الضربة الحديدية، نتنياهو يقر خطة الهجوم الإسرائيلي على إيران    حريق شقة ينهي حياة أم وطفليها بالقليوبية    «أون لاين».. كيفية الإستعلام عن فاتورة الكهرباء لشهر يناير 2026    الحصر العددي، حسين غيتة يقترب من حسم مقعد مغاغة بالمنيا    فيديو.. وزير الطيران يكشف تفاصيل إلغاء كارت الجوازات للقادمين والمغادرين نهاية يناير الجاري    رئيسة فنزويلا المؤقتة ل ترامب: شعبنا ومنطقتنا يستحقان السلام لا الحرب    ترامب يحذر إيران.. ويؤكد مقتل عدد كبير من الكوبيين المرتبطين بمادورو    خبير سيبراني: حظر السوشيال ميديا عمن دون ال 16 عاما سهل التنفيذ.. واللوم على الأهالي    الاتحاد الأوروبي يدعو واشنطن إلى احترام القانون الدولي وإرادة الشعب الفنزويلي    أسعار الأسماك والخضروات والدواجن اليوم 5 يناير 2026    وفقا للحصر العددي، يونس الجاحر يقترب من حسم مقعد القوصية بأسيوط    بعد إثارتها الجدل بسبب محمد عبد المنصف، من هي إيمان الزيدي؟    فاجعة تهز قليوب.. حريق شقة ينهي حياة أم وطفليها في «أم بيومي»    اللجنة العامة بالوراق وطناش تعلن الحصر العددي للمرشحين    ترامب: كوبا على وشك الانهيار والسقوط    «قفلت السكة في وشه».. عمرو مصطفى يكشف كواليس أول مكالمة مع الهضبة    الصحة: إنشاء مجمع تعليمي طبي متكامل بأرض مستشفى حميات إمبابة لدعم منظومة التمريض    الصحة العالمية تدعو لترشيد استخدام المضادات الحيوية قبل فوات الأوان    بالأرقام.. نتائج الحصر العددي لأصوات الناخبين بالدائرة الثالثة بالفيوم    نتيجة الحصر العددي لدائرة المنتزه بالإسكندرية في جولة الإعادة بانتخابات مجلس النواب 2025    مهرجان المسرح العربي يكشف تفاصيل دورته الجديدة في مؤتمر صحفي اليوم    إبراهيم عيسى عن فيلم «الملحد»: المشاهد سيضحك ويبكي ويناقش    مؤشرات أولية غير رسمية.. فوز وائل إسماعيل ومحمد مصطفى وأسامة عبدالشكور في انتخابات مجلس النواب بالمنيا    مواقيت الصلاة اليوم الإثنين 5 يناير 2026 في القاهرة والمحافظات    ياسر ريان: مشاركة الزمالك بالناشئين أمام الاتحاد السكندرى قرار خاطئ    اتحاد الغرف التجارية: وفرة السلع تسمح بوقف الاستيراد من مناطق النزاع دون رفع الأسعار    نتيجة الحصر العددي لانتخابات مجلس النواب بالدائرة التاسعة كوم حمادة وبدر بالبحيرة    "لمّ الشمل" في المنوفية.. وعاظ الأزهر ينهون نزاعا أسريا طويلا بمدينة الشهداء    محمد رمضان يفاجئ جمهوره بمسابقة نارية قبل حفل استاد القاهرة    هنا الزاهد تحتفل بعيد ميلادها.. ومهاراتها الفنية تثبت أنها نجمة متعددة المواهب    الاختلاف فى الرأى يفسد للود قضية    أيمن منصور يكشف كواليس تسجيله أسرع هدف في تاريخ أمم إفريقيا    العثور على جثة مسنه داخل منزلها بطنطا    دمياط.. الانتهاء من 548 مشروعا ضمن المرحلة الأولى من حياة كريمة    ميراث الدم| يقتل شقيقه ونجله بقنا.. والمحكمة تُحيل أوراقه إلى فضيلة المفتي    بيع سجائر بأغلى من التسعيرة.. حملة تفتيش على المحلات بأسواق العريش    أخبار × 24 ساعة.. إضافة مادة البرمجة والذكاء الاصطناعى لطلاب التعليم الفنى    أمم إفريقيا - باليبا: سنرى كيف يمكننا منع المغرب من اللعب    للمرة الأولى منذ 47 عاما.. سان جيرمان يفوز على نادي باريس بهدفين    سيف زاهر: منافسة كبيرة بين الأهلى وبيراميدز على ضم موهبة بتروجت    115 عامًا من المجد والتاريخ، الزمالك يحتفل بذكرى تأسيسه    أمم إفريقيا - بروس: إذا لم نهدر فرصنا لم نكن لنخسر أمام الكاميرون    بين الاندماج والاختراق.. كيف أعاد تنظيم الإخوان ترتيب حضوره داخل أوروبا؟    