هل الحريات في روسيا في خطر؟.. هل هي العودة الي الاتحاد السوفييتي؟.. تساءل الكثيرون من ممثلي الأوساط والدوائر الغربية حول الأهداف الحقيقية لحملات المداهمة التي قام بها ممثلو الهيئات والأجهزة الرقابية لمقار منظمات المجتمع المدني ومراكز قياس الرأي العام في نهاية أبريل الماضي. وفيما راح الكثيرون من ممثلي مؤسسات المجتمع المدني يجأرون بالشكوي من ثقل وطأة الملاحقات السياسية والجنائية, انصرف عدد من الصحف والمؤسسات الروسية والاجنبية الي دق نواقيس الخطر تحذيرا من مغبة ما وصفوه ب الممارسات البوليسية للاجهزة الرقابية في روسيا في حملة كاملة العدد تعيد الي الاذهان بعضا من مشاهد الماضي القريب. جاءت مداهمات مقار الكثير من المؤسسات غير السياسية ومنها التي تعمل في مجالات حماية البيئة والبحوث الاجتماعية وقياس الراي العام, لتثير الكثير من المخاوف من احتمالات العودة الي ممارسات النظام الشمولي القديم, والعودة الي ما وصفه الكسي فينيديكتوف رئيس تحرير اذاعة صدي موسكو باحتمالات العودة الي ممارسات النظام الستاليني القديم علي حد قوله ضمن سؤال توجه به الي الرئيس فلاديمير بوتين خلال حديثه الي الامة يوم الخميس الماضي. وكانت الاجهزة الرقابية قامت بهذه المداهمات في اعقاب حملة واسعة النطاق من جانب اجهزة الكرملين ضد رموز المعارضة من المرتبطين عمليا بالدوائر الغربية, وفي توقيت مواكب لبدء تفعيل الولاياتالمتحدةالامريكية لما يسمي بقائمة ماجنيتسكي التي حظرت دخول عدد من ابرز الشخصيات السياسية والاقتصادية الروسية وجمدت حساباتهم المالية في البنوك الامريكية وهو ما ردت عليه موسكو بقائمة مماثلة شملت العديدين من القضاة ورجال السياسة الامريكيين.ومن اللافت ان الحملة الجديدة شملت عددا من مؤسسات استطلاع الراي المشهورة ومنها مركز ليفادا ومركز اينديم الذي يتراسه منذ تاسيسه في عام1990 جيورجي ساتاروف احد مساعدي الرئيس الروسي الاسبق بوريس يلتسين. وكان ساتاروف اعترف بان مؤسسته للابحاث الاجتماعية وقياس الراي العام قامت بعدد من البحوث الاجتماعية ومنها ما تعلق بمفهوم العدالة في المجتمع الروسي لصالح صندوق ماكارتوروف الامريكي, فضلا عن تلقي مركزه لمنحة مالية من صندوق فورد مقابل اعداد بحث اجتماعي حول مدي استقلالية القضاء الي جانب اعداد دراسة خاصة حول صياغة التوصيات اللازمة لانجع سبل مواجهة الفساد في المجتمع الروسي لحساب البنك الدولي. وقد اعتبر الكثيرون من ممثلي الاجهزة الرسمية اعتراف ساتاروف بقيام مؤسسته باعداد العديد من الابحاث الاجتماعية لحساب مؤسسات اجنبية مقابل عائد مالي, تاكيدا لعدالة ما اتخذته السلطات التشريعية من قوانين اقرت تسمية مثل هذه المؤسسات ممثليات اجنبية, بما قد يبرر ضمنا وصف العاملين فيها ب العملاء حسبما جاء في قرار مجلس الدوما الصادر بهذا الشأن. وكانت صحيفة نوفي ازفيستيا( ازفيستيا الجديدة) وتحت عنوان هل هي العودة الي الاتحاد السوفييتي؟ اشارت الي ان النيابة العامة كشفت وبموجب هذا القرار عن اربع منظمات روسية تنطبق عليها وضعية العمالة الاجنبية, علي الرغم من انها منظمات روسية لا تمارس نشاطا سياسيا ومنها منظمة حماية البيئة في بايكال( بحيرة بايكال في شرق سيبيريا) ومؤسسة كالينينجراد الخيرية.وعزا عدد من العاملين في هذه المؤسسات الحملة المناهضة لمنظمات المجتمع المدني الي كون نشاطهم الاكثر تاثيرا علي الراي العام. اما منظمة امنيستي انترناشيونال( العفو الدولية) فقد نشرت في24 أبريل الماضي تقريرا اختارت له عنوان الحريات في خطر اتهمت فيه السلطات الروسية بالعودة الي ممارسات السلطات السوفيتية بملاحقة من كانت الدوائر الغربية تسميهم ب ذوي الراي الآخر اوالمنشقين حسب التسمية السوفيتية القديمة, وتوقفت المنظمة الدولية في تقريرها عند حملات المداهمات التي قالت بانها شملت المنظمات غير التجارية المناهضة للسلطات الروسية فيما اشارت الي ان هذه الحملات امتدت لتشمل المدافعين عن البيئة في بحيرة البايكال ومركز ليفادا للابحاث الاجتماعية.ومن جانبها ذكرت ريتشيل دينبير نائبة مديرة برنامج اوروبا واسيا الوسطي في منظمة هيومان رايتس ووتش الاميركية ان منظمات المجتمع المدني في روسيا تتعرض لاول مرة منذ انهيار الاتحاد السوفييتي السابق الي مثل هذه الحملات التي وصفتها ب المعادية للحريات, فيما وصفت القوانين الصادرة عن مجلس الدوما حول تنظيم نشاط منظمات المجتمع المدني بانها انتهاك لحقوق الانسان. واضافت ان السلطات الروسية اعطت ممثلي اجهزة القوة( الأمن والمخابرات والنيابة والقضاء) باصدارها لمثل هذه القوانين الضوء الاخضر للتنكيل بممثلي منظمات المجتمع المدني وحسبما يتراءي لهم. واشارت دينبير الي تصاعد نشاط هذه المنظمات في روسيا خلال السنوات العشر الاخيرة( اي خلال فترة حكم بوتين) وهو ما يعني عدم جدوي مثل هذه المحاولات الرامية الي خنق حرية الكلمة في روسيا علي حد قولها, وكان بوتين وفي معرض رده علي اتهامه علي نحو غير مباشر بالعودة الي الستالينية بما في ذلك خنق الحريات, اشار الي ان ما تقوم به السلطات الروسية لا يختلف في جوهره عما تتخذه كل الدول الغربية من اجراءات لحماية امنها القومي ولا يداني ما تفرضه من قيود علي المؤسسات الاجنبية الموجودة علي اراضيها, ومنها ما يتسق مع القرار الصادر عن مجلس الدوما في نهاية العام الماضي الذي يلزم كل منظمات المجتمع المدني التي تتلقي تمويلا من الخارج بضرورة التسجيل لدي وزارة العدل الروسية كممثليات للمؤسسات الاجنبية تحت وضعية عملاء اجانب وهو ما لم يرق ممثلي هذه المنظمات ومنها صندوق جورباتشوف للابحاث السياسية والاجتماعية.وكانت وزارة العدل الروسية طالبت في تقرير نشرته علي موقها في الشبكة الالكترونية الدولية بحظر نشاط ما يقرب من تسعة الاف منظمة تورطت في تقاضي اموال من الخارج دون تقديم كشوف اوجه الصرف والانفاق لتعطي بذلك المبرر القانوني للسلطات الروسية لاتخاذ ما تراه من اجراءات ثمة من يريد من اصدقاء الخارج التشكيك في مشروعيتها, وهو ما قد ينطبق عليه القول العربي الماثور انه حق يراد به باطل!!!.