تحت إشراف قضائي.. السيد البدوي يفوز برئاسة حزب الوفد بفارق 8 أصوات    خبير يحسم الجدل: التعليم المفتوح انتهى وهذا هو البديل القانوني    ورشة توعوية عن أهمية العرائس المتحركة لتخفيف التوتر والفوبيا لدى الأطفال    مياه الأقصر تعلن إنقطاع المياه عن مدينة إسنا لأعمال ضم خط طرد محطة 6    تراجع جديد في أسعار الذهب خلال تعاملات الجمعة 30 يناير .. الجرام يخسر 460 جنيهًا    غرفة عمليات وحملات صباحية ومسائية لضبط الأسواق خلال شهر رمضان بالأقصر    اتفاق شامل بين دمشق وقوات "قسد".. وواشنطن تعتبره "محطة تاريخية"    حسن عصفور: الرنتيسي كان من بين الذين حاولوا تعزيز الوحدة الفلسطينية    ترامب: أسطول أمريكي ضخم يتجه الآن نحو إيران وسنرى ماذا سنفعل إذا لم نبرم الصفقة    فاركو يسقط أمام زد في الدوري    الأهلي يختتم تدريباته استعدادًا لمباراة يانج أفريكانز    تفاصيل مصرع وإصابة 17 شخصًا في انقلاب مروع لميكروباص بالبحر الأحمر    الأرصاد تكشف تفاصيل حالة الطقس غدا السبت ودرجات الحرارة المتوقعة    بالأسماء.. إصابة 10 أشخاص جراء انقلاب ميكروباص بالطريق الدولي بالبحيرة    برومو «عرض وطلب» ل سلمى أبو ضيف يشعل السوشيال ميديا    كيف تٌشخص أعراض الأنيميا الحادة؟.. حسام موافي يوضح    توصيات «نقل حوض النيل»: تأهيل مهني وتضامن عمالي عابر للحدود    جنوب إفريقيا تطالب الممثل الدبلوماسي الإسرائيلي بمغادرة البلاد خلال 72 ساعة    الداخلية تكشف حقيقة هدم عقار دون وجه حق في حضور الشرطة بالسويس    منتخب مصر لسلة الكراسي المتحركة يطير إلى الكويت للمشاركة في البطولة العربية    ياسر جلال يشوق محبيه بوستر أبطال مسلسل «كلهم بيحبوا مودي»    أمين عام الحملة الدولية لمناهضة الاحتلال: فتح معبر رفح خطوة أولى لإعادة إعمار غزة    قلة النوم في شهر رمضان.. تأثير السهر على الجسد والتركيز    أهم أخبار الكويت اليوم الجمعة 30 يناير 2026.. انطلاق أعمال المنتدى الإعلامي الإماراتي الكويتي بمتحف المستقبل في دبي    محافظ القاهرة يتابع إزالة كوبري السيدة عائشة ويكشف محور صلاح سالم البديل    من الموسيقى إلى الرواية.. الفن والمعرفة يفتح أسئلة جوهرية بمعرض الكتاب    وزير الثقافة الروماني: معرض القاهرة للكتاب يمثل مفاجأة ثقافية إيجابية    مهرجان مالمو يعلن عن شراكات عربية - سويدية تصنع أفلاما تُعرض في مهرجانات عالمية    فرحة فى الأقصر بافتتاح مسجدين بالأقصر بعد تطويرهما    استعدادا لفتح معبر رفح.. مستشفيات شمال سيناء ترفع جاهزيتها لاستقبال المصابين الفلسطينيين    مياه الفيوم تدفع ب 10 معدات لحل أزمة مصرف غيط العلوي بسنورس    السيسي يكشف الهدف من زيارة الأكاديمية العسكرية    وزير الصحة يتابع المرور الميداني على 29 مشروعا صحيا جاريا في 10 محافظات    الرئيس البرتغالى يمنح حاكم الشارقة القلادة الكبرى لأعلى وسام شرف ثقافى    صورة اليوم.. الثقافة والإيمان يجتمعان فى الجمعة الأخيرة بمعرض الكتاب    عالم بالأوقاف يكشف ل مدد سبب انتشار الزواج فى مصر على مذهب الإمام أبى حنيفة    الداخلية المصرية والشرطة الإيطالية تنظم ورشة العمل الختامية لبروتوكول تدريب الكوادر الأفريقية    الحكومة تكشف حقيقة ما تم تداوله