المراقب لماريو فارجاس يوسا، يلاحظ أنه أمضي حياته كلها في محاربة الشمولية والفساد، سواء بالكتابة، أوغيرها. بالإضافة لكونه روائياً فهو أيضا ناشط سياسي مثير للجدل بمواقفه الليبرالية ظهر ذلك في هذا الحوار الذي أجراه معه روبرت مكرم في "الأوبزرفر" -ما مصدر إلهامك في "حفل التيس"؟ - في سنة 1975 سافرت إلي جمهورية الدومينيكان لثمانية أشهر، لحضور تصوير فيلم مأخوذ عن روايتي "كابتن بانتوكا والخدمات الخاصة"، خلال تلك الفترة سمعت وقرأت حول تروجيللو، ولما كانت فكرة تلك الرواية مستقاة من الخلفية التاريخية لهذا الرجل، فقد قطعت شوطا طويلا للحصول علي معلومات عنه، زرت خلال ذلك "الدومينيكان" مرات عدة للإطلاع علي مستندات متعلقه بتلك الشخصية، بالإضافة إلي إجراء عدد كبير من المقابلات مع أشخاص ذوي الصلة به: سواء كانوا من ضحاياه، أو آخرين إما محايدين أو متواطئين مع "تروجيللو". - لأي درجة استطعت في تلك الرواية الغوص داخل الشخصية الحقيقية لالبرتو خوجيموري؟ - حسنا، أعتقد أنه كتاب عن"تروجيللو"، لكن إذا كنت تكتب عن ديكتاتور، أو عن الطغاة عموماً، وعن الشمولية، فلن يتطلب ذلك تناول تروجيللو وحده، بل عليك الكتابة عن شخصية رمزية، وتناول أشياء مرت علي كثير من المجتمعات الأخري. - لا سيما في أمريكا اللاتينية! - عندما التحقت بالجامعة في الخمسينيات، كانت أمريكا اللاتينية مكتظة بالحكام المستبدين، تروجيللو كان رمزا، قسوته، والفساد، والإسراف، والزيف، كل ذلك كان دافعا للإتجاهات المتطرفة التي كانت شائعة للغاية لدي معظم الحكام المستبدين في هذا الوقت. - وفساد السلطة. - الطغاة ليسوا من الكوارث الطبيعية، ذلك هو ما أردت توضيحه: كيفية صُنع الطغاة، بمشاركة الكثير من الأشخاص، وبمشاركة ضحاياهم في بعض الأحيان. - هل لديك رؤية خاصة للديكتاتورية من خلال تجربتك السياسية؟ -السنوات الثلاث التي أمضيتها في العمل السياسي، كانت مفيدة جداً و بناءة، من حيث طريقة فهم قدرة غريزة السلطة السياسية علي تدمير العقل البشري، وتدمير المبادئ و القيم، وتحويل الناس إلي وحوش صغيرة. - تلك الرواية كتبت جزئيا من وجهة نظر المرأة، هل شكّل ذلك عائقا؟ - التحدي ليس مشكلة، لقد أردت أن يكون الديكتاتور امرأة، لأنني اعتقدت أن النساء أسوأ ضحايا لتروجيللو، فعلي شرف الإستبداد كان عليك إضافة الفحولة، "تروجيللو" استخدم الجنس ليس فقط للمتعة بل كأداة للبطش، وفي سبيل ذلك ذهب لأبعد مدي، علي سبيل المثال كثير من الطغاة الآخرين، تشاركوا الفراش مع زوجات معاونيهم. - متي اكتشفت لأول مرة رغبتك أن تكون كاتبا؟ - لم يبدأ الأمر من خلال الكتابة، بل القراءة، لقد تعلمت القراءة في عمر الخامسة، وأعتقد أن ذلك أهم حدث في حياتي علي الإطلاق. - أي نوع من القراءات؟ - قرأت قصص المغامرات، في ذلك الوقت كان الأطفال لا يقرأون القصص المصورة، بل النصوص المكتوبة، أتذكر أيضا وجود بعض المجلات، بعد ذلك بدأت في كتابة تتمة ما أقرؤه من القصص، فقد انتابني شعور بالإحباط لأن كان عليها أن تنتهي، أحيانا كنت أرغب في تغيير النهايات، بدا الأمر نوعا من اللعب. - مثل حبكة "العمة جوليا" و"كاتب النص". - تماما، عندما دخلت الجامعة، تأكدت من رغبتي أن أصبح كاتبا، لكن في مثل هذا الوقت، وفي ذلك المجتمع، كان غاية في الصعوبة أن تقرر أن تصبح كاتبا فقط، حسنا، ما حاولت فعله، هو الأخذ علي كاهلي الاستمرار في كسب العيش بعمل أشياء أخري، مع التمسك بالأدب كاهتمام رئيسي، إلا أن حياتي يجب أن تستمر... - هناك عدد لابأس به من كتبك كان سببا للمتاعب؟ واجب الأدباء الكتابة بصدق، مع الالتزام، بالدفاع عما يؤمنون به بكل ما يمتلكون من موهبة، أعتقد أن ذلك جزء من الالتزام الأخلاقي للكاتب، و ينبغي ألا يكون عمله فنيا محضا، فالكاتب عليه تحمل المسئولية، علي الأقل بالمشاركة في الحوار العام، فهو يصبح أكثر جدبا بانقطاعه عن الأجندة الرئيسية للناس ، والمجتمع، و الحياة. - هل يعكس هذا دور الكاتب في أمريكا اللاتينية؟ - أعتقد أن مشاركة الأدباء في النقاش العام يمكن أن يحدث فرقا، فإذا تم عزل الثقافة عما يجري حولها، تصبح شيئا مصطنعا للغاية. - ما الذي ورطك في السياسة؟ - حسنا، أنا دائم التورط في السياسة، لكن كمفكر، في أواخر الثمانينيات أعتقدت أن الالتزام العملي بالسياسة شئ ضروري، وكان قرارا خاطئاً.