مجلس الشيوخ يوافق على تشكيل لجنة القيم    أسعار الخضراوات والفاكهة بسوق العبور اليوم الأحد 18 يناير 2026    ارتفاع أسعار الذهب في مصر بقيمة 325 جنيهًا منذ بداية 2026    الرئيس السيسي يوجه بمُواصلة تنفيذ استراتيجية تطوير قناة السويس ومجراها الملاحي وتعزيز الأسطول البحري    إسبانيا: غزو أمريكا لجرينلاند يجعل بوتين أسعد رجل على الأرض    عاجل- وفاة الأمير بندر بن عبدالله آل عبدالرحمن آل سعود.. الديوان الملكي يعلن الحداد    الزمالك يستأنف تدريباته استعدادًا لمواجهة المصري في الكونفدرالية    موعد والقنوات الناقلة لمباراة المغرب والسنغال بنهائي أفريقيا    محافظ الشرقية يتابع انتظام امتحانات الإعدادية بالناصرية.. ويوجه بتوفير أجواء هادئة للطلاب    فيديو.. الأرصاد: الطقس مستقر حتى نهاية الأسبوع وننصح بعدم تخفيف نوعية الملابس    مصرع سائق وإصابة 6 آخرين إثر حادث تصادم في البدرشين    بيطري المنيا: تحصين الكلاب الحرة ضد السعار بعدة مناطق حيوية بالمحافظة    مشاهد صنعت النسخة السادسة من حفل جوي أووردز    وزير السياحة والآثار ل الشروق: ندرس تطوير المتحف المصري بالتحرير دون إغلاقه أمام الجمهور    العاهل الأردني يتلقى دعوة من الرئيس الأمريكي للانضمام لمجلس السلام    إصدار قرارات علاج على نفقة الدولة بتكلفة 30.8 مليار جنيه خلال 2025    تفاصيل مبادرة بناء الكوادر البشرية بالإدارات المحلية بالتعاون مع الجامعات الحكومية والخاصة    الحاج ضيوف: لا أخشى الحضور الجماهيري المغربي والدليل كينشاسا.. ونعشق هذه المباريات    أمم أفريقيا 2026.. التشكيل المتوقع لمنتخب السنغال أمام المغرب    اتحاد الكرة يشيد بالمغرب ويستنكر الصافرات على السلام الوطني في مباراة نيجيريا    محافظ أسيوط يوقع بروتوكولًا مع «الأهلي ومصر» لاستغلال أرض مصنع الغزل وتعظيم موارد الدولة    الرقابة المالية توافق للبورصة المصرية على تداول عقود مشتقات الأوراق المالية    الأحد 18 يناير 2026.. أسعار الحديد والأسمنت بالسوق المحلية    عاجل| موعد إجازة 25 يناير 2026 للقطاعين العام والخاص    تأجيل إداري لعدم حضور المتهم.. محامي أسرة ضحية عروسة المنوفية عن أولي الجلسات    بدء تشريح جثامين الأشقاء الخمسة ضحايا تسرب الغاز بميت عاصم    إخماد حريق داخل شقة سكنية فى الهرم دون إصابات    جامعتا المنصورة تفوزان بمشروع EUSEEDS الممول من الاتحاد الأوروبي    الصين: السيطرة على حريق غابات استمر لما يقرب من يومين بمقاطعة يوننان    القاهرة تحتضن الدورة ال5 من الملتقى العربي لفنون العرائس والدمى والفنون المجاورة    موعد صلاة الجنازة على رجل الأعمال طاهر القويرى صاحب بسكويت الشمعدان    مواقيت الصلاه اليوم الأحد 18يناير 2026 فى محافظه المنيا    الإفتاء تحذر من سلوكيات مؤذية متداولة على مواقع التواصل: إيذاء النفس باسم اختبار الصداقة محرم    هيئة الدواء تحذر من تداول مستحضر مجهول المصدر لعلاج اضطرابات القلق والاكتئاب    جانتس يؤكد مجددا استعداده لتشكيل حكومة مع نتنياهو    خطوات الحصول على خدمات التأمين الصحي لأصحاب المعاشات في المنيا    أطباء مستشفى الطلبة بجامعة القاهرة ينجحون في إجراء أول عملية زراعة قوقعة لطالبة    مواعيد مباريات الأحد 18 يناير 2026.. نهائي أمم إفريقيا وبرشلونة ضد سوسيداد    انطلاق قافلة المساعدات الإنسانية ال 118من مصر إلى غزة    ماذا نُريد من البرلمان الجديد؟!    