بشأن استيراد مصر للتمور الإسرائيلية    منى عبد الكريم تعلن انتقال حمزة إلى برشلونة بعد توقيع العقد الثلاثى مع الأهلي    محافظ بني سويف يحذر الموظفين: لا تهاون مع المقصرين في تقديم الخدمات للمواطنين    ضبط 576 متهما بحيازة أسلحة نارية ومخدرات وتنفيذ 84 ألف حكم قضائي خلال 24 ساعة    رسالة سلام.. المتسابقون ببورسعيد الدولية يطربون أهالي بورسعيد والسفن العابرة للقناة بمدح الرسول    وزيرا الداخلية والأوقاف ومفتي الجمهورية ومحافظ القاهرة يؤدون صلاة الجمعة بمسجد الشرطة    رغم ضعف الراتب، الأفريقي التونسي يرفض التعاقد مع كهربا    الذهب في الإسلام... قيمة ربانية بين التشريع والاقتصاد..بقلم:د. هاني فايز حمد    حماة المال العام.. "الأمن الاقتصادي" يضبط 6 آلاف قضية متنوعة في 24 ساعة    الاتحاد السكندري يستضيف حرس الحدود في الدوري    أشرف قاسم: الأهلي اتخذ القرار الصحيح مع إمام عاشور    انطلاق منافسات فردي الناشئات بكأس العالم لسيف المبارزة    مواقيت الصلاه اليوم الجمعه 30يناير 2026 فى محافظة المنيا    وفاة شاب إثر تصادم موتوسيكل مع مقطورة قصب بقنا    الأوقاف توضح أفضل الأدعية والذكر المستجاب في ليلة النصف من شعبان    محافظ قنا: 18.5 مليون جنيه لتغطية ترعة الخطارة بنقادة بطول 900 متر    تعليم مطروح: نتيجة الشهادة الإعدادية الثلاثاء المقبل    طيران الاحتلال الإسرائيلى يرش الأراضى السورية بمواد كيميائية مجهولة    الصحة: فحص 20.6 مليون مواطن ضمن مبادرة الكشف المبكر عن الأمراض المزمنة    انتهاء قوائم انتظار جراحات المياه البيضاء بمستشفى نجع حمادي العام    الهيئة العامة للكتاب تنفي شائعات غلق معرض القاهرة وتؤكد انتظام الزيارة والفعاليات اليوم    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



بصدق
مصر والعرب والدوحة

تابعت عن قرب قمة العرب الأخيرة بالعاصمة القطرية, التي جاءت في ظروف استثنائية يمر بها العالم العربي, حيث الإطاحة خلال العامين الماضيين بعدد من القادة من أمثال حسني مبارك, ومعمر القذافي, وزين العابدين بن علي, وعلي عبدالله صالح, واستبعاد بشار الأسد, وحيث المخاوف التي تنتاب عددا آخر من القادة, وحيث غياب البعض الثالث, إما لظروف المرض, وإما لعدم الاهتمام لعدم الجدوي.
إلا أنه وفي كل الأحوال, وحتي إذا تبدلت كل الأسماء والوجوه, فقد بدا واضحا أن القضية الفلسطينية سوف تظل القاسم المشترك في كلمات القادة, وتظل الجملة العتيقة دولة فلسطين وعاصمتها القدس الشريف هي حجر الزاوية في هذه الكلمات, حتي إن كان بعض من يرددونها ربما لا يعرفون موقع القدس علي الخريطة, وبالتالي فقد لا تدرك الأغلبية كيفية تنفيذ ذلك, ومن هنا لا نري علي الأرض أي تحرك علي هذا الصعيد, سياسيا كان أو عسكريا.
وعلي الرغم من أن القادة العرب يلتقون في قمم من هذا النوع علي مدي67 عاما- أي منذ قمتهم الأولي في أنشاص عام1946- فإن ما تحقق بين دولهم ودويلاتهم من تكامل علي أرض الواقع, قد لا يتناسب مع حجم ما ينفق علي هذه القمم, علي الرغم من العوامل المشتركة والروابط التي حباهم الله بها, من حيث وحدة التاريخ والجغرافيا واللغة والدين والأصول والفروع والأنساب, وحتي التقاليد والأعراف والثقافات.
