فى ملامحه هدوء العاشقين لكتاب الله، وفى صوته دفء المدرسة المصرية الأصيلة، المتسابق محمد محمد كامل لم يكن مجرد قارئٍ يجيد المقامات، بل روحًا تحمل أثر معلمٍ كبير، ويدًا لا تفارق يد والده الذى لازمه فى كل خطوة حتى صعد منصة دولة التلاوة. اقرأ أيضًا | الشيخ محمد أبو العلا: الخشوع فى التلاوة يحتاج إلى صدق نية فى البداية.. كيف بدأت رحلتك مع القرآن؟ - البداية كانت فى بيتٍ يتنفس القرآن والدى كان يصحبنى إلى الكُتّاب وأنا صغير، وكان أول من علّمنى مخارج الحروف، لم يكن يتركنى أقرأ آية دون أن يصحح لي، وكان يؤكد دائمًا أن الإتقان عبادة قبل أن يكون موهبة. تأثرت كثيرًا بأسلوب الشيخ الليثي.. ماذا يمثل لك؟ - الشيخ الليثى مدرسة قائمة بذاتها، تأثرت بأدائه القوي، وبقدرته على الجمع بين الجلال والعذوبة ، كنت أستمع إلى تسجيلاته لساعات طويلة، وأحاول أن أفهم كيف ينتقل بين المقامات دون تكلف، أكثر ما شدّنى إليه هو صدقه فى الأداء، وأن صوته يخرج من القلب قبل أن يصل إلى الأذن. هل كان تقليدك له فى البداية محاكاة أم دراسة؟ - فى البداية كانت محاكاة بدافع الإعجاب، لكن والدى كان ينبهني: لا تكن صورة، كن امتدادًا ، فصرت أتعلم من الشيخ الليثى الروح والمنهج، لا الطبقة الصوتية فقط، تعلمت كيف أبنى التلاوة، وكيف أُحسن الوقف والابتداء، وكيف أعيش المعنى. حدّثنا عن دور والدك فى مسيرتك ؟ - والدى هو سر الثبات، لم يتركنى فى مسابقة أو محفل إلا وكان بجانبى، كان يراجع معى قبل كل مشاركة، ويجلس فى الصفوف الأولى يدعو لي حضوره يمنحنى طمأنينة عجيبة، أشعر أننى أقرأ له كما أقرأ للجمهور. دعاؤه كان زادى الحقيقي. كيف تصف لحظة صعودك إلى مسرح دولة التلاوة ؟ - كانت لحظة فارقة، حين نودى اسمى شعرت أن سنوات التعب تتجمع فى قلبى، نظرت إلى والدى فى القاعة، فوجدته يبتسم بثقة، وكأنه يقول لي: أنت قادر، بدأت التلاوة وأنا أستحضر كل نصيحة سمعتها منه، وكل مقام تدربت عليه، كان هدفى أن أقدم تلاوة صادقة تمثلنى وتمثل المدرسة التى أنتمى إليها. ما الذى يميز مدرسة الشيخ الليثى فى نظرك؟ - مدرسته تعتمد على القوة فى الأداء دون مبالغة، وعلى وضوح الحروف مع امتداد النفس، فيها مهابة، لكن دون قسوة، حين أستمع إليه أشعر أننى أمام قارئ يعيش الآية لحظة بلحظة، وهذا ما أسعى إليه. هل ترى أنك نجحت فى تكوين بصمتك الخاصة؟ - ما زلت فى الطريق، أحاول أن أوازن بين التأثر بالكبار وبين البحث عن شخصيتى، لا أريد أن أكون نسخة من أحد، بل أريد أن أحمل روح المدرسة مع لمستى الخاصة. كيف تتعامل مع الضغط النفسى فى المسابقات؟ - أعود دائمًا إلى نقطة البداية: الإخلاص، حين أستحضر أننى أقرأ كلام الله، يزول الخوف من التقييم، أركز فى مخارج الحروف، وأترك الباقى على الله. ما اللحظة التى لا تنساها فى مشوارك حتى الآن؟ - لحظة انتهاء التلاوة فى إحدى الحلقات، حين صافحنى أحد أعضاء لجنة التحكيم وقال: أداؤك يحمل أصالة المدرسة المصرية نظرت إلى والدى فوجدت الدموع فى عينيه، تلك اللحظة كانت أغلى من أى جائزة. ما رسالتك للشباب؟ - أن يتمسكوا بالقرآن حفظًا وتدبرًا، وألا يستعجلوا الشهرة الطريق يحتاج صبرًا، ومعلمًا مخلصًا، وأبًا داعمًا إن وُجد، والاستماع لكبار القراء مهم، لكن الأهم أن يكون لك هدف أسمى من التصفيق. ما اللحظة التى شعرت فيها أن والدك فخور بك حقًا فى مشوارك مع القرآن؟ - أكثر لحظة شعرت فيها بفخر والدى كانت بعد إحدى التلاوات فى المسابقة، حين انتهيت ونزلت من على المسرح فوجدته يحتضننى دون كلمات، وعيناه تفيضان بالدموع. لم يقل سوى: «الحمد لله الذى أكرمنا بالقرآن» وقتها أدركت أن تعبه معى لم يذهب سدى، وأن وجوده بجانبى لم يكن مجرد دعم، بل شراكة حقيقية فى الرحلة، شعرت أن نجاحى هو امتداد لدعائه وسهره معى فى ليالى المراجعة والتدريب، وأن بركة رضاه هى أعظم جائزة يمكن أن أنالها.