ديلسي رودريغيز: الهجوم الأمريكي واعتقال مادورو يندرجان ضمن مخطط ذي «دلالات صهيونية»    خالد الدرندلي: البنية الرياضية المتطورة تجعل مصر جاهزة لكأس العالم    مسلحون يقتحمون سوقًا في وسط نيجيريا ويقتلون 30 شخصًا ويختطفون آخرين    آخر تطورات سعر الريال القطري أمام الجنيه مساء اليوم الأحد    الوزير يتفقد الخط الرابع للمترو واستعدادات الحفر للفسطاط    أسباب زيادة الوزن في الشتاء    احتياطي السلع الأساسية يغطي احتياجات رمضان.. الغرف التجارية تكشف تفاصيل المخزون الاستراتيجي    تدهور الحالة الصحية للفنان إيمان البحر درويش.. اعرف التفاصيل    الصحة تطلق حملة «365 يوم سلامة» لتعزيز ثقافة سلامة المرضى    محافظ الغربية يجري جولة مفاجئة داخل عيادة أحمد عرابي الشاملة بكفر الزيات    المستشار حامد شعبان سليم يكتب عن : فابشر طالما انت مع الله !?    بدء صرف الإعانة الشهرية لمستحقي الدعم النقدي عن يناير 2026 بتوجيه من شيخ الأزهر    القمة الإنجليزية.. ليفربول يواجه فولهام في مواجهة حاسمة بالبريميرليج 2025-2026    مواقيت الصلاه اليوم الأحد 4يناير 2026 فى المنيا    أدعية مستحبة في ليلة النصف من رجب.. باب للرجاء والمغفرة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



»اليَقِينُ« طريقُ طه حسين إلي »الشَّك«
نشر في أخبار الأدب يوم 10 - 11 - 2013


طه حسين
1
"ليس من الضروري أن تكون مُسْلِماً حتي تتمتَّع بالقرآن الكريم وتتذوَّق قِيَمَه، وليس من الضروري أن تكون مسيحياً كي تتمَتَّع بالكتاب المُقَدَّس، وليس من الضروري أن تكون يهودياً، وإنَّما يكفي أن تكون إنسانا".
2
الكلام لطه حسين. قِراءَتي لأعماله، وكتاباتِه، بشكل دائِمٍ، ومُتَواصِل، كما أفعل مع مَنْ لهم أثَرٌ معرفي كبير في نفسي، مِنَ العرب، ومن غير العرب، من المفكرين والمبدعين والفنانين الكبار، أتاحَتْ لي أن أَكْتَشِفَهُ باستمرار، وأتعرَّفَ عليه، وعلي مواقفه التي طالما كانتْ مُحْرِجَةً للكثيرين، وكانت عَلامةً فَارِقَةً في حياتِه هو نفسه. فبقدر ما هاجَمَ اعُلماءب الأزهر، وانتقد طُرُق ومناهج التدريس، في هذه الجامعة الدينية العتيقة، بقدر ما انْتَقَدَ التَّعليم االحديثب نفسه، الذي لم يكن في مستوي ما رَغِبَ فيه، باعتباره، كاتباً، ومُفَكِّراً مشغولاً بالمستقبل، وبنهوض مصر، التي كانت، آنذاك، في عنفوان حراكها، الفكري والثقافي، الذي بدا واضحاً في صراعِ وتَجاذُباتِ أطْرافٍ مختلفة، لتكريس نفسها، باعتبارها البديل الفكري، الذي سيضمن نهضةَ الأمة، ويخرج بها من براثن التخلُّف والانحطاط.
3
ضمن هذا الصِّراع الفكري، كان طه حسين يعمل علي مُراجَعَة أُسُسِ المعرفة العربية، التي كانت، بكل تَمَظْهُراتِها، وأشكالها التعبيرية، تحت هيمنة التقليديين أو المُحافِظين، ممن اعتبروا هذا التراث الفِكْرِيَّ والإبداعِيَّ، تُراثاً لا يقبل المُراجعَة، فهو مُحْكَم البناء، ومعرفتُه تقتضي السَّيْر في طريقه، أو اتِّباعه، فهو مصدرٌ للمعرفة، وطريقةٌ في النظر للأشياء، وفَهْمِها.