فمازالت حركة الشعوب في الانتقال بين دولة وأخري تحتاج إلي كثير من الجهد والأختام, ومازالت حركة التجارة البينية تحتاج إلي الكثير من الإخلاص, حيث لم تتعد10% من المعاملات مع الآخرين, ومازالت العملات في دول العالم العربي بعدد هذه الدول, بل مازال في النفوس الكثير خاصة بين القادة, علي الرغم من حرارة اللقاء, وسخونة القبلات والأحضان.. إلا أن ما يثير التفاؤل هو أن الشعوب مازالت قلوبها تنبض بالعروبة, وعقولها ترنو إلي التكامل, أملا في استقلال حقيقي, بمنأي عن الوصاية أو التبعية.
فحين الحديث عن قضية فلسطين, لن تجد أبدا في الخطاب الرسمي العربي من يتحدث عن حرب, أو حتي سلام, وبالتالي لن تسمع أي ذكر لدعم المقاومة الفلسطينية علي سبيل المثال, أو حتي ضغط سياسي لتحرير فلسطين من خلال المفاوضات, أو من خلال تنبيه أصدقاء إسرائيل إلي أهمية هذه القضية, أو أهمية إيجاد حل لها, ومن هنا تحولت هذه القضية إلي مكلمة في الميكروفونات, وتحصيل حاصل في البيانات والتوصيات, مع انشغال كل عاصمة عربية علي حدة بقضاياها الداخلية الشائكة, وأهمها تلك الفجوة الواسعة بين الحكام والشعوب, وتوارت قضية العرب الأولي, حتي أمام المنظمات الدولية, مما جعل دولة الاحتلال تفرض المزيد من سياسات الأمر الواقع علي الأرض, ببناء مزيد من المستوطنات, واعتقال مزيد من الأبرياء, وسفك مزيد من الدماء, ولم نعد نملك سوي بيانات الشجب والاستنكار, وأقصي أمانينا هو أن تشجب المنظمات الدولية وتستنكر هي الأخري, دون استخدام حق فيتو من هنا أو هناك.
وحين الحديث..
عن استثمارات عربية, فسوف نجد أن الجزء الأكبر منها قد ذهب بغير رجعة إلي دول غير عربية, بمقدار14 تريليون دولار سواء من خلال العواصم أو الأشخاص, والتي كان يمكن أن تجعل من التنمية في عالمنا العربي نموذجا لو تم استغلال نصفها أو ربعها بالداخل, وهو الأمر الذي كان يجب أن يتصدر جدول أعمال أي قمة عربية, أو أي تجمع عربي من أي نوع, إلا أن أمر التكامل العربي قد توقف عند وديعة هنا أو صندوق للدعم هناك لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل السقوط الذي يمكن أن يلقي بظلاله علي الجميع, ومن هنا كانت دعوة الشيخ حمد بن خليفة, أمير قطر, في كلمته للقمة إلي ضرورة دعم مصر في هذه المرحلة العصيبة التي تمر بها, وكان من المهم أن يبرر ذلك أيضا بأن مصر قد وقفت في السابق مع الجميع, ولها فضل علي الجميع, ولها أياد بيضاء علي الجميع في محاولة لإقناع الحضور بأهمية هذه الدعوة التي يشكر عليها, في كل الأحوال, في ظل هذه الظروف التي تنكر فيها البعض لمصر وأهلها لأسباب مختلفة.
إلا أن الحديث عن مصر, هنا, سوف يفتح ملفا في غاية التعقيد الآن, وأخطر أوراقه هو ما حذر ونبه إليه الرئيس محمد مرسي في كلمته من التدخل في الشأن المصري, في إشارة بالغة إلي أن هناك بين الدول المشاركة من يحاول ذلك, بل من فعل ذلك, وهي حقيقة واضحة سواء بدعم مادي للغوغاء ومثيري الفوضي, أو بإيواء مارقين, أو بالتطاول علي القيادة السياسية بها, وكلها أمور غريبة عن العلاقات العربية العربية, وبصفة خاصة حينما يتعلق الأمر بمصر, التي سوف تظل ركيزة الأمن القومي العربي مهما اعتراها من عثرات, ومهما كان الآخرون يرون في القوي العظمي ملاذا آمنا من النكبات, أو في مواجهة التهديدات الإقليمية والدولية, وذلك لأن مصر هنا تنطلق من مسئوليتها التاريخية والعربية والدينية, أما الآخرون فلديهم حساباتهم المتعلقة بالمكسب والخسارة, والمرتبطة بلعبة التوازنات, وهو الأمر الذي لم يعه حتي الآن, أطفال وعملاء وبلهاء, دفعوا بالمنطقة إلي حافة الخطر.
