حروب الجيل الرابع وتأثيرها على الشباب.. ندوة تثقيفية بجامعة السادات    إثيوبيا تنسحب من مفاوضات سد النهضة بشكل مفاجئ    دلالات تشييع مبارك ولماذا أصر السيسي على جنازة عسكرية    محافظ الغربية يطالب بحصر المعديات للنهوض بمنظومة النقل النهري    رئاسة مركز الخارجة تحرر 8 محاضر ضد مخالفين استخدموا مياه الشرب في أغراض الزراعة    تحصين 80 ألف رأس ماشية ضد الجلد العقدي ببني سويف    ميشال عون يبعث برقية عزاء إلى السيسي في وفاة مبارك    سقوط طائرة تركية مسيرة في ليبيا    نادي قضاة مصر ينكس الأعلام حدادًا على مبارك    مقتل صحفي برصاص مسلحين مجهولين شمال غربي باكستان    الجيش اليمني تشن هجومًا على مواقع للمليشيا في الجوف    مؤجلات الدور الأول.. تحديد موعد مواجهة الأهلي وانبي.. والزمالك مع المصري    إكسبريس: محمد صلاح إلى ريال مدريد ب 150 مليون يورو    عقوبة جديدة في انتظار مرتضى منصور    الزمالك ينعي عمرو فهمي    استعجال التحريات حول عاطل انتحل صفة شرطي للنصب على المواطنين    المؤبد لمبيض محارة شرع في قتل والدته بسبب الميراث بملوي    ضبط 5314 مخالفة على الطرق السريعة خلال 24 ساعة    اختناق 5 طالبات في حريق بقنا    "إلا زينب".. كواليس لقاء مبارك وعفاف شعيب وسر انفعاله على يوسف شعبان    مصطفى وزيري يعلن أحدث الاكتشافات الأثرية في محاضرة بجامعة سوهاج    مهرجان البحر الأحمر السينمائي تقوم يرمم رائعة يوسف شاهين «الاختيار»    نوال الزغبى تنضم لمحبى المهرجانات وترقص على أغنية "بنت الجيران"    أدخر مبلغًا ماليًا ل زواج أبنائي هل عليه زكاة .. أمين الفتوى يجيب    منح الدكتورة هالة زايد جائزة «التميز في تعزيز التغطية الصحية»    محافظ الإسكندرية يحيل طاقم استقبال الطوارئ بمستشفى القباري للتحقيق    التعليم تعلن جدول امتحانات الثانوية العامة المقترح    المشاركون في مؤتمر «وعظ سوهاج» يؤكدون على دور الأزهر في التوعية المجتمعية    المالكي في مؤتمر صحفي في ختام جولته بجينف: البند السابع سيبقى بندا ثابتا على اجندة مجلس حقوق الانسان حتى انهاء الاحتلال الاسرائيلي.    بالصور.. محافظ الأقصر: الزيادة السكانية شبح يلتهم موارد التنمية    أبطال دجلة للاسكواش يستعدون لبطولتي CIB و«ويندي سيتي المفتوحة»    بفستان منقط.. نرمين ماهر تشعل إنستجرام بإطلالة جريئة    الأرصاد: غدا طقس دافئ نهارا على معظم الأنحاء    صلاة الجنازة على "مبارك" مرتين تثير الدهشة.. والإفتاء: "ثواب كبير"    "دينية البرلمان" توصي بإذاعة صلاة التراويح عبر مكبرات الصوت    منح الضبطية القضائية ل 8 بمركز معلومات المرافق بالبحر الأحمر    مصرع مسن أسفل عجلات القطار في الإسماعيلية    برلمانية: تعليق رحلات مصر للطيران للصين قرار احترازي لمواجهة فيروس "كورونا"    وفاة أول مواطن فرنسي بفيروس كورونا    أحدث إصدارات وزير الأوقاف ..