هذه المراجعة التي سَلَكَها طه حسين، فيما كان يكتبُه، وما كان يقوله لطلبته في الجامعة، هي ما جعل من خُصومِه يعتبرونه تَغْرِيبِياً، ينتصر للثقافة الفرنسية، بشكل خاص، وللمناهج الغربية، عُموماً، في مقابل الثقافة العربية »الأصيلة« كما كانوا يتصوَّرُونَها، ويدعون لها، أو يُكَرِّسُونَها، من خلال ما يكتبونَه، ويُرَوِّجُونَه من أفكار.
4
فكتاب » في الشِّعر الجاهلي«، الذي خرج فيه طه حسين عن السِّياقِ العامِّ، لِما كان معروفاً من أفكار، وما كان يأخذه الطلبة عن مُدَرِّسِيهم، وأساتذتِهم، لم يكن مُهِمّاً من حيث النتائج التي وصل إليها، بقدر ما كانت أهَمِّيَتُه في المنهج الذي قرأ به هذا الشِّعر، أو وَضَعَ، من خلاله، هذا الشِّعر، كاملاً موضع »شَّكٍ«، بما يعنيه هذا الشَّك من مراجعة جذرية، فاحِصَة، وعميقة، في التراث الشِّعري العربي، الذي بدا لطه حسين أنَّه غارقٌ في المُسَلَّمات واليقينيات، ولا أحدَ فكَّر في مُوَاصَلَة ما كان بَدَأَه بعض القُدَماء من شَكٍّ، وما كان أثاره بعض دارسي هذا الشِّعر من المستشرقين.
5
لستُ في حاجَةٍ للعودة لهذا الكتاب الذي سبق أن كَتَبْتُ عنه، فأنا، بِنَاءً علي ما بدأْتُ به من كلام لطه حسين، في مقدمة هذا النص، أريدُ أن أتكلَّمَ عن كتاب آخر، له أهمية خاصَّة في هذا السياق، هو كتاب اعلي هامش السيرةب بأجزائه الثلاثة، الذي لم يُقْرَأ من قِبَل كثير ممن اعتبروه كتاباً في سيرة الرسول، وفقاً لِما عَرفُوه من مَرْوِياتٍ لهذه السيرة، في بعض مصادرها القديمة، ربما طبيعة المرحلة التي كتب فيها طه حسين هذا الكتاب [1933]، لم تكن في صالح طه حسين، خصوصاً علي المستوي الفكري العام، الذي كان طه حسين لا يزال يعيش فيه علي وَقْعِ ما أثاره عليه كتاب »في الشِّعر الجاهلي« من مشاكل، لم تقتصر علي خُصومه التقليديين، بل شملت خُصومَه السياسيين، رغم ما سيجده من دَعْمٍ من قِبَل بعض هؤلاء، الذين حاولوا امتصاص هذا اللَّغَط، ووضعه خارج الصراعات، والمُزايدات السياسية، التي لا علاقة لها بالشِّعر، ولا بما كان يتوَخَّاه طه حسين من هذا العَمَل النقدي المُهِمّ.