ولأنه..
لم يعد هناك الكبير أو من يقوم بدور الكبير في حل النزاعات العربية بعيدا عن ساحات المحاكم والتحكيم, فقد حملت دولة قطر علي عاتقها أيضا محاولات التوفيق والتوافق من خلال إمكاناتها المادية الهائلة, وجاءت دعوة الأمير لعقد قمة مصغرة بالقاهرة بين الفصيلين الفلسطينيين المتناحرين لتأكيد هذا الدور, وإن كان اختيار القاهرة هنا لاستضافة هذه القمة كاعتراف بأهمية الدور المصري نحو هذه القضية تحديدا, إلا أنه لم يظهر في الأفق ما يشير إلي محاولات من أي نوع لاحتواء الموقف بين القاهرة وعواصم أخري انتاب العلاقات معها بعض الفتور فيما بعد الثورة, نتيجة ممارسات لم تكن متوقعة, أو ليس هناك ما يبررها, بل إن الأمور آخذة في التفاقم مع تأكيد معلومات تتحدث عن تهريب أموال مصرية طائلة إلي إحدي هذه العواصم عقب الثورة, علاوة علي استضافة هاربين يجاهرون بالعداء للسلطة بل التخطيط للنيل منها.
ولذلك..
فإن قرار إنشاء مجلس أمن عربي لحل النزاعات العربية لا يمكن أن يكون أبدا وسيلة مثلي, في ظل ما ينشده المواطن العربي من علاقات قائمة علي الثقة المتبادلة, والأخوة, والمصير المشترك, وإلا فإن روح العداء سوف تتفاقم من خلال ساحات حل النزاعات هذه, وتظل الأموال العربية في حالة هجرة دائمة, وخاصة إذا علمنا أن الفوائض المالية في موازنات دول الخليج العربي( موازنات عام2013-2012) من المنتظر أن تزيد علي300 مليار دولار متأثرة بأسعار النفط المرتفعة وزيادة الصادرات النفطية, ناهيك عن أثر هذه الحالة علي استقدام العمالة من الدول التي تعتمد في موازناتها علي تحويلات مواطنيها من الخارج, وأثر ذلك أيضا علي زيادة التوتر بالمنطقة, وحدة نبرة الخطاب الإعلامي المستخدم الآن, مما سمح للمزايدين من المشارب المختلفة باستغلال الموقف أسوأ استغلال لأغراض شخصية أحيانا, ولخدمة أهداف خارجية في معظم الأحيان.
يجب أن نعترف بأن الموقف العربي من الأزمة السورية, وحتي بعد إقرار تمثيل المعارضة السورية في القمة, مازال يكتنفه العديد من اللغط, وذلك لأن هذا التطور لم ينل إجماعا من القادة, أو من جميع الدول الأعضاء بجامعة الدول العربية, حيث رآه البعض تسرعا ينذر بعواقب وخيمة مستقبلا علي دول أخري, قد تري المعارضة فيها أنها الأحق بتمثيل بلادها, بينما رأي البعض أن عمليات المصالحة علي الساحة السورية كان يجب أن تبذل جهودا أكبر, إلا أن الدعوة إلي تسليح المعارضة هناك جاءت هي الأخري بمثابة قفز علي كل هذه المحاور, لتؤكد أن الأزمة السورية سوف تدفع خلالها كل الأطراف ثمنا باهظا من الدماء, والأرواح, والدمار, في حال استمرت هذه الأزمة داخل الأراضي السورية فقط, والسؤال الآن هو: ماذا لو تعدت الأزمة الحدود إلي دول أخري مجاورة؟!..