الأدب مع سيدنا رسول الله "صلى الله عليه وسلم"    البديل المثالى.. ريال مدريد يجدد اهتمامه بضم محمد صلاح مقابل 150 مليون يورو    قوات الأمن تخلي محيط قبر مبارك من أنصاره    الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري توقع اتفاقية جديدة    رسميا.. فيروس كورونا يتسبب في إقامة مباراة إنتر بالدوري الأوروبي بدون جماهير    مدارس منحت تلاميذها اليوم إجازة بسبب جنازة مبارك    وزير الصناعة: القطاع الخاص شريك رئيسي في «التنمية الاقتصادية»    موقع ألماني ل السياح: هذه التصرفات "ممنوعة" في مصر    "العالم القديم".. أول مهرجان سينمائي دولي في بورسعيد    سفير بريطانيا بالقاهرة يزور دير العذراء بسمالوط    إتحاد الكرة يخوض تجربة الفار فى طنطا الاثنين المقبل    إيطاليا تعلن عن 12 وفاة و374 إصابة بفيروس كورونا    بمشاركة 40 دولة.. انطلاق منافسات بطولة كأس العالم للخماسي الحديث فى مصر    البترول: إقامة مشروعات بتروكيماويات بالعلمين الجديدة ومنطقة قناة السويس    «القوى العاملة»: 2693 فرصة عمل متاحة في 23 شركة في مارس المقبل    عالم مصريات كبير.. إطلاق اسم علي رضوان على مدرسه بمسقط رأسه في الإسماعيلية    القناة الناقلة للحلقة الجديدة من مسلسل "قيامة عثمان"    الأمين العام للأمم المتحدة ينعي الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك    ما حكم استخدام المال الذي اختلط فيه الحلال بالحرام؟    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





دراما «النوتردام»
نشر في أخبار الأدب يوم 20 - 04 - 2019

تكررت زياراتي لباريس منذ عام 2011 بشكل شبه منتظم، لأسباب الدراسة والمشاركة في المؤتمرات وورش العمل. كنت أقيم في كل مرة في المنطقة الخامسة التي تقع بها كاتدرائية نوتردام وجامعة السوربون والبانثيوم والحي اللاتيني وشارع سان ميشيل وغيرها من المعالم التي يعرفها ويعشقها كل من زار باريس أو تمني زيارتها.
أدهشني أن المَعلَم الوحيد الذي لم ألتقط له أو معه صورًا هو كاتدرائية نوتردام أو »النوتردام»‬ كما نطلق عليها، رغم زيارتي لها في أول يوم من زيارة لي لمدينة الحضارة والتنوير، لا تفسير لذلك لديَّ سوي أنني اعتبرت وجودها هو وجود باريس ذاته، فمن الطبيعي أن ألتقط الصور لمعالم باريس لكني لا ألتقط صورًا مع باريس ذاتها... بل أشعر بها، أدركها كمعني وأستقبلها كتأثير وهي نفس مواصفات العلاقة بيني وبين »‬النوتردام».
كما كنت أتعامل معها كأمر دائم ومضمون الوجود أو كما نقول for granted، أمرّ عليها كل يوم مرتين علي الأقل وأربع مرات في المتوسط أثناء إقامتي بباريس، فلماذا الصور؟ ولماذا أفكر في تسجيل اللحظة وهي القائمة دائمًا في كل مرور عليها.. آسرة شامخة لأكثر من 600 عامًا.
تتجاوز الكاتدرائية كونها الرمز الديني الكاثوليكي الأهم والأشهر في باريس بل ولا نبالغ إذا قلنا في العالم، لتحتل مكانة معمارية وحضارية استثنائية، فهي التمثيل الأكثر فخامة ورهافة عن الفن القوطي. استغرق بنائها أقل من مئتي عام بقليل (1163-1345) وشهدت كل العصور التاريخية والتقلبات السياسية الفارقة في العصور الوسطي والحديثة التي شهدتها أوروربا. حجزت مكانها، لمئات السنين، باعتبارها أكبر وأعلي مبني ديني في أوروربا كما ألهمت العديد من الكتاب العظام علي مر التاريخ وورد ذكرها في الكثير من الأعمال الأدبية الهامة، بل وكانت مركز الأحداث في واحدة من أشهر الروايات الكلاسيكية رواية »‬أحدب نوتردام» لفيكتور هوجو.
