في السنوات الأخيرة السابقة علي ثورة يناير العظيمة كان للصحافة المصرية بمختلف أنواعها دور سيذكره التاريخ في التمهيد لهذه الثورة, وهو ما جعلها هدفا ثابتا لمحاولات النظام السابق لتكميمها والسيطرة عليها خاصة الصحافة القومية التي أوقعها قدرها أسيرة في يده. بعد قيام الثورة وتتابع مراحلها المختلفة تزايد دور الصحافة خصوصا والإعلام عموما في الدفاع عن أهداف الثورة التي بدا أنها تتآكل واحدا بعد الآخر, الأمر الذي جعلها تعود مرة أخري هدفا لمحاولات التكميم والتشويه, وصولا إلي القتل كما حدث مع الزميلين الشهيدين أحمد محمود والحسيني أبوضيف, ولم يكن هذا فقط ما يحيط بالصحافة المصرية من أخطار, بل إن الأمر تجاوزه إلي حيث بدا واضحا لكل العاملين بها أن أحوالها بعد عامين من الثورة تزداد سوءا وتدهورا علي خلاف ما كان يجب أن يكون في ظل ثورة من المفترض أن تغير كل الأحوال والأوضاع إلي الأفضل, فالصحافة كلها اليوم, قومية وخاصة وحزبية, مهددة بمواد أدرجت في الدستور تطيح بحريات الرأي والتعبير, وتبيح السجن والحبس للصحفيين وغيرهم من أصحاب الرأي, وتفاقم الأمر أكثر مع القانون المسمي بقانون حماية الثورة الذي يهدد بإجراءات استثنائية حريات الصحافة ونقد المسئولين والإضراب والاعتصام بسنوات سجن طويلة وغرامات ثقيلة. كل هذا بحجة واهية وغير حقيقية وهي القصاص لشهداء الثورة, وكأن الصحافة والحريات العامة هم الذين قتلوهم, ومضي الدستور أكثر في غيه ليقترح مجلسا وطنيا للصحافة والإعلام يكون الوسيلة للسيطرة عليهما وإخضاعهما لما يريده ولاة الأمر وأصحاب السلطان, وأما الصحافة القومية التي تكالبت عليها أطراف كثيرة لتدميرها سواء لإنهاء دورها أو لبيعها بثمن زهيد لمن يقومون باستثمار تاريخها العريق لمصلحتهم, فقد وضع الدستور لها ومعها اتحاد الإذاعة والتليفزيون هيئة تعيدهما بعد الثورة إلي بيت الطاعة الحكومي بعد أن غير لافتته. أما في الواقع العملي فقد اجتمعت الظروف السيئة بعد الثورة مع المتربصين بالصحافة المصرية بكل أنواعها لكي يتزايد يوميا عدد الصحف التي تغلق والزملاء الذين يشردون والخسائر التي تتوالي علي الصحافة القومية والأحوال المعيشية للصحفيين التي تتدهور يوما بعد آخر. وأضحت الصحافة المصرية اليوم بعد كل ذلك في مواجهة تحد تاريخي, فهي إما أن تكون كما نشأت وعاشت لنحو قرنين مستقلة وحرة ومهنية وقائدة لمجتمعها, وإما أن تتحول إلي مهنة أصحابها لا يجدون من الموارد ما يجعلهم يمارسونها بكرامة وحرفية, وتتحول صحفها الناجية من الإفلاس والغلق لنشرات ناطقة باسم من يسيطر عليها, إن السؤال الحقيقي الذي يواجه الصحافة المصرية بعد عامين من الثورة هو أن تكون أو لا تكون. لاشك أن أحدا لن يستطيع أن يدمر الصحافة المصرية وأبناءها, إلا أن هذا يستلزم منهم أجمعين أن يكون لديهم الإرادة وسرعة التحرك بما يمكنهم من إعادة تأسيس مهنتهم وكل أحوالها بما يتناسب مع التغييرات الجذرية التي تفرضها الثورة. الإرادة وسرعة التحرك لتغيير النصوص الدستورية والتشريعية التي تهدد وجود الصحافة كما يجب أن تكون, واستبدالها بما يحفظ لها حريتها واستقلالها ومقومات تقدمها, الإرادة وسرعة التحرك لتحقيق استقلال مالي وموارد جديدة تحقق لكل صحفي أيا كانت طبيعة مؤسسته حدا كريما للعيش يوفر له كرامة لن يكون بدونها أي مهنية حقيقية. الإرادة وسرعة التحرك لوضع أسس واضحة لفصل الصحافة واستقلالها المادي والمهني والإداري عن أي سلطة سياسية في البلاد أيا كان لونها واتجاهها. الإرادة وسرعة التحرك لإنقاذ شباب الصحفيين والذين هم مستقبل المهنة وجزء من صانعي الثورة من ظروف السخرة التي يعملون فيها اليوم في مختلف أنواع الصحف, الإرادة وسرعة التحرك لإعادة الاعتبار والكرامة وشروط الحياة اللائقة لشيوخ المهنة الذين يطاح بهم اليوم سواء من المؤسسات بحجة المعاش أو يحرمون من حقوقهم الأساسية الأخري مقابل مبلغ زهيد يتقاضونه كمعاش نقابي. الإرادة وسرعة التحرك هما الحل الوحيد لإنقاذ الصحافة المصرية وإعادة تأسيسها من جديد في ظل ثورتنا العظيمة التي تكون ثورة حقيقية إلا بإعادة تأسيس كل مؤسسات البلاد وسلطاتها ومن بينها الصحافة, وهي مهمة لن يقوم بها سوي الصحفيين أنفسهم.