10 وزراء سابقين تحت القبة: الحكومة عليها حارس!    الخريطة الكاملة لمعرض القاهرة الدولى للكتاب 2026    وفاة الفنان محمود بشير عن عمر يناهز 76 عاما    11فيلماً غيرت وجه فاتن حمامة على الشاشة    أسعار الدواجن والبيض اليوم الأحد 18 يناير    الأكاديمية العسكرية.. كيف تبنى الدولة القوية نخبتها؟    الإفتاء عن اختبار الصداقة بالشاي المغلي: حرام شرعًا    دار الإفتاء تستطلع هلال شعبان اليوم.. حسم موعد غرة الشهر بعد صلاة المغرب    نظام الملالى يتصدع    لا تهدموا المعبد ..ودعوا العلم مرفوعًا من إفريقيا إلى كأس العالم: كيف نبدأ التصحيح؟    اليوم.. محاكمة 8 متهمين في قضية «الهيكل الإداري» بالتجمع    حركة القطارات 45 دقيقة تأخير بين قليوب والزقازيق والمنصورة.. الأحد 18 يناير 2026    إلهام شاهين تتصدر مشهد «جوي أوردز» بإطلالة ذهبية راقية تؤكد أنها سيدة السجادة البنفسجية    بعد صافرات النشيد الوطني.. تامر أمين يعتذر باسم المصريين عن تصريحات حسام حسن: حقكم علينا يا مغاربة    الجيش السوري: قواتنا تسيطر على مدينة الطبقة بعد طرد عناصر حزب العمال الكردستاني    صحه شمال سيناء تبحث رفع كفاءة منظومة قطاع الرعاية الأساسية بالمحافظة    لماذا ينصح الأطباء بتناول الزنجبيل؟    وفاة رجل الأعمال طاهر القويري الملقب بملك الشمعدان    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



آخر لقاء بين أحمد بهاء الدين ونعمان عاشور
نشر في أخبار الأدب يوم 07 - 05 - 2011

حاملا أبنته هالة فى زيارته للسويس كنت كلما اقتربت من سنة التخرج في كلية الحقوق، ابتعد خاطري عن فكرة الاشتغال بالمحاماة والقانون إلي الاشتغال بالكتابة.
وكنت أدير عيني في كل الصحف والمجلات التي كانت تصدر في مصر وقتها، يومية وأسبوعية، حزبية ومستقلة، حكومية ومعارضة، فلا أجد واحدة منها يمكن أن اطرق بابها وأعرض عليها ما أريد ان أكتبه.
ولاشك انه كان هناك مثلي كثيرون، كما تبين لي بعد ذلك، فقد كان من السهل ان أحس بأنني أشب عن الطوق مع جيل جديد له مشاغل جديدة، ويتطلع إلي آفاق جديدة، وله أولويات مختلفة عن القضايا والصراعات التي كانت الصحافة المصرية غارقة فيها تلك الأيام. إنها القضايا المطروحة نفسها، منذ نهاية ثورة 9191، و»استقلال مصر« الشكلي مع وجود الاحتلال الانجليزي، وتبلور القوي السياسية في مصر في ثلاث: »الانجليز والسلطة وحزب الوفد«.
وقد مرت علي هذه اللعبة وأطرافها أنفسهم، اكثر من ثلاثين سنة، وعقدت معاهدة مع الانجليز وقامت حرب عالمية ثانية وانتهت، ولا شيء تغير ولا شيء تحقق.
وإذا كانت السياسة المصرية قد تجمدت علي هذا النحو كل هذه العشرات من السنين فقد كان من الطبيعي أن تتجمد الصحافة، في الإطار نفسه، صحف تصدر وتنجح وصحف تصدر وتفشل، ولكن القضايا هي القضايا نفسها، تدور كما تدور الساقية رتابة دورة الحياة السياسية ذاتها، صحف مع الوفد وصحف مع السلطة وصحف مع الانجليز ولا توجد صحف »مستقلة« حتي وإن زعمت هذا الاستقلال من باب التقرب للقراء.