كان من المهم مع التطورات الدولية في علاقات التجمعات الإقليمية, ومع ما حدث في منطقتنا تحديدا من تطور بالغ الأثر علي الحكام والمحكومين في آن واحد, أن يبدأ التجمع العربي صفحة جديدة من علاقات قائمة علي الإحساس بالمسئولية وبالخطر في آن واحد, ففي الوقت الذي لم يعد فيه مكان في العالم للكيانات الفردية, بدت الأطماع الخارجية تطل برأسها من جديد علي المنطقة, بل بدت هناك أطماع إقليمية في ثروات الدول الصغيرة, كما أن محاولات فرض النفوذ والهيمنة بدت واضحة, في الوقت الذي تم فيه استدراج الجميع لأزمات طائفية ومذهبية كنا في غني عنها, وقت أن كانت هناك أولويات أكبر من ذلك بكثير, وهو الأمر الذي يتطلب إعلاء مصلحة الشعوب في هذه الآونة التي أصبحت فيها المنطقة مهددة بالتقسيم من جديد, وأصبحت خطط التقسيم والتفتيت معلنة بوضوح, ولن يسلم منها لا الشمال ولا الجنوب إن استمرت الأوضاع كما هي الآن.
علي أي حال..
مازالت الفرصة سانحة الآن لعالمنا العربي كي يثبت أنه رقم صعب في العلاقات الدولية, وليس مجرد مصدر ثروات يستفيد منها الآخرون بلا مقابل, ومازالت الفرصة سانحة لأن يحقق القادة العرب تطلعات شعوبهم بالتقدم والازدهار بعد عقود طويلة من التخلف والقهر, ومازالت الفرصة سانحة لوئام عربي يتناسب مع العوامل المشتركة التي كان يجب استغلالها في الوحدة ولم الشمل, وأعتقد أن ما يحدث الآن من حراك مجتمعي وسياسي كان يجب أن يصب في تحقيق هذه الأهداف, وليس العكس, أما وإن ظلت القمم العربية مجالا خصبا للخطابة والاستشهاد بأبيات الشعر القديم, وآيات الذكر الحكيم, دون ترجمة ذلك علي أرض الواقع, فسوف نظل ندور في الحلقة المفرغة نفسها من جلد الذات والنحيب والبكاء علي الأطلال, في وقت تتسارع فيه نهضة العالم من حولنا بتجمعات حقيقية توحدت فيها السياسات, والعملات, باقتصاد موحد, واستثمارات مشتركة, وحدود مفتوحة, ومن ثم تطلعات لا تتوقف عند حد.
علي هامش القمة
جاء لقاء الرئيس محمد مرسي, علي هامش القمة العربية بالدوحة, سواء مع منتدي الأعمال المصري- القطري, أو مع الجالية المصرية هناك, بمثابة رسالة طمأنة إلي هؤلاء وأولئك بأن مصر علي الطريق الصحيح, وأن أحداث القلق والتوتر المتفاوتة لن تؤثر بأي حال علي المسيرة التي انطلقت.
واستشهد الرئيس علي ذلك بأن هناك17 مليونا يعملون بالقطاع الخاص, ويذهبون إلي أعمالهم يوميا بالإضافة إلي ستة ملايين يعملون بالقطاع العام, كما أن هناك ثلاثة ملايين فلاح يتعاملون مع الأراضي الزراعية بطريقة مباشرة ويذهبون أيضا إلي حقولهم يوميا, وقد أسهموا بصورة واضحة في زيادة الإنتاج الزراعي, ومن هنا فإن مشعلي الحرائق وإطارات السيارات هم فئة محدودة تفعل ذلك مقابل مبالغ مالية تصل إليهم بالدولار, وقد تعدي دورهم إلي حرق وتخريب المنشآت.
وقد جاء حديث الرئيس في اللقاءين وسط غضب واضح من الحضور, الذين هاجموا بشدة هذه المظاهر, مطالبين بالضرب بيد من حديد علي كل من يقف وراءها, كما هاجموا بشدة أيضا وسائل الإعلام التي رأوا أنها تدعم الفوضي في الشارع المصري, مطالبين أيضا باتخاذ موقف حاسم حيالها, إلا أن الرئيس استخدم تعبيرا لافتا وهو' الغضب من الشيطان', مشيرا إلي أن التعامل الآن سوف يكون بالقانون, وحتي لو كان بالقانون عوار علي حد قوله فسوف نصبر.