6
هذا الكتاب، بأجزائه الثلاثة، كما صَدَرَتْ في طبعة دار المعارف، قَرَأْتُه أكثر من مَرَّةً، ليس رغبةً في قراءة السيرة، في ذاتها، وهذا هو موضوع الكتاب، بل في معرفة ما تَمَثَّلَه طه حسين من هذه السيرة، أي من المصادر التي عاد إليها، وفي الطريقة التي سَلَكها في كتابة هذه السيرة. والسؤال: هل كان طه حسين غير مُقْتَنِعٍ بما كُتِبَ من سِيَرٍ سابِقةٍ، وعمله هذا هو كتابة فيها ما يمكن اعتباره إضافةً واختراقاً؟ هل خامَرَهُ »الشَّكّ«، فيما جاء في بعض هذه السِّيَر، أو فيها كاملةً، رغم ما قَدَّمَه من دُفوعات في مقدمة الكتاب، حول ما يتعلَّق بالنبي وبالدِّين، بشكل خاص ؟ هل أراد بهذا العمل أن يُغازل خصومه من المُحافظين، ممن واظبوا علي مهاجمته، دون كَلَل، للتَّخفيف من حدَّة التَّوتُّرات التي خَلَّفَها كتاب »الشِّعر الجاهلي«؟ أم أنَّ الأمر يتعلَّق بعودة طه حسين للتاريخ، الذي كان بين أهم ما أسَّس به معرفتَه، في الأدب، بشكل خاص، ولِما كتبَه في ما سَمَّاه ب »الإسلاميات«، وهو الذي كان أكَّدَ ما للتاريخ من أهَمِّيَة في فهم ومعرفة كثير من مشكلات النص الشِّعري، والسياق الفكري للثقافة العربية القديمة، أو للتراث إجمالاً؟
7
مَنْ يقرأ »علي هامش السيرة«، بانتباه، وبتَجَرُّد، سيري كيف أنَّ طه حسين لم يكن يكتب التاريخ، بقواعد هذا العلم، وما يتطلبه من تَتبُّع للوقائع والأحداث، وفق ما جَرَتْ به، فهو منذ الجزء الأول، اخْتَارَ أن يحكي السيرة تَخْييلاً، لا أن يُسَايِر السِّيرَةَ، بنفس التحقيب والترتيب الذي سار عليه كُتَّاب السيرة.
وهذا في ذاته، له أكثر من معنًي عند طه حسين، أو ما يمكن أن نتأوَّلَه في المنهج، أو في الطريقة التي اختار أن يُعيد بها سَرْد السيرة.
يعرف من قرأوا ما وَصَلَنا من سِيَرٍ، أنَّ سيرة الرسول لم تُكْتَب إلاَّ بعد مرور قرنٍ علي وفاته، تقريباً، وهو ما حدث حتي بالنسبة للحديث، ما جعل السيرة، في روايتها الأولي لابن اسحاق، لا تُقْبَل، لِما دخَل فيها من خيال، أو ما حدث فيها من تناقُضات، أو ما اعتبره بعض اللاَّحِقين عليه شوائبَ شَابَتِ الكتابَ، رغم أنَّه سيظل هو الوثيقة التي عاد إليها من كتبوا السيرة بعد ابن هشام، بمن فيهم ابن هشام نفسه.
8
هذا التخييل الذاتي، أو السيرة التخييلية، رغم ما فيها من وقائع وأحداث وتواريخ، هي نفسُها ما نجده عند ابن سعد وعند الطبري وعند ابن هشام ، كان لحظةَ الوَهَن في ما يوجد في السيرة من أبعاد تخييلية أسطورية، وهي ما سَيَعْمَدُ طه حسين لاستعماله، بنوعٍ من التَّوَسُّع، في إعادة تَخَيُّل بعض هذه الوقائع، أو كما يقول ا وأُحِبُّ أن يَعْلَمَ الناس..أنِّي وَسَّعْتُ علي نفسي في القصص، ومنحتُها من الحُرِّيَةَ في رواية الأخبار واخْتِراع الحديث ما لم أجد له بأساً، إلاَّ حين تتصل الأحاديث والأخبار بشخص النبي، أو بنحو من أنحاء الدين، وإنما التزمْتُ ما التزمه المتقدمون من أصحاب السيرة والحديث، ورجال الرواية، وعلماء الدين. حاول طه حسين من خلال، هذا الاستدراك، تبرير ما قاله قَبْل كلامه هذا، عن »كَلَف الشعب بهذه الأخبار، وجده في طلبها، وحرصه علي قراءتها والاستماع إليها«. وهو يقصد بالشَّعْب هنا، عامة الناس، ممن يأخذون الدِّين بما يُرْوَي، ويُقال، لا بالبحث، والتأمُّل، والتمحيص، كما يفعل هو نفسُه، أو كما فعل فيما كتبه في الشعر الجاهلي، وفي حديث الأربعاء، ومُقَدِّمَة كتاب »في الشِّعر الجاهلي« كافية، لتفكيك مقدمة »علي هامش السيرة«، وفَضْح هذا »الشك« الذي فضَّل طه حسين، هذه المرة، أن يضعه في غلاف من »اليقين«، الذي يدعو لمزيد من الشك فيما دخل علي السيرة من روايات، لا يمكن أن تَصْمُد أمام العقل. ثمَّة، من الباحثين المعاصرين، من يري أنَّ الاستراتيجية الثقافية لطه حسين، هي استراتيجية نخبوية، ولم يكن مُنْشَغِلاً بتوصيل الثقافة إلي الجماهير، أو »الشعب« بتعبير طه حسين نفسه، فالشعب لا يمكنه أن يستوعبَ »المنهج الفلسفي الذي اسْتَحْدَثَه ديكارت عن حقائق الأشياء«، خصوصاً حين يكون هذا المنهج، قائماً علي تَجَرُّد الباحث من كل شيء كان يعلمه من قبل، وأن يستقبل، أو يقتحم موضوع بحثه خالِيَ الذهن من كل شيء.