ولكن الصحافة الأدبية أزدهرت في تلك الفترة إزدهارا كبيرا. ظهرت مجلات تركت علامات خالدة علي نطاق الوطن العربي كله، مجلة الرسالة، مجلة الثقافة، مجلة الكاتب المصري. وبعد الثورة، وبعد أن ذهب مؤسسوها. حاولت الدولة استثمار الاسم القديم فظهرت »الرسالة الجديدة« و»الثقافة الجديدة« فلم يكتب لهما النجاح، فالاسم لا يغني عن الحقيقة. اسم مجلة ليس ماركة تجارية لمعجون أسنان مثلا. يمكن استمراره دون تطور.
وبمجرد ان عرفت أنني نجحت في امتحان التخرج في كلية الحقوق، ذهبت عصر اليوم التالي اطرق باب مجلة شهرية صغيرة، لا يعرف اسمها الا القليلون، وهي مجلة »الفصول«.
كانت مجلة »الفصول« مجلة شهرية، هادئة الصوت، معروفة للقلة ، صدرت في شكل وحجم مجلة »المختار« الأمريكية التي هي النسخة العربية من مجلة »ريدرز دايجيست«.
بل الواقع ان مجلة »الفصول« صدرت في القاهرة كرد »مصري« علي مجلة المختار »الامريكية« التي ظهرت لاول مرة في مصر، صيغة صحافية جديدة وجذابة ومؤثرة، رأتها عيوننا في العالم العربي لاول مرة، وتشكلت في مصر جماعة لا اذكر اسمها الآن بالضبط.. من بعض المثقفين البارزين من ذلك الجيل، واصدروا هذا »الرد المصري« علي ما اعتبروه غزوا ثقافيا أمريكيا.
وكان صاحب المجلة ورئيس تحريرها هو المرحوم الكاتب الكبير محمد زكي عبدالقادر صاحب أحد ابلغ الأقلام التي عرفتها الصحافة المصرية في نصف القرن الأخير.
وقابلت الأستاذ محمد زكي عبدالقادر - وكان أكبر مسئول في جريدة الاهرام في الوقت نفسه، في مقر مجلة الفصول، وشرحت له رغبتي وقلت له إنني تحرجت في كلية الحقوق بالامس فقط، وسألني محمد زكي عبدالقادر بعد حوار قصير عن ماذا أريد أن أكتب؟
وقلت له: إن الشهر القادم يصادف مرور خمسين سنة علي وفاة جمال الدين الأفغاني وأنني أشعر انه لا أحد في الصحافة منتبه أو مهتم بذلك. وأقترحت عليه أن أكتب مقالا تاريخيا وتحليليا معا عن جمال الدين الافغاني بهذه المناسبة.
وتحمس محمد زكي عبدالقادر للموضوع، وكنت لا أتصور ان أقدم شيئا مكتوبا ويرفض فقلت له: ان الموضوع، كما هو في ذهني، سيكون طويلا، اطول من الحجم العادي لمقالات الفصول، اي عشر صفحات علي الأقل، ولكنه مقال مناسبة خاصة فهل هذا مقبول؟
وقال لي انه من حيث المبدأ موافق، والباقي يتوقف علي جودة المقال بالطبع.
وهكذا كان ، ونشر لي أول مقال وبدأت أكتب كل شهر.
وبعد بضعة اعداد، زادت مسئوليات الاستاذ محمد زكي عبدالقادر ، في جريدة الاهرام وصار هو رئيس التحرير الفعلي للجريدة.
وذات يوم وأنا اقدم له المقال الشهري، قال لي: مارأيك أن تكون مدير تحرير مجلة الفصول.
ودهشت ، وشكرته علي ما اعتبرت فيه مجاملة فقال لي: مشغولياتي في الأهرام لم تعد تسمح لي بالحضور كل يوم ومراجعة المواد والتفكير في كل، سأضع اسمك علي المجلة كمدير تحرير. وتتولي كل شيء في المجلة، بشرط ان تحضر يوميا كل عصر حوالي ثلاث ساعات.
وكنت خلال تلك الاشهر القليلة قد عينت في الحكومة في النيابة الادارية، واذهب إليها صباحا فقط.. فقبلت علي الفور.
كان فضل مجلة »الفصول« علي عظيما.