لقد عشت سنوات طويلة مغتربا, وأعي مشاعر المواطن تجاه بلده وهو في الغربة, وكيف أنه يتألم كثيرا حينما يسمع خبرا سيئا عن بلده, ولذلك كنت أدرك حالة الثورة والحزن في عيون وعلي وجوه الحاضرين, وهم يطالبون الرئيس باتخاذ موقف حاسم تجاه مثيري الشغب في مصر, وتجاه المحرضين, سياسيين كانوا, أو إعلاميين.. وللمصريين في دولة قطر خصوصية, فهم الذي أطلقوا مبادرة' ادعم اقتصاد بلدك, وحول من مدخراتك إلي مصر', ولنا أن نعلم أن تحويلات المصريين من الخارج قد ارتفعت بالفعل خلال الشهور الأخيرة.
ومن خلال التناول الإعلامي الفضائي, علي امتداد الليل, للأوضاع في مصر, تخيل كل مقيم في الخارج أن مصر مشتعلة, وأن شوارعها لم تعد تصلح للحياة, وأن الوضع الأمني لم يعد قابلا للعلاج, وأن الجوع أصبح القاسم المشترك بين أفراد الشعب, وأن الدولة علي حافة السقوط, وبالتالي فإن العودة إلي مصر تصبح مستحيلة حتي لو كانت لقضاء إجازة سنوية, ولذلك فقد استخدم الرئيس تعبير' أرجو أن تنظروا إلي مصر نظرة المطمئن الذي يدرك أن هناك مشاكل, إلا أنها قابلة للحل, حتي لو كان في مصر شيطان يعبث كما هو الحال الآن, بضيق بصيرة, وضيق صدر'.
وربما كانت ممارسات النخبة السياسية في مصر لم تضع المصريين بالخارج في الاعتبار حال تعاملها مع الأزمات, كما لم تضع نظرة العالم الخارجي ككل في الاعتبار, وهو ما أثر بدوره علي الاقتصاد والاستثمار والسياحة وكل شيء, وإذا كنا سنظل نلقي بمسئولية الأحداث الراهنة علي البلطجة والبلطجية, فمن المهم ومن الضروري أن تكشف الأجهزة الرسمية عمن يقف وراءهم ويمولهم, وخاصة أن الرئيس قد أكد أنه لا يتهم أحدا من فراغ, وإنما هناك أدلة وحقائق مسجلة وموثقة في هذا الصدد, وخاصة من جهات خارجية تعبث بالمشهد المصري, وقال:' إن هذا مجرد تحذير, حرصا علي عدم إحداث مزيد من الشقاق بين الأشقاء في الوطن العربي'.
إلا أنه, ومن خلال هذا الحوار, أري أن المشهد في مصر الآن يحتاج إلي قوة وعدم تردد في التعامل معه, وخاصة إذا تعلق الأمر بأمن المواطن وأمانه, أو باستقرار الدولة ومستقبلها, أما إذا استمر عشرات البلطجية يعبثون بالميادين والمنشآت, كما هو الوضع الآن, دون تدخل حاسم من الأجهزة الرسمية, فالأمر سوف يخرج عن السيطرة عاجلا أو آجلا, ولن يستطيع أحد أن ينظر لا إلي الحاضر ولا إلي المستقبل نظرة المطمئن التي يدعو إليها الرئيس.
وإذا كان الرئيس قد أكد في حديثه أن فرص الاستثمار في مصر متعددة وذات عوائد متميزة علي حد قوله وإذا كان قد دعا رجال الأعمال القطريين والمصريين علي السواء للاستثمار في مصر, فإننا سوف نظل نؤكد أن ذلك لن يتحقق دون عودة الهدوء إلي الشارع, حتي لو كان الانفلات الحاصل من صنع مجموعة صغيرة من البلطجية, أو من صنع مجموعة محددة من القوي السياسية, أو بتمويل من جهة معينة خارجية, ولن يقبل الشعب أن تظل مقدراته رهنا بهؤلاء أو أولئك, ففي النهاية مصر هي التي تدفع الثمن, وشعب مصر هو الذي يتألم, ولن يسجل فصيل سياسي تفوقا علي حساب آخر أبدا في ظل هذه الظروف التي يمكن أن يحترق بنارها الجميع.
[email protected]
لمزيد من مقالات عبد الناصر سلامة


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.