9
من يقرأ كتاب »الطَّبقات الكُبْرَي« لابن سَعْد، سيلاحظ أن هذه السيرة، هي المصدر الأكثر استعمالاً، وتوظيفاً من قِبَل طه حسين، أو هي التي وجد فيها ما يسمح له بكتابةِ سيرةٍ »حَديثَةٍ«، فيها مراجعة للمرويات القديمة، رغم استعماله لتاريخ الطبري، وسيرة ابن هشام، لكن، دون دَرْسٍ، أو تحليل، مُبَاشِرَيْن، بل بوضع الأحداث والوقائع، ذاتها، في مواجهة قارئها، أو وضع القاريء، بالأحري، في مواجهة هذه الوقائع، وفي تمييزِها، أي في تمييز التاريخي فيها عن الأسطوري، الذي هو ما يذهب إليه »الشعب«، لأنه »يَجِدُّ في طلبه«، بعكس ما قد يذهب إليه الباحث، الفاحِص، أو المُؤَرِّخ الذي يَحْتَكِم في عمله للوثائق والمعطيات، أو لِما يصل إليه من خلال عملية فَحْصٍ دقيقة ومتأنِّيَة لهذه الوثائق والمعطيات. أو كما يقول فيليب.م. جونز »إنَّ أوَّل مهمة يؤدِّيها الناقد هي أن يُوَضِّحَ لنا المُبْهَمَ فيما نقرأ، وأن يُنَظِّمَ النص تنظيماً يُخْرِجُه من الفوضي التي كانت تسودُه نتيجةً لِبُعْد العَهْد الذي كُتِب فيه، وكثرة الآراء التي تضاربتْ في أصله وتفسيره«.
10
لا أتصَوَّر أنَّ طه حسين أراد كتابةَ سيرة، بالمعني الأسطوري التخييلي، فقط، لِشَدِّ القاريء إليه، أو ترغيبه في قراءة سيرة الرسول، ما كان يريدُه طه حسين هو تأكيد البُعْد الأسطوري في بعض مفاصل السيرة، التي أضاف لها الرواة المختلفون، وغيرهم ممن استعملوا شخصية النبي فيما كتبوه، لإخراج النبي من السياق الدُّنْيَوي، ووضعه في سياق المُقَدَّس، أو الغيبي، رغم ما أكَّد عليه القرآن، نفسه، من أنَّ مُحَمَّداً بَشَرٌ مثل جميع البشر، يأكُل ويمشي في الأسواق.
المقدس في شخص النبي، هو طبيعةُ الرسالة التي كُلِّفَ بحَمْلِها، واختياره لتبليغ الرسالة، دون غيره من فتيان قريش، أو ممن كانوا ينتمون للطبقة الأرستقراطية، من تُجَّار مكة المُتَنَفِّذِين. هذا التَّكْليف، هو ما سيكون الخط الفاصل، الذي سيجعل من التاريخي، يحتمل الإضافة، والتَوَسُّع في إضفاء الغيبي علي المعلوم، أو المُقَدَّس علي الدنيوي.
11
حين قرأْتُ ما كان كتبه الشَّاعِر العراقي سعدي يوسف عن كتاب اعلي هامش السيرةب، يعتبره كتاباً عظيماً، وسعدي، كما يعرف الجميع، هو االشيوعي الأخيرب، كما كتب عن نفسه في أحد أعماله الشِّعرية، فَهِمْتُ القَصْدَ من كلام سعدي، الذي، هو، فيما أعْتَقِد، نفس ما أذهبُ إليه في فهمي لدافع طه حسين في كتابة هذا العمل، الذي لا بُدَّ أن نعود لقراءته من جديد، وفي ضوء ما تُتِيحُه لنا الدراسات الحديثة التي وَعَتْ المسافة الفاصلة في قراءة الدِّين، أو ما له علاقة بالدِّين، بين الوعي التاريخي، المبني علي المعطيات والوقائع، واختبار هذه المعطيات وفَحْصِها، والوعي الأسطوري، الذي يُضْفِي علي الواقع ما يُفارِقُه، ويَنْبُو عنه، أو يخرج به إلي التَّزَيّد، والتَّقْوِيل، والتَّبْدِيل.