هأنذا، بعد تخرجي من الجامعة بشهور، لا أكتب في مجلة بانتظام فقط، ولكنني أدير تحريرها واصدرها واقعيا
في هذه المجلة الصغيرة، وفي هذه الفترة الخاطفة، كان من حظي، ومن أكبرما أعتز به في حياتي الصحفية انني نشرت - لأول مرة في مصر - مقالات واقعيا وقصائد كتبها: عبدالرحمن الشرقاوي - فتحي غانم - الدكتور علي الراعي - المرحوم أحمد رشدي صالح - يوسف الشاروني - بدرالدين ابوغازي (الناقد الفني وقتها ووزير الثقافة بعد ذلك) - قصائد لمحمود امين العالم - وتلقيت من العراق قصائد كتبها شاعر لا أعرف اسمه هو عبدالوهاب البياتي وكان أول مرة ينشر له شعر في مصر - أحمد عباس صالح - ونعمان عاشور.
كان مكتب المجلة في شارع شريف أمام البنك الاهلي زي في قلب القاهرة.
وذات يوم دخل علي اثنان قالا: ان اسميهما أحمد عباس صالح ونعمان عاشور وانهما يكتبان القصص، ولكن لا أحد ينشر لهما. والمجلة تنشر الجديد، كانت الصحف لا تنشر قصصا إلا رومانتيكيات وغراميات الكتاب، كل مدارس القصة الجديدة كانت ترفض كل الشعر الجديد كان يرفض،. كل الفكر الاجتماعي والسياسي الجديد كان يرفض، وكما جاء نعمان عاشور واحمد عباس صالح، هكذا ببساطة.
جاء الآخرون، وكثيرون غير ما طاف بذهني الآن وما سجلت من اسماء، تصدرت بعد ذلك الحركة الفنية والادبية والسياسية في اكير الصحف بعد ان نجحت تجاربهم وامتحنوا امام الجمهور.
هكذا عرفت نعمان عاشور، من هذه الزيارة البسيطة في مكتبي في مجلة الفصول وكان من جيل سابق علي جيلي، وكنت أسمع اسمه وأقرأ عنه في الصحف عن نشاطه السياسي، وكانت دهشتي كبيرة انه حتي في هذه السن يجد منبرا ينشر فيه قصة قصيرة، وأدبا وفنا جديدا. غير السائد الراكد وقتها.
وصرنا اصدقاء من وقتها، وكان اكثرنا شبابا رغم تقدمه عنا في السن واكثرنا مرحا وتفاؤلا.
وحين »احترفت الصحافة« وصرت نائبا لرئيس تحرير روز اليوسف. بدأت أنشر له قصصا قصيرة في روز اليوسف ولا أنسي قصة عرضت مجلة روز اليوسف للمصادرة!
كانت قصة قصيرة جعل اسم بطلتها »حكمت« ولكن امها واخواتها ينادينها من باب التدليل »حكومة« بتشديد الكاف! وشرحنا ذلك للرقيب فابتسم ووافق علي النشر. واذا بالدولة والقراء يقرأون اسم التدليل »حكومة« دون تشديد الكاف، علي انها »حكومة« بضم الكاف، والقصة مليئة باللغة العامية بعبارات من نوع »جاتك نيلة« يا حكومة.. و»إن شا الله تروحي في داهية يا حكومة« و»انت مش بتفهمي يا حكومة«.
واعتبرت السلطة هذا سبا للدولة والحكومة وليس للفتاة الريفية »حكومة« بتشديد الكاف.
وصدر قرار بفصل الرقيب.. وتقرر مصادرة روز اليوسف. لولا اننا نجحنا في اقناع السلطة بأن مصادرة روز اليوسف. سوف يكون له ضجة أكبر من نشر قصة نعمان عاشور دون وضع علامة التشديد علي الكاف!
فلما أنشيء المسرح الحديث.. تفجرت موهبته الاساسية في المسرح، والمسرح الكوميدي الاجتماعي بالذات، وقد كنا نتصور من شخصيته ومرحه، وملاحظاته الطريفة علي البشر انه لابد ان يكون يوما كاتبا مسرحيا كوميديا من الطراز الاول . ولكن لم يتيسر ذلك حتي وجدت خشبة المسرح ! كما لابد من وجود المجلة كي تنشر القصة - التجربة - وكانت مسرحية »الناس اللي فوق« تجربته. ولكنها نجحت نجاحا هائلا، وتم الاعتراف النهائي بنعمان عاشور.. وصار صاحب مدرسة يقلدها آخرون كثيرون.
بدأ بوهيميا شهيرا وانتهي زوجا كريما وأبا وجدا ناجحا، ولكنه ظل حتي النهاية يكتب في النقد والأدب واظن أن له مسرحيات لم تر النور بعد. لعلها تجد من يبحث عنها وينفض عنها الغبار.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.