيل مجارى الرى فى الأراضى السورية بالمنطقة المنزوعة السلاح. وبعد عامين، قصفت إسرائيل منابع نهر الدان عند نهر الأردن بعد تنامى النزاع حول إثبات السيادة على منابع نهر الدان. وفى عام 1969 وبعد شكوك حول نوايا أردنية لتحويل مجرى نهر اليرموك، أغارت إسرائيل على الأردن ودمرت القناة المائية المرتبطة بالمشروع.وإستخدمت القوات الإيرانية أسلوب تحويل مجارى الأنهار والترع لإغراق المواقع الدفاعية العراقية أثناء الحرب العراقية الإيرانية منذ عام 1980وحتى عام 1988، كما هاجمت إيران المشروعات العراقية الكهرومائية فى المناطق الكردية شمال العراق. أما تركيا فقد أدى تشييد سد أتاتورك على نهر الفرات إلى إعاقة جريان المياه فى النهر الهام لمدة شهر فى عام 1990 مما أزعج العراق وسوريا وهدد الرئيس التركى الأسبق تورجوت أوزال فى منتصف التسعينيات بإمكانية تقليص حصص مياه النهر المتجهة لسوريا لإجبارها على وقف التعاون مع المعارضة الكردية فى جنوب تركيا. وهكذا جاء الموقف الإثيوبى وموقف غالبية دول حوض نهر النيل "المتمرد"على الإتفاقيات الدولية الموقعة بشأن تنظيم العلاقة بين دول المنبع والمصب فى حوض نهر النيل ليؤكد من جديد حقيقة المؤامرة التى لاتظهر إلا فى حالة ضعف أو إنشغال الدول العربية.ويكفى أن يشار إلى أن إثيوبيا إنتظرت منذ نهاية عقد الخمسينيات مخفية خطط السد الموضوعة فى الولاياتالمتحدة قبل أن تعلن تدشين العمل فى سد النهضة الإثيوبى بشكل علنى رسمى فى شهر ابريل عام 2011 أثناء إنشغال الشعب المصرى بنزع فتيل أزمة سياسية داخلية طاحنة وفى ظل فراغ فى السلطة لم يكن يسده غير المجلس العسكرى الذى كان يتعرض لضغوط سياسية دولية خارجية للإسراع بتسليم السلطة إلى قيادة مدنية منتخبة. لقد حان الوقت لأن يدرك العرب أن التعاون اللامحدود ووضع التخطيط المشترك للدفاع عن وتأمين موارد المنطقة العربية من المياه والغذاء والطاقة قد حان وقته، وأن العمل ككتلة قوية واحدة هو السبيل الوحيد للنجاة من يوم "قريب"لن يجد العربى فيه شربة ماء لتناولها فى يوم صيفى حار دون إذن من الخارج!! دارت تلك الأفكار فى رأسى وأنا أنتهى من تناول مشروب قمر الدين المثلج،فنحيت الكوب جانبا ونظرت إلى الأفق فى صمت. لمزيد من مقالات طارق الشيخ