12
إنَّ كتاب »علي هامش السيرة«، هو كتابةٌ للسيرة، بنفس المنهج الذي به كتب طه حسين افي الشِّعر الجاهليب، فقط، أنَّ »الشَّك«، في الكتاب الأوَّل، لم يكن شَكّاً في شخص النبي، ولا في حقيقة الوحي، بل فيما دَخَل علي هذه السيرة من زياداتٍ، وإضافاتٍ، تخرج عن سياق الواقع، وهي نوع من تقديس المُقَدَّس، أو تشييده علي الغيب، بما لا يحتمله الغيب نفسُه، حين يوضَعُ أمام آلة االشَّكب، الذي عَمِل طه حسين، هذه المرَّة، علي إخْفائهِ، حتي لا تعود الأمور إلي ما عرفَتْه من قبل، أو ألْبَسَ الشَّك قَمِيص اليقين، رغم ما قاله عن العقل في مقدمة الكتاب، مِمَّا لا يمكن الاطمئنان له، خصوصاً في وضع كاتِبٍ ومفكر، مثل طه حسين، وهذا، ربما، ما كان أزْعَجَ محمد أركون الذي اعتبر ما كتبه طه حسين في هذا الكتاب، لا يَتَّسِق مع فكر طه حسين، الذي هو فكر نقدي يحتكم للعقل، ويتحرَّر من قيود واأغلال النص المنقولب.
13
هذا الذي ذَهَبْتُ إليه هنا، له علاقة بما بدأتُ به. فاستفراد »المسلمين« بالقرآن، باعتباره كتاباً لا يمكن أن يتمتَّع، أو يستمتع، ويَسْتَلِذَّ بقراءته غير المسلمين، أمْرٌ غير صحيح في نظر طه حسين، وهو ما يَسْرِي علي المسيحيين واليهود، أيضاً، فيما يتعلَّق بالكتاب المقدَّس، بِعَهْدَيْه. في المعرفة، والرغبة في المعرفة، لا يمكن أن يكون الدِّين خَطّاً فاصِلاً بين المسلم وغير المسلم، فالإنسان، مهما يكن انتماؤه العقائدي، قادر، بما له من عقل، وما له من خيال، علي أن يقرأ هذا الإرث الديني، أو هذه الكُتُب، كما يقرأ غيرها، وهي كتبٌ، بالتالي تتوجَّه للإنسان، أو لجميع الناس، القرآن مثلاً، فيه من هذه الصيغة ما يكفي لتأكيد ما يقوله طه حسين. نحن اليوم في حاجة لوضع هذه الكُتُب في علاقة مع بعضها، وقراءتها مع بعضها، لنعرف، علي الأقل، ما يجمع بينها، وما قد يكون خطّاً فاصلاً فيها بين هذا الكتاب، وذاك، لا أن نمنع المسلم من قراءة التوراة والإنجيل، ونمنع المسيحي واليهودي من قراءة القرآن، أو نعتبر قراءتَه تدنيساً للكتاب، رغم ما قد يذهب إليه البعض، في الآية، بالتأكيد علي »المُطَهَّرِين«، التي تحتاج لِفَحْصٍ، حتي في شأن من يدَّعُون الإسلام، فيما نراه ونسمعه اليوم، من أفكار، حَرَّفت الدِّينَ نفسَه، وخرجَت به عن الغرض الذي جاء من أجله.
14
البُعْد الإنساني في المعرفة، اعتبره طه حسين حَلاًّ يُبْعِدُنا عن هذا التَّشَاحُن، والتَّطَاحُن الذي هو أساس ما نعيشه من أعطاب في كل شيء. فكتابة طه حسين ل »علي هامش السيرة« لننتبه لتعبير هامش، في العنوان، وتداعياته في الكتاب بأجزائه الثلاثة، كان تأكيداً علي البُعْد الإنساني في شخصية النبي، وفي الدِّين نفسه، حين ننظر إليه خارِجَ ما قد يَحُفُّه من شوائب، أو ما يعْلَق به من طبقات تُخْفِي فيه هذا البُعْد الذي يصبح فيه الإنسان مُجَرَّد كائِنٍ بلاصوت، ولا حق له في التفكير والنظر.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.