ربما بسبب ذكرها في تلك الاعمال الأدبية، امتزجت مع مخيلتنا التأسيسية لصورة باريس الأولي في أذهاننا حتي أننا لم نفرق بينها وبين المدينة التي تحتويها. اللافت بالنسبة لي أنني لم أدقق يومًا في تفاصيلها سوي في زيارتي الأخيرة لباريس والتي تكررت مرتين في شهر واحد هو شهر مارس الماضي. كنت أسكن في فندق بالقرب من نوتردام، أمرّ بمحاذاتها يوميًا لأصل إليه، في آخر يوم من زيارتي الأولي جلست أتناول إفطاري علي مقهي اسمه »‬نوتردام»، مواجه لها، مقهي مشمس ومتسع، يملك ناصية كبري ويستحوذ علي أفضل مشهد للكاتدرائية. للمرة الأولي أجدني جالسة قرابة الساعتين أتأمل تفاصيلها المعمارية علي مهل وأنا أشرب قهوتي الأولي والثانية، تفاصيلها الأمامية والجانبية... أطالع السقالات المعدنية والخشبية في الجهة الجانبية منها وأتصور منظرها الأجمل بعد انتهاء الإصلاحات وإزالة تلك السقالات.
لم أكن أدرك حينها أنني كنت أختزن مشهدًا يعلم الله ما إذا كنت سآراه مجددًا. ثم عدت بعد أسبوعين من مدينة أكس إلي باريس للمشاركة في معرض الكتاب وافتقدت المشهد من علي ذلك المقهي فعدت لزيارته ولرؤيتها، بل وتوقفت عند محلات التذكارات الملاصقة لها واشتريت كارتين بوستال للكاتدرائية! أحدهم رسم بالفحم والآخر صورة فوتوغرافية، أحدهم للواجهة والآخر للجزء الجانبي. أشعر الآن بتلك الطاقة المبهمة التي دفعتني لأهيم في مجال »‬النوتردام» قبل الحادث المفجع بأيام قليلة وبعد زيارات عدة لي إلي باريس دون أن يصيبني هذا الاهتمام بها.
حين رأيت مشهد النيران تلتهم الكاتدرائية في مساء يوم الاثنين 15 أبريل عام 2019، لم أصدّق وأصابتني حالة من التيبّس الجسدي والشعوري أعقبه شعور حزن ثقيل. راقبت ذلك الدخان المتصاعد بكثافة يشق سماء باريس، تأملته بتركيز، أكاد أراه محملًا بأكثر من رائحة الحريق وذرات الخشب المتفحمة... رأيته متشبعًا بوجوه وملامح إنسانية.. مشاعر.. أمنيات وذكريات. سرحت في تصور عدد البشر الذين جاءوا من أوطانهم محملين بأمنية قديمة لزيارة المكان... رحت أستدعي تلك الوجوه الآسيوية والأفريقية والأمريكية التي كنت أراها أمام المبني عابرة عند مروري وكل منهم يحمل كاميرا تصوير وحقيبة ظهر... ينتظر صامتًا في طابور الدخول أو يقف منفردًا رافعًا رأسه ليستجمع بنظره ارتفاعها الشاهق ويملأ عينيه بواقع طالما رأه مصورًا في الكتب أو علي الانترنت ثم تكسو الوجوه ابتسامة نشوة أو رضا.
كذلك تلك الأمنيات السرية التي ملأت أروقة المكان من الداخل.. تلك الصلوات.. الشموع التي أضاءها أصحاب الرجاء والطلب. كم من دعوة متضرعة انطلقت من القلوب والألسنة نحو الرب، كم من توسّل، كم من أمل لا يخيب. وحين انهار برج الكاتدرائية الشهير كان ضلعًا من أضلع التاريخ ينكسر وكان الزمن يبكي.
انطلقت في صبيحة اليوم التالي مباشرة قاطرة التبرعات والهبات من الأثرياء لإعادة الكاتدرائية لما كانت عليه قبل الحريق. انطلقت حالما أدرك العالم واستوعب ما رآه منذ ساعات، وحين استطاع البعض التسليم والاعتراف بالخسارة الإنسانية والتاريخية الفادحة. ستعود الكاتدرائية ربما كما كانت وربما مختلفة بعض الشيء.. سيعود الزائرون وتعود الصور والكروت البوستال.. وربما احتفظت الأرض والجدران الداخلية المتبقية بالتضرعات والأمنيات التي انسابت فيها لقرون.. كل ذلك يمكن إصلاحه وتداركه، لكن هذا الجيل الذي رأي المشهد مرأي العين سيبقي محتفظًا بمشهدية فاجعة لا تُمحي.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.